نبيل أديب

إتماما لما بدأناه الأسبوع الماضي من دراسة حول العون القانوني، ننظر اليوم لواجب الدولة والمجتمع المدني في توفير الخدمة. ونترك المسائل القانونية التي يجب توفير العون القانوني بشأنها لمقال مقبل بعون الله.

على من يقع الإلتزام بتقديم العون القانوني

الواضح هو أن الإلتزام بسداد قيمة العون القانوني للمحتاجين له يقع في المقام الأول على عاتق الدولة وذلك لإتصاله بالحقوق الدستورية التالية:-

1/ العون القانوني يتصل بالحق في المساواة أمام القانون. ورغم أن المادة (31) من الدستور والتي تمنع التمييز بين الناس إقتصرت على عدم التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو العقيدة الدينية، أو الرأي السياسي، أو الأصل العرقي، ولم تذكر الفوارق في المقدرة المالية،  إلا  أن هذه  المسألة لاخلاف حولها، لأن المساواة أمام القانون لا تتحقق إذا كانت ثروة الشخص تمنحه ميزة أمام القانون، لا يتمتع بها من لايملك مثل تلك الثروة.

2/ العون القانوني يتصل بالحق في المقاضاة. فالمقاضاة في الأغلب تحتاج لإستعانة بمحام، وهو أمر قد لا يستطيع على تكاليفه بعض من أصحاب الحقوق التي يهم المجتمع التوصل لقرار قضائي بشأنها، مما يجعل العون القانوني هو السبيل الوحيد لممارسة الحق في التقاضي على الوجه المطلوب.  ولذلك فإن الدولة لا تستطيع أن تتخلى عن دورها في مد يد المساعدة لمن لا تمكنه مقدرته المالية من الدفاع عن حقوقه بإستخدام حقه في المقاضاة على الوجه الأكمل.

3/ العون القانوني يتصل بالحق في المحاكمة  العادلة، والتي قد لا تتوفر عندما يكون طرفاً في المحاكمة غير قادر على الإستعانة بمحام، بسبب عدم قدرته المالية، رغم أن المسائل المتنازع عليها على درجة من التعقيد تحتاج لخبرة قانونية لا تتوفر لذلك الطرف. 

يرى البعض أن هذه الحقوق الثلاث لا تلزم الدولة بتوفير العون القانوني، لأنها من الحقوق التي تدخل ضمن الجيل الأول من حقوق الإنسان، وهو ما يطلق عليه تعبير الحقوق السلبية، بمعنى أن دور الدولة فيها يقتصر على عدم إصدار تشريعات تحد منها، وبالتالي فإن هذه الحقوق لا تخرقها الدولة إلا حين تمنع ممارستها، أما إذا اتاحت تلك الممارسة ولكن حال بين صاحب الحق وبين نيل حقه ظروف آخرى، فإن الدولة لا تسأل عنها .

شمول حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة

وهذا الرأي في نظري غير سليم لأنه من جهة فإنه حسب ما إستقر في الفقه الدولي فإن جميع حقوق الإنسان هي حقوق شاملة، وغير قابلة للتجزئة، وتدعم بعضها البعض، كما يتصل بعضها ببعض، ولذلك فإن المجتمع الدولي يجب أن يتعامل مع تلك الحقوق بشكل منصف ومتساوي وأن يصنفها جميعاً في نفس المستوى وفي نفس الأهمية. إذا فلا مجال للقول بأن الحكومة ينتهي دورها  بالنسبة لتلك الحقوق عند عدم خرقها بل يجب عليها أن تعمل علي توفيرها بشكل واقعي بحيث لايحرم أحد من حقه بسبب عوز أو فاقة. صحيح أن توفير الحقوق الإقتصادية يتوقف على وجود الموارد التي تتيحها، ولكن واجب الدولة هو أن تعمل على توفير الموارد وهذا ما ندعو الدولة للقيام به.

ومن جهة أخرى فإن الدولة لا تسأل فقط عن عرقلتها هي لممارسة الحقوق، بل أيضاً عن سماحها لغيرها بعرقلة الحق. ففى دعوى جمعية مناهضة الإجهاض ضد حكومة النمسا لدى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، حين قامت الجمعية المذكورة بتقديم شكوى للمحكمة الاوربية بدعوى أن الشرطة لم تقدم لهم الحماية الكافية التى يفرضها عليهم واجبهم فى حماية حق التعبير الدستوري، دفعت الحكومة النمساوية بأن واجبها ينحصر فى عدم التعرض للمظاهرة، أما ما يحدث بين الافراد فليس سبباً للطعن بالإخلال بالحقوق الدستورية، رفضت المحكمة الأوربية ذلك الدفع لأن من واجب الحكومة أن تتيح للمتظاهرين أن يقوموا بمسيرتهم دون خشيه من تدخل معارضيهم فى الرأي، وأن الشرطة متى ما أُخطرت بالمسيرة عليها توفير الحماية اللازمة لها، ومنع إقتراب معارضيها منها، لأن حق التجمع السلمى يفرض على الدولة ليس فقط الإلتزام السلبى بعدم التدخل، بل الإلتزام الإيجابى بتوفير الحماية لمن يرغب فى ممارسة الحق.

حدود تنظيم الدولة للعون القانوني

  لا يجب أن تترك الدولة واجبها في تقديم العون لغيرها ليمارسونه بالشكل الذي يتراءى لهم،  كما ولا يجوز لها أن تحتكر العون القانوني، ولا أن تفرض على غيرها  ما لا يتناسب مع قدراتهم، ولكن يجوز لها أن تقدم الدعم لهم لإستخدامه في المجالات التي تحددها للعون القانوني.

من الجهة الثانية فإن مسألة العون القانوني يجب أن يتم تنظيمها بواسطة مجلس متخصص مستقل عن الجهاز التنفيذي، والسبب في ذلك هو أن السلطة التنفيذية غالباً ما تكون هي الطرف المقابل في دعاوي الشأن العام، بما في ذلك الدعاوي الإدارية والدستورية، ولذلك فلا بد أن يتم تكوين المجلس المنظم لمسألة العون القانوني من متخصصين مستقلين عن الجهاز التنفيذي يضمنون تقديم الخدمة في المجالات التي تلزم المبادئ الدستورية الدولة بتقديمها، وفي نفس الوقت يضمنون ان تقوم الجهات الأخرى المقدمة للخدمة بالإلتزام بالقواعد التي تحمي طالب الخدمة من كافة أشكال التمييز والإستغلال. ومن المهام الرئيسية للمجلس أن يراقب وصول الخدمة إلى الشخص المحتاج للعون من حيث المقدرة المادية ومن حيث المجالات التي يستخدم المال العام لتقديم العون القانوني.

اما وقد قلنا ذلك فلا بد لنا من أن نقول أن للمجتمع ككيان منفصل عن الدولة مصلحة في تقديم العون القانوني، لإرتباطه بسيادة حكم القانون، والذي يستند على ترسيخ الحق في المساواة، واللجوء للمحكمة، والخضوع للمحاسبة، وهذه كلها تتصل بالمحاكمة العادلة، والتي يوفرها العون القانوني. وهذا يجعل من المجتمع المدني شريكا رئيسياً للدولة في تقديم العون القانوني. ورغم إلتزام الدولة بتوفير العون القانوني كلما إقتضت العدالة ذلك، إلا أنه لابد لنا من الإعتراف بما يلقيه هذا على عاتق الدولة من التزامات ثقيلة تعجز عنها أكثر الدول النامية، لذلك فإنه لابد للحكومات من أن تترك جزء كبير من المسألة للمجتمع المدني ليقوم به، وهو أمر يستطيع المجتمع المدني القيام به. وسننظر فيما بعد للأجزاء الأكثر قدرة من المجتمع المدني على القيام بذلك، وما تستطيع الدولة أن توفره لهم ليقوموا بدورهم في ذلك

قد لا يكون مناسباً أن يقوم المجلس بنفسه بتقديم الخدمة ولكنه يجب أن يشرف على ذلك بإبرام إتفاقيات مع الجهات التي تقدم الخدمة والتي تكون Accredited له، وهذه الجهات  هي منظمات المجتمع المدني، وكليات القانون، ومكاتب المحامين المتخصصة في المجالات المطلوب العون فيها، ووفقا لتلك الإتفاقيات يتم تقديم الدعم المالي من الأموال الحكومية المرصودة لذلك وفق الإتفاقيات التي يتم إبرامها. وتكليف محامين بتمثيل متلقي الخدمة لقاء أتعاب يتم الإتفاق معهم عليها، حتى ولو لم يكن مساوياً لما يأخذونه في العادة من أتعاب في الدعاوى المشابهة إلا أنه يكون مبلغاً مناسباً.

يكون من مهام المجلس إستقطاب الدعم المالي بالإضافة للميزانية المرصودة له من الدولة ويقوم بتوزيع المبالغ التي تزيد عن حاجته للمراكز المختلفة للعون القانوني.

المجتمع المدني

المجتمع المدني يتكون من كل التنظيمات التي تشغل الفضاء بين الدولة والاسرة، وقد شغلت التكوينات المكونة له الفلاسفة الأوربيين، فجعله لوك أساس تكوين الدولة عن طريق العقد الإجتماعي الذي يحتوي في واقع الأمر على عقدين، الأول خضع بموجبه المجتمع المدني للحاكم كي يوفر لهم الأمان الذي إفتقدوه في الحياة قبل تكوين الدولة، ونتيجة لذلك أصبح الحاكم هو الذي يسن القوانين والأنظمة. والعقد الثاني هو عقد يتصل بتحديد سلطة الحاكم بحيث لايجوز له أن يهدد الحقوق الرئيسية للإنسان، وهي الحق في الحياة والحرية والملكية، وعلى الدولة أن تلتزم بقواعد القانون الطبيعي في ممارستها للسلطة

ومنظمات المجتمع المدني تعني جميع المنظمات القانونية المشكلة داخل ذلك المجتمع والمستقلة عن الدولة وتشمل ضمن ما تشمل النقابات والمؤسسات غير الحكومية والأحزاب وأيضا المنظمات الطوعية. المجتمع المدني كتعبير هو أكبر واكثر إحاطة من المنظمات الطوعية غير الحكومية، وهو مصطلح يشير إلى أي تنظيم يكون مستقلاً عن الحكومة وبشرط أن لايكون هادفاً لتحقيق الربح وليس مشروعاً إجرامياً وليس مجرد تنظيم حزبي معارض، وهو التعريف الذي إخذت به الأمم المتحدة، وهذه المنظمات تقوم بممارسة عدد كبير من الأنشطة بعضها يشمل حقوق الإنسان، ومسائل البيئة والتنمية وقد لعبت منظمات المجتمع المدني دوراً هائلاً في ترسيخ الديمقراطية في دول العالم الثالث وتقول مذكرة الأمين العام للمتحدة المعروفة بإسم المذكرة الهادية ” أن المجتمع المدني الحر المنظم والحيوي هو أساسي بالنسبة للديمقراطية.”

لماذا منظمات المجتمع المدني

العون القانوني لا يقتصر على التقاضي، بل يعني في المقام الأول زيادة الوعي القانوني، وذلك بنشر وتوسيع الثقافة القانونية، ورفع وعي الجمهور بالحقوق القانونية، وهذا الجانب تقوم به منظمات المجتمع المدني كل في مجال تخصصه.

وهذه المنظمات تعمل على زيادة الوعي لدى الجمهور بحقوقه عن طريق عمل المحاضرات، والورش، ونشر الكتيبات. وتقوم المنظمات بصفة خاصة بنشر الوعي القانوني المتعلق بحقوق الشريحة التي تتخصص المنظمة في العمل على مساعدتها، و تعمل على تطوير التشريعات المتعلقة بتلك الشريحة. من جهة أخرى تقوم أيضا بتقديم العون القانوني المتصل بإتاحة وصول تلك الشرائح إلى العدالة، ويكون ذلك بالتعاون مع المحامين وتجنيدهم لمباشرة العون القانوني في قضايا الشرائح التي تخدم مصالحها المنظمة. وتختلف سبل التعاون بين المنظمات والمحامين، فبعضهم يتقاضون أتعابا عادية أو مخفضة، تقوم المنظمة بسدادها نيابة عن من تحولهم لهم من المتقاضين، والبعض الآخر متعاونون متبرعون يقدمون خدماتهم بدون مقابل.

العيادات القانونية

والشكل الأكثر تطوراً لنشاط المجتمع المدني هو شكل العيادة القانونية المتخصصة، وذلك بتعيين عدد من المحامين لقاء أجر شهري، يقومون بتمثيل المقدم لهم/ن الخدمة. ويشمل ذلك إسداء النصح القانوني، أو صياغة العقود، أو تمثيلهم في النزاع، بالإضافة لعدد من  الباحثين والدارسين الذين يعملون في مجال رفع الوعي بالحقوق. وتمثل دعاوي الشأن العام جانباً كبيراً من الدعاوي التي تقدم فيها المنظمات المتخصصة في الخدمة العون القانوني، وخاصة بالنسبة للمنظمات المتخصصة في أغراض الحكم الراشد، وحقوق الإنسان، وحقوق الشرائح المستضعفة في المجتمع. وعادة ماتقوم العيادات بتدريب الطلاب على الجوانب العملية في القانون التي تعمل فيه

وغالباً ماتقوم العيادات القانونية بإستخدام عدد من القانونيين الموازين Para legal من الذي يتمتعون بخبرة ومعرفة قانونية  إكتسبوها من تدريب محصور في مجالات قانونية معينة  تساعدهم على إستقبال  متلقي الخدمة، ومعرفة مشكلتهم ودراستها وعرضها على القانوني المؤهل، الذي يقوم في نهاية الأمر بتقديم الخدمة. ويمكن  لهؤلاء الموظفين، رغم أنهم غير كاملي التأهيل، المساعدة  في حل المشاكل في وهي ما زالت في طورالتكوين، خاصة بالنسبة  للمسائل المتعلقة بقوانين الأسرة. وأيضاً في تمثيل متلقي الخدمة في الوصول إلى حل توفيقي عن طريق آليات حل النزاع الأسري، ولكن في نهاية الأمر يقوم المحامون المؤهلون بتمثيل متلقي العون في المحاكم، إذا إقتضى الأمر الوصول بالنزاع إلى المحكمة.

التمويل والخدمات المصاحبة

ويجدر بنا أن نذكر أنه منذ ثمانينات القرن الماضي، وفي إستجابة للنقد الذي وجه له من جانب منظمات المجتمع المدني، تبنى البنك الدولي سياسة جديدة، ترمي الى التعاون مع منظمات المجتمع المدني. وفي عام 1989 تم تبني الموجه رقم 70/14 والخاص بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، ومنذ ذلك الحين فإن تمويل البنك الدولي لمنظمات المجتمع المدني في إزدياد. ويعتبر نموذجا لذلك صندوق القانون والقضاء في إكوادور، والذي يقوم بتمويله البنك الدولي. بغرض التغلب على الصعوبات المتصلة بالوصول إلى العدالة. يضم الصندوق المؤسسات العاملة في العون القانوني في الجامعات، ومنظمات المجتمع المدني. ومن ضمن تلك المشاريع مشروع العون القانوني للنساء الفقيرات في بعض المناطق في الإكوادور، حيث تتعاون منظمات المجتمع المدني في إدارة مركز الخدمات القانونية للنساء. ويقوم المركز بخدمات العون القانوني، وحل النزاعات، وكذلك يقوم بالمساعدة النفسية، وتقديم النصائح الطبية للنساء. ويضم المركز قانونيين، وأطباء، وخبراء نفسيين، كعاملين بالمركز. حيث أن خبرة المركز تؤكد أن النساء الفقيرات يحتجن لخدمات أخرى بالإضافة للخدمة القانونية، حتى يكتمل تأهيلهن للوصول الى العدالة. وقد أظهرت الدراسات أن 70% من الزيجات أو الشراكات في المنطقة تتضمن عنف أسري، مما إستوجب تقديم عون إجتماعي ونفسي بالإضافة للعون القانوني.

تشير تلك التجارب الى أن شبكات المجتمع المدني، المؤيدة بتمويل على مستوى عالي، هى القادرة على ان تتولي المسألة من جوانبها المختلفة، لأن الشرائح الأضعف في المجتمع، تعاني من مشاكل تجعل قدرتهن على إستيعاب المشكلة، وعرضها، ومن ثم الوصول لحل لها، يحتاج لأكثر من مجرد عون قانوني، بل خدمات أخرى تجعل للعون القانوني معنى.

منظمات المجتمع المدني في السودان

كان خلو الساحة من العاملين في هذا المجال، مع شدة الحاجة لهم، سببا في أن تكونت على عجل، مجموعة من صحفيين ومحامين متطوعين، أسسها الأستاذ عثمان ميرغني، عندما إنتشرت حملات المحليات على الباعة في أطراف الشوارع والأكشاك، للعمل في مجال العون القانوني، فخصصت رقما تلفونيا لمنسق المجموعة، يتم الإتصال به ممن يتعرضون لحملات الإزالة، فيتصل بالمحامي المسؤول عن المنطقة، الذي يقوم بدوره بتحريك محامي أو أكثر لتقديم الطلب المناسب لوقف الأمر. وقد شهدت الفترة التي تلت صدور دستور عام 2005 نشاط متزايد لمنظمات المجتمع المدني، والتي تعمل في مجال حقوق الإنسان، والحكم الراشد، ومجال التوعية بالنسبة للعلاقات الأسرية، في تقديم العون القانوني للأقسام الضعيفة في المجتمع، والتي تدخل تقديم المعونة لها ضمن تفويضها. من المراكز والجمعيات التي قدمت عونا قضائياً مقدرا وفق تفويضها نذكر مركز سيما، ومنظمة المنار، ومتعاونات. والملاحظ أن السيدات لعبن دوراً مميزا في إنشاء تلك المنظمات. ولكن سرعان ما إنتهت الفترة الأولى التي سبقت وتلت مباشرة صدور قانون العمل الطوعي والإنساني، فبدأ الإحتكاك بين السلطات المنظمة وفقاً لذلك القانون، و منظمات المجتمع المدني، بسبب لجوء السلطات إلى إستخدام القيود الواردة في القانون لتقييد نشاط تلك المنظمات.  واهم تلك القيود تقييد العون الأجنبي بواسطة  المادة 7، والتي تتطلب إذنا مسبقا من الوزير قبل إستقطاب العون الأجنبي، والمتطلبات المرهقة للتسجيل بدلا من الإكتفاء بالإخطار، و تطلب إعادة التسجيل سنوياً، وإزدواج التسجيل القومي والولائي. كان الإحتكاك سببه الإسترابة لدى السلطات في نشاط المجتمع المدني، خاصة تلك المنظمات التي تعمل في الحكم الراشد وحقوق الإنسان، والتي ترى السلطات في نشاط بعضها ما يهدد الأمن القومي، وهو في تقديرنا خطأ تقع فيه الأجهزة الحكومية في الدول الإفريقية.  وقد رأت الدراسة التي أجرتها اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان، بالنسبة لحرية التجمع والتنظيم في إفريقيا، أن الحكومات قد أصبحت تضيق بنشاط منظمات المجتمع المدني، وتحاول أن تعيقها من أداء مهامها. وقد أشار التقرير لعدد من السبل التي تلجأ لها الحكومات المختلفة، بقصد التضيق على تلك المنظمات، وهي لا تختلف عن القيود التي تحدثنا عنها.  أكثر تلك القيود أثرا على منظمات المجتمع المدني، هو التقييد الواقع على التمويل الأجنبي. معلوم أن القطاع الخاص المحلي يعاني من ضعف القدرات المالية مما يجعل إستقطاب العون المادي منه مسألة قليلة الجدوى، كما وأن أي دعم حكومي يفقد تلك المنظمات إستقلالها، وهو أمر غير مرغوب فيه بالإضافة لشح الأموال المتوفرة لدى الحكومة، وهذا الشح هو، في المقام الأول، الذي يحول دون الحكومة وأن توفى بالتزاماتها نحو العون القانوني. تستخدم الأجهزة الحكومية في المنطقة الإدعاء بأن التمويل الأجنبي يمس السيادة الوطنية كعذر لمنعه. ورغم أن الدولة تتمتع بالحق في أن تمنع الأنشطة التي تهدد أمنها القومي، وتلك التي تناقض مصلحتها العامة، ولكن الدراسة التي أجرتها اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان، رأت أن هذه الإدعاءات تخلو من الصحة، ولكنها فقط تستخدم كوسيلة لتقييد التمويل الأجنبي المشروع والضروري للمجتمع المدني. وقد ركزت اللجنة في تقريرها على أن التمويل هو حق ومتطلب أساسي للتنظيم، ولكنه أصبح مدخلاً للحكومات للتحكم في النشاط المشروع للمنظمات، وأحياناً في وجودها نفسه، وقد أصبح هنالك إتجاها متزايداً وسط الحكومات لإستخدام تقييد التمويل كوسيلة للإقلال من قدرة المجتمع المدني على أداء مهامه.

 وبسبب خطورة هذا الإتجاه ومداه فقد خصص الخبير الخاص للأمم المتحدة في حرية التنظيم والتجمع تقريره لعام 2013م لهذا الموضوع وذكر في الفقرة 27 من التقرير “في الآونه الأخيرة أصبحت سيادة الدولة، وحماية  القيم المتوازنة، تستخدم لمنع التمويل الأجنبي، ولشن حملات من إشانة السمعة ضد الذين يتلقونه. ويقول الخبير إن حماية الدولة ليست فقط عذراً غير مشروع لمنع التمويل الأجنبي، بل هو غير حقيقي، ولا يوفى بمتطلبات أسباب التقييد في مجتمع ديمقراطي. وقد أدت العقبات المتمثلة في تقييد العون الأجنبي والمتطلبات المرهقة للتسجيل بدلا من الإكتفاء بالإخطار و تطلب إعادة التسجيل سنوياً، وإزدواج التسجيل القومي والولائي، أدت كل هذه العقبات لإضعاف منظمات المجتمع المدني، وحل بعضها وعدم تجديد تسجيل البعض الآخر.

وهكذا شهدنا عدداً من المحاكمات التي يقوم الإتهام فيها على مجرد الإسترابة في المنظمات التي تعمل في مجال الحكم الراشد وحقوق الإنسان . وقد أدى هذا الخصام غير المبرر بين الإثنين إلى إغلاق عدد من المنظمات مؤخراً كانت تلعب دوراً كبيراً في تقديم العون القانوني للجهات المستضعفة في المجتمع. إذا ما تمت إزاحة هذه المعيقات فإن منظمات المجتمع المدني تكون قادرة على إستقطاب الدعم بشكل كاف لإدارة عيادات قانونية متخصصة، تقوم بالدور المطلوب كاملاً.