محمد بدوي

(1) إستهلال

  تري لو قدر   للعقيد   معمر القذافي أن يدرك بأن نهايته ستكون بتلك الطريقة هل كان سيستمربذات النهج ؟ غياب حكم القانون يقف موازياً لحالة  العنف والتطرف و الفوضى، عدم الاهتمام بدروس التاريخ السياسية و الاجتماعية و عندما حدثت التحولات في الواقع الليبي  وقف ذلك التاريخ الطويل في العنف عائقاً أمام الاستقرار و التسوية السياسية  والإنصاف و جبر الضرر.

علي ذات نسق الحياة الصحراوية التي تتسم بالسرعة والحركة الدؤوبة والهجوم المباغت انطبع ذلك في ملامح التغيير، فتسارعت الأحداث بعد سقوط حكم العقيد القذافي ، ذادت حدة الاحداث وتعددت مراكز الصراع كلما اتسع نطاق تضارب المصالح، يحنها برزت تداعيات غياب فكرة الدولة في أذهان الليبيين بسبب سيادة الانتماء العشائري والفصل الذي فرضه القذافي بين الشارع الليبي و مفهوم المدنية ربما كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر الاستقرار  بحجبها  للرؤية  العميقة لمفاهيم المواطنة والحكم الديمقراطي .

(2)تمهيد 

الاحتجاجات التي عرفت إعلاميا  و شعبياً علي نطاق واسع  بثورات الربيع العربي بدأت مسيرتها من تونس في العام 2010 و امتدت لتنتظم بعض  دول  شمال أفريقيا  والشرق الأوسط فهي من الأحداث المهمة في  تاريخ  المنطقة في العقود الأربعة المنصرمة  بالرغم من ماَلات الحال  الذي أنعكس في حالة الفوضى الواسعة النطاق و عدم الاستقرار السياسي  في بعض الدول و التراجع الذي حدث بعض هذه التجارب فاق ما سبق من قهر، وفي تقديري  كان هذا نتاج لعدة اسباب منها طبيعة  لحالة القهر التي  رزحت تحتها بعض  تلك الدول   لعقود  مما أعاق  تشكل  وعي  يتسق  وقيم العدالة، الحرية و المساواة، كذلك عطل وحجم من توطين ثقافة الديمقراطية و الإلمام بماهية  التداول  السلمي للسلطة .

هذا إلى جانب غياب حيوية المقاومة السياسية في تلك الدول خلال فترات الديكتاتوريات التي استطاعت ان تفصم عري العلاقة بين المعارضة والشارع، إلى جانب الدور الذي لعبه بعض اعضاء المجتمع الدولي الغربي مثل امريكا ومحاولاتها في دعم وجود الاسلاميين للوصول الي سده الحكم لأغراض وفقا لتقديرات تقليل خطورتهم المتطرفة 

(3)تأثير نظرية الكتاب الأخضر علي الهوية 

الحالة الليبية تعتبر ذات خصوصية  نتيجة لنمط الحكم الذي ساد أبان فترة دكتاتورية العقيد معمر القذافي و الذي أتسم  بالتنظير له فكرياً  بنظرية  الكتاب الأخضر الذي وصم بالاشتراكية  وهو التفاف  بنسخة شائهه وفطيرة عن العدالة الاجتماعية التي اختزلت في  تقديم  الخدمات  خصماً من نصيب الفرد من الدخل القومي لإخماد  التفكير  الحر و الخلاق  في  حزم الحقوق السياسية  الثقافية ، الاقتصادية و الاجتماعية  ، اعتمدت ديكتاتورية العقيد القذافي علي الولاء العشائري  للسيطرة علي مقاليد السلطة  ، تلك السياسات  عطلت  مسار تكوين الهوية الوطنية لليبيين، سياسة الرئيس القذافي بدعم البان أفريكانزم و التعارض بين ذلك وقطاعات من الشعب الليبي التي تري أنها أقرب للتيار العروبي  مما شكل صراعا مكتوما من جانب الشعب انعكس في حال  هوية الدولة السياسية و الشعب .

الراهن المتخبط سياسياً في الجماهيرية الليبية يعكس ذات التحديات في مجال حالة حقوق الأنسان للارتباط العضوي بين الحالتين في كونهما لا يزالان يتلاطمان دون بوصلة ومرد ذلك غياب الفلسفة المعرفية التي فرضتها دكتاتورية القذافي التي أحكمت قبضتها ونمطت الواقع للسير عبر معابر لا تمر إحداثياتها بتلك القواميس.

التحديات الاساسية التي تواجه حالة حقوق الإنسان وتحسينها يمكن تناولاها في النقاط التالية دون الخوض في تفاصيل دقيقة بغرض تملس الإجابة على كيفية النفاذ إلى التعامل معها وادارتها بشكل يعكس واقعاً أفضل ينصب في تقويم المستقبل. 

(4)الهوية الوطنية:

تعتبر الهوية الوطنية من المطلوبات الأساسية التي يجب توفرها في  الواقع  و ذلك لارتباطها ب مفاهيم اساسية  في مباديء حقوق الأنسان  حيث  تمثل  التربة الخصبة لنمو وتطور مفاهيم وقيم  العدالة الاجتماعية و الحقوق و قبول الاًخر ،  كما اشرنا في المقدمة أن الخطة السياسية  لفترة حكم القذافي اقتصرت دور الدولة في الخدمات المشار اليه، وركزت علي أن يظل المقابل هو أحكام  الولاء  السياسي للنظام الحاكم  عبر وسطاء عشائريين  مما جعل دور  الهوية الوطنية تمر عبر بوابات  أثنية  ترتبط مصالحها أكثر  من ارتباطها  القومي  سياسات الدولة التي إرتبطت  بشخصية   القذافي الذي  تلبيسته حالة تضخم الشخصية  كنتيجة مباشرة لمرحلة دكتاتورية الفرد التي وصل إليها بحكم طول الفترة التي قضاها في الحكم و انعدمت فيها  المقاومة السياسية  سوي تلك التي  أستطاع عزلها في المنافي فلم يكن لها صدي  كبير في الواقع .

(5)ثقافة الحقوق 

القبضة الديكتاتورية التي لم يكن من مجال لتكوين الأحزاب فيها شكلت حاجزاً من التعايش مع مفاهيم التعددية و الديمقراطية وقد فاقم من ذلك أن حالة دول الجوار مصر وتونس  لم تكن أفضل من ليبيا فاصبح  محيط الحال  لا يمكن أن تلمح فيه ما يدفع نحو ذلك  فتكاثرت أجيال تجد ذاتها في التشكيلات العشائرية ذات ثقافة التوريث فتعاظمت من  تدهور الحال و انعدام الرؤية نحو تلك  الحقوق أو المفاهيم.

النظرية السياسية للكتاب الاخضر امتدت لتفقر مناهج التعليم و بالتالي بنيات الوعي المرتبطة بالمعرفة العلمية و البحث المستند علي الحقائق العلمية و التي يرتفع سقفها  الي اعتماد العقل و الحرية كسقف لذلك، بجانب غياب البنية المدنية  للدولة  التي استبدلت بالجمعيات الاشتراكية الي  غياب ضلع أساسي في علاقة  المجتمعات المدنية التي  يظل فيها المجتمع المدني ضلع ثالث  في بنية الدولة  (كدولة مدنية )  لم يستثني من ذلك القطاع الرياضي الذي  لم يكن أهلياً  بمعناه الواسع بقدر ما كان يخضع كأحد الإدارات الحكومية  التي تشرف عليها الدولة  بذات الصيغة السياسية  .

غياب بنية المجتمع المدني 

ظل الكتاب الاخضر و سياساته و التنميط العشاري  حاجزاً أمام  الانخراط في الأنشطة الإبداعية  مثل المسرح و العمل الثقافي  مما  قلل من قيمة دور الثقافة  و عزز من أغفال  حيوية  الحياة  الاجتماعية ، الثقافية والاجتماعية لقطاعات الشعب  فلم يتم الاهتمام بتدوين التاريخ و التجارب و هو محك الأزمة الراهنة حيث أن الصراع السياسي  لم يجد من مرجعيات يستند عليها  كانت قد تقلل  من  حدة الصراع  في الاتفاق إلي صيغة سلمية  لإدارة الدولة في المرحلة الانتقالية الراهنة .

(6)الفكر الديني

يظل التحدي الأكبر الذي أنتجته هذه الظروف هو ايجاد الفكر الديني الإسلامي مرتعا ومساحة للتغلغل نتيجة للتنظيم العالي للإسلامين في شمال أفريقيا والشرق الأوسط من جانب و لسبب اخر هو فراغ المسرح الوطني من فكر وتجربة و ثقافة ديمقراطية،  مما ساعد في سرعة أنتشارها لأنها  انتهجت ذات التكتيك الذي ظل ينفذ الي السيطرة عبر البوابة العشائرية  .

خطر هذه الممارسة على مستقبل الجماهيرية كدولة وعلي تأسيس بنية مدنية يظل التحدي الأكبر الذي لا يمكن إيقافه بالإصلاحات السياسية فقط لكن بتغلغل المجتمع المدني ولعب دوره الحقيقي والفعال وهو دور كبير يحتاج إلى نظرة وتخطيط استراتيجيين.

(7)دور المجتمع المدني 

لتعزيز دور منظمات حقوق الانسان في ليبيا وربطها بالدور المنوط بها يجب أولا أن يكون هنالك تخطيط استراتيجي علي كافة المستويات التي  يفرض عليها الواقع أن تساهم في وضع لبنات لحركة  مدنية حقوقية ذات فلسفة واضحة عبر الإصلاح المؤسسي و الفلسفي لبنية القوانين و مؤسسات أنفاذ القانون والمساهمة في تشجيع  المؤسسات المدنية الأخرى المرتبطة بحرية التعبير والتنظيم أن تنحو نحو تفويض وطني يساعد في تفكيك البنية العشارية والتفكير في المؤسسات ذات الأهمية القصوى وقفاً لمتطلبات الراهن  والمرتبطة بالعدالة الانتقالية  .

هذه الدور تسنده تجارب دول أخري عانت من ذات نمط الصراعات لكنها في طريق قد يفضي إلي استقرار والتطلع نحو مستقبل أفضل والتي تأسست فلسفتها في العمل عبر شركات مع المجتمعات المحلية والمنظمات والبعثات الدولية العاملة بالدولة أو في محيطها و  الجهد الخلاق في الاستفادة من الفرص و الموارد   ,استغلالها الأمثل وقفاً لأولويات  الاقتراب من الواقع علي سبيل المثال التأسيسي لإذاعات وقنوات تساهم في  نشر ثقافة السلام الاجتماعي و بث الوعي تجاهه القضايا كوسيلة للمشاركة  و تتعدد الأمثلة  .

(8)تجربة المجتمع المدني والتحديات 

 أخيراً يظل التحدي الأكبر هو أن تعمل المؤسسات التي تصدت لهذا العمل في الاقتراب من الواقع وفهمه والاهتمام بالحوث و التوثيق و التحلي بالمثابرة في الدفع نحو خطط استراتيجية بعيدة المدي يشرك فيها فاعلين من طاعات مختلفة مع الإدراك بأن الطريق نحو الانجاز  يتطلب  جهدا خلاقاً  .