قرشي عوض

من المظاهر المألوفة في المجتمع السوداني وغيره من المجتمعات المسلمة ما يعرف ب”غرة الصلاة” أو “الزبيبة” في جباه الرجال، وهي على اختلاف مسمياتها عبارة عن دائرة شديدة السواد تتوسط جبهة الرجل بهدف التدليل على إكثاره من الصلاة وانه يجسد معنى الوصف القرآني “… سيماهم في وجوههم من أثر السجود” ..

ما هي حكاية هذه”الغرة” أو “الزبيبة” أو “علامة الصلاة” المنتشرة بكثافة متزايدة في المجتمع السوداني؟ هل هي فعلا من أثر السجود؟ ولماذا لا يؤثر السجود على جباه النساء رغم ان جلدهن أكثر نعومة من جلد الرجال؟ بل ولماذا لاتظهر هذه العلامة في جباه رجال مكثرين من الصلاة؟

ولكن قبل ذلك بحثنا في تفسير الآية القرآنية”سيماهم في وجوههم من أثر السجود” في عدد من التفاسير بما في ذلك  التي تشكل مرجعية موثوقة للمسلمين السلفيين السنة مثل تفسير ابن كثير ولم نجد تفسيرا واحدا يقول ان “سيماهم على وجوههم” معناها ظهور علامة مادية على جبهة الإنسان، بل تقول بعض التفاسير ان المقصود هو السمت والخشوع والمظهر الحسن الوقور ويقول بعضها الآخر ان المقصود هو تميز المداومين على صلواتهم بنور ينبعث من جباههم أو بياض يكسو وجوههم يوم القيامة(وليس في الدنيا)  يميزهم عن غيرهم، والتفاسير على اختلافها اشتركت في ان معنى الآية تميز المصلين بنوع من الجمال في وجوههم إما بمظهر الورع والخشوع في الدنيا أو بالنور والإشراق في الآخرة ولم نجد أثرا لمشروعية التشويه الذي يتبارى فيه مسلمو اليوم لوجوههم.

وعلمت “التغيير الإلكترونية” من مقابلات أجرتها مع بعض من رسمو هذه”الزبيبة” على جباههم انها عملية “حجامة صغرى” يجريها من يمارسون الطب الشعبي، أو وضع خليط معين من الثوم والبصل على الجبهة وهو ساخن لمدة زمنية معينة! أي انها وسم على الوجه يتم بفعل فاعل ولا علاقة له بالسجود!   

“زبيبة الصلاة” حسب آراء المهتمين بأنماط التدين هي جزء من  ظاهرة “التدين الشكلي” التي انتشرت  في عهد الانقاذ، شأنها شأن اطلاق اسماء من التراث الإسلامي  على عدد من احياء العاصمة والمدن الاخرى، مثل يثرب والمجاهدين والقدس والقادسية والاندلس …..الخ، وتسمية البقالات بأسماء سور القرآن الكريم إذ لا يخلو حي من محل تجاري باسم الأنعام أو الأعراف أو الأنفال أو المائدة، واطلاق اللحية، وتقصير البنطلون أو الجلباب للرجل وارتداء النقاب .. إلخ من مظاهر للالتزام بالدين  في الوقت الذي تزايدت فيه حدة الفساد والاحتيال وانتشرت جرائم التحرش الجنسي بالأطفال التي لم تخلو منها حتى المؤسسات الدينية التي يبالغ القائمون عليها في التمسك بهذه المظاهر.

يرى الهادي محمد الامين المتخصص في شؤون الجماعات السلفية،  ان التدين المظهري عموماً برز كحالة، مع تنامي وصعود جماعة الاخوان المسلمين، والتيارات السلفية  التي حرصت على مظهر الدين في السمت والشكل، كالملبس واللحى وبروز علامة الصلاة. وهى حالة نفسية تتقمص صاحبها،  واصبحت (شو)ونقطة تباهي وتفاخر شوفيني.  ويضيف الهادي بان غالبية اصحاب التدين الشكلي يسقطون في اختبار الدين الحقيقي،  حينما يصطدموا بالواقع،  لان الدين عندهم ورقة مرابحة وتجارة دنيا. ويمضي الهادي الى انه كلما كثر التدين المظهري،  فان ذلك يحمل مؤشرا لضعف الالتزام الإسلامي، والعكس صحيح ، لان في التدين الشكلي تقل قيم النزاهة  والشفافية  والعدالة ، وفي المقابل يزيد الظلم والفساد .

ويرجع الاستاذ محمود الشيخ الباحث والكاتب في عدد من المواقع الاليكترونية الظاهرة ، الى ان الشكل الخارجي للانسان يتغير بتغير حركة المجتمعات وتراكم السنوات.  مثلما ارتبطت اللحية عرفاً بمجتمعات قديمة وليس بدين محدد، وهى بالتأكيد ليست دليل تمييز للرجولة عن الانوثة.  كما تطورت الملابس منذ العصر  الحجري عن مايستر العورة فقط،  الى ارتداء قطعة دون فن تفصيل،  الى مايسمى اللبس الافرنجي.  فلم يرتبط دين معين بزي معين.  وهذا لاينفي  ان هناك شعوباً ارتضت لنفسها زياً موحداً اقتضته الاعراف وطبيعة المنطقة ومناخها.ويصل محمود الى ان الذين يعتقدون ان القرب من الله يعتمد على الشكليات ،دائماً يميلون الى الهرب من الحداثة ، بل يرفضونها ويحاربونها ويحرمون انفسهم من كل تطور في وسائل التقنية.  مع ان جوهر علاقة الفرد بربه تنبثق من حركة المجتمع  وتلاقحه مع بعضه.  وان محاولة  افراغ العلاقة مع الله من مضمونها وربطها بالشكليات ليست وليدة العصر،  بل ظهرت مع ظهور الاديان السماوية.  ومن خصوصية العلاقة بالله فان العبادات تكون دائماً محلاً لمراقبة البشر،الذين تعدوا ذلك الى محاولة تقييمها.  ولعل ابلغ اثار التدخل في علاقة الفرد بربه من المنظور العام  هى ظاهرة التكفير. وقد ترتب على هذا “الاسلام الشكلي” ان انحصرت فكرة التدين في العبادات في وقت انهارت فيه منظومة القيم الاخلاقية ، لان الشكلانية والخوف من تربص كهنة العصر الحديث قاد الى تحجر العقول وعدم قول الحق خوفاً من لومة لائم.

ومن مظاهر التدين الشكلي التي تفشت في المجتمع،  بل و اصبحت ستارا لممارسة الكثير من الجرائم باستغلال مظهر الورع الذي لايثير الشكوك، مايعرف “بزبيبة الصلاة” وهي وسم على الجبهة بنوع من “الحجامة الصغرى” التي تتخص فيها جماعات ، تمارسها في الاسواق الطرفية ، الى جانب ممارستها للطبابة الشعبية .

سألنا بعض الشباب الذين قاموا بخط هذا الوشم على جباههم وتمنكا من مقابلتهم واتضح انهم لايرمون الى غاية معينة من وراء القيام بهذا الفعل ، او على حد تعبير احدهم ( ضهب ساكت ) وهى مفردة تستخدم لوصف الممارسات التي تتم دون هدف محدد.

لكن محدثنا اردف بان هذه الزبيبة او الغرة مفيدة جداً بالنسبة له ، دون ان يوضح طبيعة تلك الفائدة .

لكن جهات قانونية اكدت ان السمت الديني عموماً يلعب دوراً كبيراً في جرائم الاحتيال.  فبحسب المحامي حاتم الياس ان كل الضحايا الذين يترددون على مكتبه في قضايا الاحتيال يحدثونه عن المدخل الديني الوقور عند المجرم،  وعلامة الصلاة على الجبين والمسبحة  التي تظهر الخشوع  ومخافة الله بالتسبيح. و الاحتيال بحسب القانون الجنائي السوداني  هو استعمال وسائل الغش بقصد تسبيب خسارة غير مشروعة للمجني عليه.

ويضيف حاتم بان الشكل الديني للمحتال هو امر معروف لرجال المباحث والشرطة الذين تعامل معهم بحكم تردده على المحاكم.  ففي كل جرائم الاحتيال،مثل  الدجل ،الشعوذة وقضايا التنزيل لابد ان يكون من يمارسها يحتال بالمشيخة ومعرفة الاسرار الخفية .

ويقول الياس ان من يقومون برسم علامة الصلاة نظير مبلغ مالي في سوق غرب المدينة معروفون. وفي معظم جرائم التحرش بالاطفال تكون المفاجاة ان من يقوم بهذه الجريمة هم رجال اقرب للالتزام والتدين الشكلي بالطبع .

ويستخدم المظهر الشكلي للتدين في الاحتيال الاجتماعي على الاسر حين يتعلق الامر بالتصاهر، فيدخل المحتال باسم الدين بالشكل المشار اليه  مدعياً التدين ، فيتزوج من بناتها  ويكون غرضه تحقيق مصلحة ما ، وهذه جريمة لايوجد قانون يعاقب عليها ولاحتى في قانون الاحوال الشخصية مع انها ضارة بالاسر وقيمها الاجتماعية واسقرارها . وفي كثير من الاحيان تطلق البنت بعد تنازلات مؤلمة من جانب الاسر التي تكتفي بالصمت  خوفاً من المجتمع . وان محاكم الاحوال الشخصية تعج بطلبات طلاق من نساء خُدعن في ازواجهن عن طريق المظهر والتدين الشكلي.