حددت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثاني من أبريل من كل عام ..يوما عالميا لمرض التوحد …”صحيفة التغيير الالكترونية” التقت في هذه المناسبة ناجيا من هذا المرض منذ سبعينيات القرن الماضي بفضل اهتمام اسرته وتدخل شقيقته لعلاجه ..فماهي قصته ؟
زهير الذي ولد في مدينة كسلا العام 1966 ،لم يتكلم الا بعد بلوغه الرابعة من العمر ولم يكن له أي تواصل مع الآخرين في طفولته الباكرة …
حينها لم يكن المجتمع السوداني خاصة في الاقاليم البعيدة يعرف كثيرا عن مرض التوحد ولا كيفية التعامل معه ؛ الا أنه كان محظوظا لأن أسرته لاحظت انعزاله وميوله للوحدة واللعب منفردا عن اقرانه ، وعدم استجابته للتواصل مع الآخرين وكانت شقيقته الكبرى الاستاذة سعاد بحكم دراستها لمنهج علم النفس في كلية المعلمات آنذاك هي من شخصت حالته ومن سعت لعلاجه .
يقول زهير لصحيفة (التغيير الإلكترونية) بذلت شقيقتي سعاد معي مجهودا جبارا وحاولت دمجي مع الأطفال إذ أنني لم اندمج معهم إلا في وقت متأخر من طفولتي وبتدرج بطيء .
فقد ذهبت مع أمي لنقيم مع شقيقيتي سعاد في سنار بعد سفر زوجها في بعثة دراسية الى بريطانيا .وادخلتني معها مدرسة البنات التي كانت تدرس فيها لصغر سني لاصراري على الدراسة الا أنني كنت اعاني مشاكل في النطق وتعثرت في الدراسة إذ كنت احرز درجات عالية في مادة الرياضيات ودرجات منخفضة في اللغة العربية .
“التغيير الإلكترونية” التقت الاستاذة سعاد الانصارى وسألتها عما فعلته من أجل زهير آنذاك فقالت أنهم لاحظوا عليه أشياء غير طبيعية في طفولته الباكرة فقد كان يضرب رأسه بالحائط حتى يحدث دويا ،وبعض الأهل ظنوا انه أبكم لتأخر النطق لديه ،وكان يلم علب الصلصة و(الكرور ) ويلعب وحده .وبحكم دراستي لبعض مناهج علم النفس من أجل تربية النشء في كلية المعلمات بدأت اهتم بإخراجه من هذه العزلة .وكان لدي جردل مصنوع من التوتيا (النيكل) لعجن الطين اعطونا له في كلية المعلمات ، علمته عجن الطين فيه وصناعة أشكال منه .واصبحت آخذه معي أي زيارة اجتماعية ،وأمنع أي شخص من التقليل من شأنه أو الضحك على حالته ،وارسله الى الدكان والى أي مكان لأن ذلك يعزز من شعوره بالثقة في نفسه . وحين رحل معي هو ووالدتي في سنار اصبحت اتابع دراسته بصورة مكثفة ..وهو في الصف الثاني احرز الدرجة الكاملة في الرياضيات ورسب في اللغة العربية فطلبت من الأستاذ أن ينقص منه بعض الدرجات هنا ويضيفها هناك حتى لا (يصاب بعقدة ) أمام زملاءه . عندما وصل الصف الثالث بدأ يتحسن بدرجة كبيرة. و تواصل سعاد :بدأ يلعب في الشارع ويتعامل مع الأطفال واصبح كائنا اجتماعيا جدا ويحظى بعدد كبير من الأصدقاء والى الآن هو كذلك .

الدكتورة فاطمة مكي اختصاصية علم النفس العلاجي ومديرة مركز الاكليل للتدريب النفسي وبناء القدرات سألتها “التغيير الإلكترونية” عن هذا المرض فقالت : اضطراب التوحد من الامراض التي ظهرت حديثا في العالم ولم يكن معروفا قبل عام 1943وعرفه العالم روتر عام 1978بأنه اعاقة في العلاقات الاجتماعية ونمو لغوي متأخر وسلوك طقوسي نمطي ومتكرر.والتوحد ترجمتها بالعربية الذاتوية .وحتى الآن لا يعرف له سبب دقيق ويشخص بفرضيات بنيت على دراسات وملاحظات.
تضيف مكي ؛ انتشار المرض في السودان اصبح عاليا جدا ف 18 % من أطفال السودان يولودون بأحد أشكال الاعاقة (سمعية ،بصرية ،ذهنية..الخ ) و24% منها اعاقة ذهنية ،ويشكل التوحد النسبة الاعلى بين هذه الاصابات أذ يصل لحوالي 90% من بين الاعاقات الأخرى ،وتشير فاطمة الى ارتفاع نسبة التوحد عالميا أذ أن هناك 60 طفلا بين كل 1000 طفل يولد بالتوحد على مستوى العالم .ونسبته 4:ا من الاولاد الى البنات .
زهير اكمل الدراسة في جامعة الزقازيق بجمهورية مصر العربية كلية التجارة قسم المحاسبة ،وهو الآن متزوج وأب لأربعة أبناء كبراهم تدرس في احدى كليات الهندسة في السودان واصغرهم في المرحلة الابتدائية .ويعتقد أنه يمكن أن يكون ما اصابه طيف توحد أو شيء آخر لكن الرسالة التي يريد أن يبعثها هي أن التدخل المبكر لتقويم السلوك يأتي بنتائج ايجابية …وأن مشاركة التجارب بدل الخجل منها يخلق بيئة من المساندة الايجابية ..
تشخص د. فاطمة حالة زهير بأنها طيف توحد واضطراب نمائي ظهرت معه منذ الطفولة ، لكنها مصحوبة بقدرات ذهنية عالية كنبوغه في الرياضيات وهو ما يصنف بقائمة الاسبرجر والتدخل الاسري السريع ودمجه مع المجتمع ومساعدته من قبل شقيقته الكبرى كان له اثر كبير جدا في معالجته في وقت لم يكون معروفا في كل المنطقة العربية آنذاك كذلك ساعدته البيئة الأجتماعية النظيفة والثرة في السودان آنذاك ونوعية الطعام الجيد. كما أن ذكاءه الحاد كان عاملا مساعدا ..لو تتبعناه الآن سنجد أنه شخص منظم ومرتب ومريح في الكلام ونمطي في تفاصيل حياته ، تعامله مع التكنولوجيا عالي جدا وتغلب على مشاكله مع اللغة …وهو ما اكده الناجي من التوحد . وعن بيئة التواصل التي يعيش فيها الآن يقول : انا اجتماعي جدا ولدي عدد كبير من الاصدقاء ؛ لكن مرات كثيرة اشعر بالسكينة عندما اكون وحدي ، وكثيرا ما ادخل غرفتي وابقى وحدي لفترات طويلة ، كما أني اتجنب الزحمة والاصوات العالية .