التغيير : فيس بوك

حظيت واقعة تحرش دبلوماسي سوداني بامرأة أمريكية في مترو أنفاق منهاتن بالولايات المتحدة الأمريكية بتداول واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، المهندسة والكاتبة والصحفية رباح الصادق تناولت الواقعة من زاوية مختلفة على صفحتها بالفيسبوك، فيما يلي نص مداخلتها:

بصراحة…!
غبتُ عن الفيسبوك زمناً ممتداً لانشغالي بأمور ملتفة ربما فصلتُها في مقام آخر، لكني حينما عدتُ وجدت لغة استعصت علي، وجمل مقتضبة مكررة من كثيرين ربما لا يعلم غير المتابع سببها، ولكن أكثر شيء أصابني بالذهول منذ أمس صباحاً التلميحات بل والتصريحات المصاحبة لحادثة الدبلوماسي السوداني المتهم بالتحرش في أمريكا.
طبعاً التحرش ظاهرة لا تقوم بها حتى البهائم التي تقوم علاقاتها التوالدية في مواسم تحكمها الطبيعة لا العدوان، بل برر بعض العلماء ذلك بأن إناث البهائم في الغالب أقل جاذبية من ذكورها.
والناس عادة تنسب العدوان للوحوش (فيقال وحشية) بينما هو ظاهرة أردأ لدى البشرفالإنسان يتأرجح بين نورانية روح الله المنفوخة فيه والتي تجعل الفرد الصالح والنبيل والمحسن يذكّر بالملائكة في سموها، وبين شيطانية تصل لدى الإنسان الشرير والمعتدي والظالم إلى درك أسفل من أرضية الطين الذي خلق منه وسائر الأنعام والوحوش، بل أسفل حتى من الشيطان نفسه، شيطان الجن، إذ نجد شياطين الإنس أكثر فتكاً وضرراً، ولا غرو فشيطان الجن من نار وكان موحداً عابداً ولكن هبط به الكبر والحسد وتحدي الإرادة الإلهية، وشيطان الإنس من طين، مُنكر، وموبوء بأمراض النفس الشيطانية.
والتحرش وأخواته من الظلمات تصل لدى شياطين الإنس مراحل ما سبقتها بقية الخلائق فنسبتها إليهم إساءة لها.
لكن، بعيداً عن موضوع التحرش الذي يشكل أجندة مهمة وضروري رفع الوعي بها في مقامه، فإن كثيراً جداً مما تم تداوله حول تلك الحادثة قطع شك لم يكن يصب إلا في مصلحة البذاءة والابتذال الذي أصابنا في مقتل.. وبفعل فاعل، حيث صرف هذا النظام كل جهده لتبديد الرصانة السودانية، وكان خطاب زبانية أمنه قمة في التحرش اللفظي والفعلي أحياناً بالمعتقلين وبالمحقق بهم، بل إن خطاب مسؤوليه وسلوكهم يظل قمة في الانحطاط اللفظي والابتذال الفعلي والاستهانة بالشعب السوداني كله.
هذا هو النظام الذي أوصلنا لدرك غير متخيل لو أدركه من مضى من بناة الوطن لما احتملوا هذا المآل.
كيف نعيد رصانتنا؟ كيف نحارب كابوس الانحطاط هذا الذي لف مجتمعنا وتمدد على أجوائنا؟ 
إننا لن نحارب نظام الابتذال بجنس فعله، بل بجنس فعلنا وقيمنا الأصيلة!
لقد أسفتُ تماماً بعد أن أدركت مغزى كلمات كثيرة نُثرت في بوستاتٍ ليست قليلة بالأمس، وأسفت لتكرار ألفاظ تنتهك الحياء الذي هو خلق أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وخلق مجتمعنا خاصة في المجالس والمنتديات المختلطة.
ولن أقترح على أصحاب تلكم التعليقات أن يداولوها بينهم في مجموعات ذكورية خاصة لأنها ترقى لتكون تحرشاً لفظياً هي بدورها، ولأن بعضها يستبطن في تلميحاته كل ثقافة الذكور الحاصرة للنساء في دور المتعة الرخيصة.
بل أقترح أن يرجعوا النظر فيها كرتين:
– 
كرة يراجعون فيها نظرتهم للنساء وقيمتهن، والعلاقة بهن، في شكل إنساني سامٍ باعتبارهن كائنات عاقلة وروحانية أيضاً إضافة لكونهن ثنائي في علاقة شاء الله ألا تكون محض توالد كالبهائم ولا محض مادة وطين، بل فيها من سكنى النفس وتلاقي الروح ما فيها لمن أراد.
– 
وكرة أخرى يراجعون فيها استراتيجية فضحهم لنظام دعي، مهما رفع من شعارات الفضيلة والدين فإنه وبلا شك يستخدم ليس فقط التحرش بل الاغتصاب ذاته كسلاح في الحرب، وكأحد أسلحة التعذيب في معتقلاته. نظام طفرت إبانه كل أنواع الجرائم الجنسية وصار اغتصاب الأطفال خبراً عادياً، وانحطت الأخلاق وهبطت الفنون فيه لدرجة لا تتصور ولا حتى في ماخور أعزكم الله، نظام كريه دموي فاسد مجرم منتهك لأعراض الناس بشكل يومي، فما هي الوصمة التي تلحقه إضافة حتى ولو ثبتت قصة الدبلوماسي؟ ومثلما لا يُمدح السيف مقارنة بالعصا (ألا ترى أن السيف يزري بقدره إذا قيل هذا السيف خيرٌ من العصا) فإن العصا بدورها يرتقى قدرها إذا قيل إنها أسوأ من السيف! نحن نعلم يقيناً أنها (عصا)، فلا داعي لهذه البهجة والهزء المتصل للتدليل على أنها ليست سيفاً!
ولو لم توافقوني، فإن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية..