عيسى إبراهيم *

* (عيساي مارس 1947 – مارس 2017) شهور قليلة ويسلم “العبد” الفقير إلى الله مقاليده للعمر “السبعيني” جزاه الله عني كل خير، وفي النفس شيء من “حتى”:

* “على الراحتين مرة وعلى العصا أنوء ثلاثاً بعدهن قيامي!”، ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيبُ!،

** قالت: “ذاك منك بعيدُ”، و”حلم الجعان عيش”!،

*** ليت وهل ينفع شيئاً ليت ليت شباباً “بيع” فاشتريتً!، وفي لغة بعض العرب “بوع” والمشهور “بيع”، فانظر وتعجب!،

**** ما لي وللشباب إذا جمعت لي حسنات الشباب (ما زال النظرُ كافياً، والسمعُ مُعيناً، والشمُّ مُفيداً، والذوقُ فارزاً، والحسُّ شاعراً، والعقل يقظاً، والقلب خافقا) بحكمة الشيوخ، وهذا جمع بين حسنيين!،فحمداً وشكراً لباري النعم!،

***** خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبى لفارقت شيبي موجع القلب باكيا..

محطات:

محطة مدرسة الأقباط الأرثوذكس

* حتى هذه اللحظة التي تسير بتؤدة نحو السبعين لم أجد ما يفسر لي سلوك والدي (يرحمه الله) العامل بميناء بورتسودان “عمال ديم التجاني – مرتبه كان في الأعوام من 1955 إلى العام 1960 تسعة جنيهات وشوية قروش وبعض المليمات وحتى المليم كان يتمتع بمقدرة شرائية مقبولة” الذي قادني لأكون طالباً في مدرسة الأقباط الأرثوذكس والمستقرة في فصول دراسية خلف الكنيسة القابعة جوار “مكاتب البوستة والبريد والبرق” في البر الغربي بمدينة بورتسودان جوار مباني المجلس البلدي، ولا أكتم سراً فقد تذوقنا هناك ما يسمى بالخشاف (عرفت الاسم بعد سنوات طويلة) في أيام الأحد من كل أسبوع، وهي خلطة من الفواكه “سلطة فواكه” كانت لابن عامل ديم التجاني حينذاك نقلة بل قل “شبحة كبيرة” في عالم الرفاهية، زاملت في المدرسة رمسيس دوس نخلة، وجورج جيد إبراهيم، ورجاء رياض برسوم، وغيرهم كثر (الله يطراهم بالخير)، كان افطارهم سندوتشات من البيض المسلوق، والجبنة البيضاء، والزيتون (شوف الثقافة الغذائية المجانية دي)، أما أنا فقد كان والدي يعطيني “قرشاً- قرش مصري مخروم في وسطه عليه صورة السلطان حسين كامل المصري– لزوم الفطور ولا شيء للمواصلات فقد كنت أذهب من البر الشرقي “ديم التجاني” (موعدكم مع كتابي: عن ديم التجاني (بقولكم) حي ولا في (أجعص) اليوتوبيات!!..) راجلاً جداً (كداري يعني) مروراً بـ”مرجحانيات” ورشة الحوض وقطاطي الورشة عبر الكبري إلى المدرسة ذهاباً وإيابا، ثم تطورت المسائل عبر الدربة والمعرفة إلى “يا عم معاك”، كنت أحمل القرش المخروم إلى عم حنَّا (وما أدراك ما عم حنَّا؟!) حيث يعطيني نصف رغيفة وبها عدد من أصابع الطعمية طيبة المذاق، والرائحة، وهي بلغة اليوم تساوي “خمسة نجوم!!”..

محطة أصيحابي: ياماأحيلى

في مدرسة الثغر المصرية ببورتسودان (1961 – 1967) المقامة في عمارة سعدابي، المجاورة لمستشفى بورتسودان الكبير، زاملت عدداً من أبناء البجاة الأفاضل، في الدراسة، وتوطدت أواصر الصلة بيننا، منهم على سبيل المثال، وعلى مقدرة الذاكرة المقاومة لـ “الزهايمر”، العزيز محمد الأمين احمد كاظم “سلوم”، والأعزاء د. محمد نور شيباي، ود. هساي عاولي علي (يرحمه الله)، وفي المرحلة الجامعية بأم الدنيا، القاهرة ،حيث تساكنا، وتعايشنا، مع الأحباب الأستاذ المرحوم جعفرمحمدعلي – توفي في يناير 2012 – (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة) – وهو يجيد لغتي الهدندوة والبني عامر – وكان قد تقلد منصب مدير لسوق المحاصيل بالقضارف لعدد كبير من السنوات، ثم وزيراً لمالية القضارف، وكسلا، واخيراً ولاية الجزيرة، والأستاذ حسن أبوزينب عمر زامل الأستاذ المرحوم جعفر في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة، ويعمل صحفياً في صحيفة الشرق الأوسط، ثم الحبيب محمود محمد يوسف “سلوم” زميلي بكلية دا ر العلوم – جامعة القاهرة، كنت ألتقط منهم بعض الكلمات “الراطنة” بلغة  الهدندوة، وكنت شغوفاً بتعلمها، وكان العزيز محمود يوسف يلقنني بعضها ويضحك حتى يستلقي على قفاه حين أنطقها ولا أجيد نطقها!!..

محطة “كلية دار العلوم”

 أسس الشيخ علي مبارك بعد عودته من بعثة دراسية في فرنسا وتلقيه قدراً من العلوم الحديثة هناك مدرسة دار العلوم، والقصة تقول: أن الأزهر حين رفض ادخال العلوم الحديثة في مناهجه الفقهية – الدينية، أسس علي مبارك في العام 1871 “مدرسة دار العلوم” يُدرس بها العلم المادي التجريبي بشعبه المختلفة، بجانب العناية باللغة العربية والعلوم الاسلامية، وأصبحت دار العلوم – في ما بعد – نواة وأماً لجامعة القاهرة (جامعة فؤاد الأول) في العام 1902 تقريباً، ودلفنا إلى سوحها في العام الدراسي 1967 (إطار التوجيه في اختيارها يعود لحضوري احدى عشرة محاضرة للأستاتذ محمود محمد طه في أرجاء مدينة بورتسودان ببريها الشرقي والغربي في العام 1967: الرسالة الثانية من الاسلام، رسالة الصلاة، تعلموا كيف تصلون، بطريق محمد تتوحد الأمة ويتجدد دينها، مشكلة الشرق الأوسط، دور الشباب في المرحلة، وغيرها، زلزلتني وفكفكت ثوابتي) وتخرجنا فيها على رأس مئويتها الأولى (1871 – 1971)..

محطة “وصاحبته”

في العاشر من مايو 1974 اقترنت بصاحبتي “أم الأبناء والبنات” وكل الدلائل حتى الآن تشير إلى أنها كانت زيجة موفقة و”لو رددتُ” لاقترنت بها مجدداً، الذي لا أعلمه من جانبها “إذا رُدَّت” هل تقبل؟!، (الله أعلم)، استمعت قبل سنين متطاولة  إلى مسرح الفكاهة في إذاعة ركن السودان من القاهرة (الله يطراهو بالخير) كانت الطرفة (في ثلاثة مشاهد) يحكي المشهد الأول عن خطيب وخطيبة (جُداد لنج) والخطيب في عالم وردي حالم في مطعم أو كافتيريا على النيل وكان الخطيب يقول لخطيبته: “شايفا الأمر (القمر) يا نفوسة!”، ثم يصيح بصوت جهوري “ياااجرسون جرسوووو” ويأتي الجرسون، “عندكو إيه؟” يبدأ الجرسون يعدد “عندنا كباب”، “هات 2 كباب”، “عندنا كبدة”، “هات 2 كبدة” ثم يختصر الخطيب الحالم الموضوع ويقول للجرسون: “هات من كل حاجة عندكو اتنين اتنين اتنين!”، ثم يأتي المشهد الثاني والزوج والزوجة يعيدان الاحتفال بالعيد الفضي لزواجهما، الزوج غير مهتم ويقرأ في صحيفة، والزوجة تحاول جاهدة أن تجذب انتباه زوجها، بلا جدوى، وحينما تيأس تنادي على الجرسون: “قارسوووون”، يأتي الجرسون ويبدأ في تعديد أنواع الطعام والمشروبات والزوجة تستعد لتطلب ما تشتهي وفجأة ينتبه الزوج ويقول للجرسون: “هات 2 قهوة سادة!”، المشهد الثالث والاحتفال بالعيد الذهبي للزواج، والزوج في السبعين و”مكركب”، والزوجة في بداية الستينات من عمرها ومازالت في فتوتها وليها “رقشة – لمعة يعني”، هي تحمل بين يديها ابرة “كروشيه” وتعمل جاهدة ومنهمكة في عملها، والزوج السبعيني يحاول جذب انتباهها إليه ويفشل، ثم يتجه نحو الجرسون: “عندكو إيه”، فتنتفض الزوجة وتقول: “جاتك نيلا وهو إنت فاضي من الضغط والسكري والبروستات كمان ليك نفس تطلب؟!”، وتقول للجرسون: “هات لي قهوة سادة من فضلك!”…و”بس، يبدو لي الموقف ما محتاج لي شرح!!!”..

محطة الفكرة الجمهورية

*ما زلت أشعر بالعجز عن شكر نعمة المنعم، فالنعمة أكبر من أن توفَّى شكراً، والعجز عن الادراك إدراك، وإذا اتسع المعنى ضاق الماعون، ولك الله يا سهل التستري: “ما أذنبت ذنباً قط إلا ووجدته في مالي أو في نفسي أو في دابتي”!، “فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره *”!، فقد شفتني الفكرة الجمهورية من أدوائي وسقامي، وطهرت دواخلي وما زالت تفعل!:

* الرسالة الثانية من الاسلام، هي تكليف النبي (صلى الله عليه وسلم) في خاصة نفسه، حسب وسعه، الذي هو أعلى من وسع الصحابة (وهم مكلفون حسب مقدرتهم ووسعهم وفق الرسالة الأولى التي هي تنزل من الرسالة الثانية)، والنبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) هو رسول الرسالتين فصل الأولى وعاش الثانية!، 

* لايوجد اختلاف نوع في الوجود وإنما اختلاف مقدار،

* الحرية لنا ولسوانا،

* المساويات الثلاثة: الديمقراطية (المساواة السياسية)، والاشتراكية (المساواة الاقتصادية)، المساواة الاجتماعية (محو الطبقات والفوارق)، (وتعتبر المساواة الاقتصادية، والمساواة السياسية، مقدمة للمساواة الاجتماعية، وهي تتويج لهما، وخلاصة، وقمة)،

* الدستور لا يبنى على العقيدة!..

 

 

*eisay@hotmail.com