خالد فضل

أثار القرار الصادر عن الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب و القاضي بحظر تأشيرات الدخول لامريكا لمواطني سبع دول في الشرق الاوسط من بينها السودان , ردود افعال متباينة . و قد استمعت إلى تسجيل صوتي منسوب إلى القائم باعمال السفارة الامريكية بالخرطوم, اوضح فيه ملابسات إصدار القرار و مدة سريانه , و خلاصة ما قاله ان السودان مصنف من الدول المثيرة للقلق لإيوائه و دعمه للارهاب وفق التقارير الموروثة من ادارة الرئيس اوباما السابقة , و دعا السفير حكومة الخرطوم للعمل جنباً إلى جنب مع حكومة بلاده لإزالة الاسباب التي قادت إلى وضع السودان في قائمة المغضوب عليهم امريكياً .

استحضرت اجابة ذكية كان قد اجاب بها الراحل د. جون قرنق , النائب الاول الاسبق لرئيس الجمهورية , في اول و اخر مؤتمر صحفي عقده في الخرطوم عندما سأله الاستاذ محجوب عروة عن الدور المأمول منه في موقعه الجديد لتحسين علاقات السودان الاقليمية و الدولية , بحكم علاقات د. قرنق الواسعة بالمحيطين (الاقليمي و الدولي) , حكى د.جون قصة قريته (ونقلي) بالقرب من مدينة بور باعالي النيل , حيث الباعوض يقلق مضاجع القرويين و لا يستطيعون النوم إلا تحت (الناموسيات) سأل د. قرنق بلغته الطريفة تلك , يا محجوب اخوي لو في زول ما شد ناموسيتو كويس , (غلطان هو ولّ الباعوض ؟) فهم الجميع مغزى الحكاية إذ كل بلاوي الخارج لا تأتي إلا بتوفير البيئة المناسبة لها في الداخل .

امريكا بلد تحكمه المؤسسات , و الدستور يعلو و لا يعلى عليه , و الفصل بين السلطات واضح , فالرئيس ليس من حقه ان يبرطع كيف ما شاء وقت ما اراد ,السلطات ليست مطلقة كما هي الحال عندنا هنا , حيث تتركز السلطات كلها بيد الرئيس و في كل مرة يتم تعديل الدستور لمزيد من تركيز السلطات في يده , حتى بات هو الدولة و الدولة هو . اصدرت قاضية في محكمة امريكية في نيويورك حكمها ببطلان قرار الرئيس ترامب المار ذكره , لم يكن في وسع الرئيس سوى الاذعان لحكم القضاء ريثما يتخذ خطوات قضائية مضادة , عليه انتصرت قاضية و اذعن الرئيس , على وزن (اخطأ عمر و اصابت امرأة) , لقد بات في وسع مواطني الدول المعنية السفر باطمئنان إلى حيث تصان حقوقهم بالدستور و القانون , و هم القادمون اصلاً من بلدان لا يوجد في بعضها حكومة و البعض الاخر تعتبر حكوماتها العدو الاول لشعوبها .

قبل سنوات تم فرض حظر دخول المسؤولين السودانيين لامريكا , جاء رد الاستاذ مهدي ابراهيم تحمله صحف الخرطوم بان ليس في استطاعة الحكومة الامريكية منعه من دخول (بلاده) إذ يحمل سعادته (الجواز الامريكي) .تحدي الاستاذ مهدي لحكومة امريكا لم يأت على شاكلة (امريكا تحت الجزمة) ,( و لن نذل و لن نهان ولن نطيع الامريكان) او (يامريكا لمي جدادك) , بل استند في تحديه على حقوقه كمواطن امريكي موفور الحقوق مصون الجانب , فهل فكر الاستاذ مهدي , و هو الذي ظل يتقلب في مراقي السلطة و صدارتها منذ حوالي 28 سنة في كفالة و صون و لو جزء يسير من حقوق مواطني بلده الاصلي ؟ فالاستاذ مهدي (المواطن الامريكي) لا يستنكف ان يكون ضمن طاقم , من ادبياته (اضرب لتقتل) و هي العبارة التي قالها بالانكليزية قائد اسلامي اخر من جماعة مهدي ابراهيم بل كان يشغل مناصب النائب الاول لرئيس الجمهورية و الامين العام للحركة الاسلامية السودانية , التصويب بغرض القتل امر موجه للقوات النظامية السودانية و الهدف المراد التصويب نحوه هم بعض المواطنين السودانيين الذين يتاجرون مع دولة الجنوب وقتها , مهدي (الامريكي موفور الحقوق) منتمي لشرذمة يقول رئيسها انهم استخدموا الخطة (ب) لمواجهة المظاهرات السلمية في سبتمبر 2013م في شوارع الخرطوم و هي خطة كان حصادها المروع قتل حوالي 200 مواطن\ة بالرصاص الحي على الرؤوس و الصدور من افراد يمتطون سيارات دفع رباعي لا تحمل لوحات , بحسب افادت لجنة تقصي الحقائق التي انشأها المجلس الوطني , ذات الفئة الحاكمة التي تستخدم سلاح التجويع ضد ابناء شعبها في النيل الأزرق و جبال النوبة تارة بمنع و تجريم تبادل السلع و المواد الغذائية مع المناطق التي يسيطر عليها الجيش الشعبي كما فعل والي جنوب كردفان السابق صاحب الرتبة الكبيرة في جهاز الامن , وقراره المشهور بمنع ما تعرف ب(تجار السنبك) , و في دارفور حيث المأساة الكبرى بطرد عشرات المنظمات الإغاثية التي تقدم خدماتها الانسانية لضحايا حروب المتسلطين ضد شعبهم , و تارة اخرى يستخدم التجويع كسلاح عبر التماطل في ابرام اتفاق وقف العدائيات بغرض توصيل الاغاثة للمواطنين السودانيين المتضررين في جبال النوبة و النيل الازرق .

اما الحقوق المدنية و السياسية و الثقافية الخ… فهذه مما تشخص وقائع انتهاكها كل يوم , و كأنما القاعدة هي (الكل متهم حتى تثبت براءته)فمن يحمل هاتفاً نقالاً و صدف ان استخدمه للتحدث امام مقر اي جهة من القوات النظامية يمكن ان يعتقل و يعذب بتهمة التصوير , و على ذلك قس . دوننا الان حالة انتهاك لابسط حقوق المواطن السوداني د. مضوي ابراهيم و سائقه الخاص ادم و احدى موظفات شركته الذين يقبعون خلف جدر المعتقلات دون تلبية المطالب البسيطة المتمثلة في احد خيارين اما اطلاق سراحهم او تقديمهم للمحاكمة العادلة , مثل هذه الحقوق الدنيا منتهكة في الدولة التي من قادتها من يحمل الجواز الامريكي ملوحا به و متحدياً سيد البيت الابيض , و مع ذلك تراهم يهللون لرفع الحصار .