لؤي قور

لست يوغندياً:

كثيراً ما يشار للشاعر والقاص والروائي البروفيسور تعبان ليليونق أحد أبرز الأدباء الأفارقة في القرن الماضي، بالشاعر اليوغندي أو الشاعر الـ”جنوب سوداني – يوغندي” في أحسن الفروض. الشئ الذي نفاه ليليونق بنفسه حين أوضح في جلاء بأنه جنوب سوداني من منطقة “كاجوكاجى” الجنوبية والتي تقطنها قومية “الكوكو” قبل أن يهرب مع اسرته إثر ملاحقة السلطات الإستعمارية لوالده إلى بلدة “مويو” اليوغندية القريبة من مدينة “كاجوكاجى”  ليبقى هناك للدراسة في بداية الأربعينات من القرن الماضي حيث بدأ العمل والإشتغال بالتأليف، ويقول ليليونق أنه عند وصوله الأول إلى “مويو” حظي مع اسرته بالأستقبال الحسن، وعاشوا فى كنف الرغد والرعاية الباذخة والتعليم عند أحد مشاهير السلاطين لذلك – وكشكر له – حمل أحد مؤلفاته لاحقاً العنوان “أكلُ الزُّعماء القَبَلِيّين” وفيما بعد درس بجامعة “هوارد” الأمريكية حيث كتب روايته الشهيرة “وزنجى آخر قد قتل” كما كتب “ضلع فرانز فانون اللامستقيم” و”جَوامِعَ الكَلِم” إضافة لغيرها من الأعمال.

حاز ليليونق على عدة جوائز منها جائزة “البوكر” العالمية للرواية” وجائزة “كوامى نكروما” وغيرها، وافتتن بالفلسفة فقرأ لنيتشة، شوبنهور، و هيراكليتس، وبريخت كما قرأ للفلاسفة اليونانيين الما قبل سقراطيّين وغيرهم، وتوسع في ما ذهبوا إليه من أفكار.. ومن أحاديث. وفي جامعةِ “هوارد” اطلع ليليونق على كتابات “جومو كينياتا”، “أكيكي نيابونقو” و كلّ ما ألّفهُ الكتّابُ الشرق أفريقيّين آنذاك. ولم يكن ليليونق بمنأي عن السياسة، فقد جنحت كتاباته الأولى للسياسة كثيراً مسانداً لحزب مؤتمر الشعب اليوغندي. وكان قد ذهب إلى أمريكا لدراسة العلوم السياسيّة في كليّة “كنوكسفيل” قبل أن يتركها بعد السنة الأولى متجهاً لدراسة الأدب ليحصل على درجة الامتياز في الأدب من جامعة هارفارد.

ليليونق .. الأم المتعبة:

وليليونق هو اسم والدته على غير ما يتبادر للذهن. وعن سبب تسميته بهذا الإسم يقول :(كانت أمى حاملاً بي، وكانت ترزق بناتاً على الدوام، فتوعدها والدي أنها إن أنجبت بنتاً هذه المرة فأنه سيضطر للزواج عليها، ولما كنت أنا المولود فقد فرحت الوالدة أشد الفرح وأسمتنى “تعبان” وعندما عرفت المعنى وأنا صغير السن قلت لها:(أماه أننى لا علاقة لى بهذا الأسم فهى ظروفك أنت وإننى عندما أكبر سأعلن للعالم هزلاً رائعاً عنك). وعن بدياته الأولى مع الكتابة يقول:( لا أستطيع أن أعرفَ، بالضبط، متى بدأتُ الكِتابة. أظنُّ أنّني كُنتُ أسمع الكثيراً من الحكاياتِ الفولكولوريّة وحكايات الأسفار حينما كنتُ يافعاً، ولما كان هناك الكثير من الإهتمام في مدرستنا الأوّليّة، بسردِ القصص، فقد خصصت فترة صّباحِ كل يوم كان على كلّ واحدٍ منّا أن يقصَّ فيها قَصّةً، ولما يأتي دور أحدنا كان يذهبُ إلى مقدّمة الفصل، يحكى حكايته ثمّ يعود إلى مكانه. وإذا لم يستطع أن يحكي حكايةً يَكُونْ عليهِ، آنذاكَ، أن يجلسَ في مُقدّمة الفصل، وفي مُواجهةِ الجّميع مما كان يُسبّب لهُ حرجاً. أتذكّرُ أنّني حكيتُ حكايتي عن (الديك الذي وجد واقفاً على رجلٍ واحدةٍ إزاء الأرنب البرّيّ).

 

ويمكن إعتبار أن كتابة ليليونق الخاصة بدأتْ أثناء دراسته في مدرسة قَولو الثانوية بيوغندا – على حد قوله – حين بدأ في ترجمة كتابٍ ألّفهُ شيخ قبيلة الأشولي – أحد الزُعماء القَبَلِيّين – من اللغة الإنجليزية للأَشُوليّة لكنّ العمل الجّدّيّ الثاني الذي كتبهُ وأعجب به كان عبارة عن قصة قصيرة كتبها في عام 1951 عندما كان طالباً في مدرسة السير صامويل بيكر.

ربات الشعر التسعة:

في محاضرته الملقاة في مهرجان الشعر في مدينة روتردام الهولندية في يونيومن العام 2006 والمعنونة دفاعاً عن الشعر تتجلى ثقافة ليليونق العالية واطلاعه الواسع وشاعريته الفذة حين يتحدث عن ربات الشعر التسعة اللائي يرأسن تسع مواقع معلومة من مواقع الإبداع في مقرر الكتابة الإبداعية الدراسي واللائي حين لا يتم استدعاؤهن – حسب الأسطورة – فإنهن يتخذن من جبال (باناسوس) مكاناً للسكنى يتحدث عن سليو عروس الشعر التاريخي فيقول:( ابتسمت (سليو) ربة التاريخ في وجهي وما زالت مبتسمة. وكلي أمل أن لا تحرمني (سليو) من نعمها لحين الإنتهاء من إلقاء هذه المحاضرة العاشرة المكرسة للدفاع عن الشعر، لذا فأنا ممتن لـ(سليو)، وأعد بذبح كبش مسمن على محرابها حين الإنتهاء من هذه المهمة. أبتهل إليك يا سليو وأرجو أن تبقي مركبك المقدس بحوزتي لحين الفراغ، وأنتن يا عرائس الشعر ويا رعاته إجعلوا من روتردام هذه المدينة الشاعرية مكاناً للسكنى طيلة أيام هذا الإحتفال).

ويظهر جلياً احتفاؤه بالمقدس حين يقول:(بولهيمينيا ربة الإنشاد يعكر صفوها حرج إذ أن معنى المقدس قد ضاع أو في طريقه إلى الضياع، كيف يمكن للشعر الذي يمجد فضائل الطبيعة المقدسة للآلهة والبشر أن يكتب في غياب فكرة المقدس والقداسة؟) وتظهر ميوله الفلسفية في التفكير حين يقول:( ربما حفزتنا أورانيو ربة الفلك على فهم طبيعة خلق العالم وبروز العناصر إلى الوجود متمثلة في الماء والهواء والضوء والأرض والسماء والنجوم والقمر والشمس لتشكل جميعاً الفصول ، وباختصار أصل الكون الذي لا تحده حدود ، والبيئة والمكانة التافهة للإنسان فيها ، الإنسان الذي رفع رأسه إلى ذرى مكنته من المفاخرة بمنتجاته العقلية . الملوحة التي في دم الإنسان مأخوذة من البحر).

أو حين يقول:( هل خطر ببالكم مرة أن يقوم الطرواديون بتفتيش الحصان قبل سحبه إلى الداخل، حتى يكشف أمر الجنود الذين بداخله ويتم قتلهم؟ ثمة أمثال تضرب لمعارضة رؤية حصان يجسد هبة تقف عند المدخل لذا فليتلقى الطرواديون، (مروضو الخيول) دميتهم العملاقة التي يجسدها حصان خشبي خلفه أعدائهم السابقون . إن الولع بالخيول يمثل نقطة ضعف الطرواديين ، مثلما كان كعب آخيل يمثل نقطة ضعفه).

شعر الملاحم

ويتحسر ليليونق علي غياب الملاحم الشعبية عن أشعار العصر الحالي تلك التي تجسد هموم وحياة الإنسان بصورة عامة غير مجتزأة ولا منقوصة، ومتأثراً بشدة بأعمال هوميروس الخالدة الإلياذة والأوديسة يقول:(أعذب الشعر هو شعر الملاحم الشعبية التي احتلت مكانة عالمية خاصة الإلياذة والأوديسة اللتين كتبهما هوميروس إضافة إلى المهابهاراتا الهندية والكاليفالا الفنلندية.تنهض جميع هذه الملاحم بوصفها أعمالاً تحتاج للدراسة تفاعل الأجيال، التي تحويها كل ثقافة ولغة معها. لا تجسد هذه الملاحم إبداعاً لشخص بعينه أو ديناً بعينه إنما تجسد الإبداع الجمعي لشعب من الشعوب حول مكانة الإنسان في العالم . لذا لا يمكن لأحدنا أن يكذب حين يقول أن الملاحم هي نفحة من نفحات الأم منيموسين ربة الربات وملهمة الإبداع السابق واللاحق وبدأ إنتاج الملاحم بعون الربة كاليوبي نصيرة الشعر الملحمي . وهأنذا أتلفت يمنة ويسرى لكنني لم أجد قصيدة ملحمية تسجل وقائع زماننا، بوصفي الإبن المدلل للربة سليو في هذا اليوم أجد صعوبة في الفاع عن الأشعار الجزئية. فأين هي القصائد الموغلة في الإحاطة؟ القصائد التي تمنح الإنسان مكانة تتراوح بين الآلهة وطبيعته الهشة ومكانة تتراوح بين الإنسان والحيوانات؟)

ويعلي ليليونق من قيمة الإنسانية في الشعر الملحمي وفي غيره من ضروب الإبداع حين يجعلها أساساً لكل شئ ويخضع لها حتى تلك الأساطير الموغلة في الخيال والقدم فيقول:(إذا كنت تعتقد أن الإنسان الذي يحمل كلمات أقل فتكاً من الملاكمين عليك أن تتأمل في حياة هؤلاء الجنرالات الرومان التاريخيين (بومبي، وقيصر، وبروتوس، وكاسيوس، وأنطونيو، وحتى كيلوباترا.) إذا كنت تعتقد أن هؤلاء الجنرالات يحملون جينات شعرية، فإنك ربما تنسب تصوراتهم إلى ربات الشعر التراجيدي . لكن طالما أنهم شخوص تاريخية، فإنني سأقدم دعوى ضدهم أمام محكمة (سليو)، الربة التي تضخ في قلب الجنرال دماً رائعاً، حينما ينتهز الجنرال الفرصة، ويقرر، وينجز المأثرة التاريخية. البطل التاريخي الذي يمتطي صهوة حصان مطهم ليتفحص المقهورين في نظر الضحايا يجب أن يرسل مثل هذا البطل إلى المحكمةالجنائية الدولية في لاهاي). ويصل اهتمامه بالشعر التراجيدي مداه حين يقول:(ربما كانت مأساة زماننا تكمن في غياب تعريف متفق عليه للتراجيديا . يخيل إلى أن معنى التراجيدي الشعري أكثر أهمية الآن من معنى المقدس الديني فحياة أوديب تقدم موعظة بينما تدعو حياة أيوب إلى التمرد).

 

ويختتم ليليونق محاضرته القيمة تلك بالحديث عن أهمية الشعر كصنف من صنوف الإبداع، وعن أهمية الدفاع عنه أياً كانت شموليته أو جزئيته في مختلف الحقب والعصور فيقول:(ينبغي أن ندافع عن الشعر. حتى الشعر المعوج الذي يتم انتاجه في هذه الايام , ينبغي ان ندافع عنه , كي تبقي جذوه الشعر متقده , ونتطلع لأن نصنع شعراً أفضل, وأن نصل في النهاية لشعراء ملاحم يمتلكون القدره علي إنتاج شعر يطالب بالدفاع عنه).

المراجع:

ترجمة إبراهيم جعفر – لندن 1976 لقاء مع تعبان ليليونق -*

دفاعاً عن الشعر – تعبان ليليونق – ترجمة صلاح محمد خير