معتصم أقرع
– منذ تأسيس الحركة الشعبية الام في عام 1983 ظلت ترفع شعارات قومية هدفها ‘تحرير’ كل السودان وليس الجنوب فقط وتوكد مرارا وتكرارا ان دوافعها ليست اقليمية أو اثنية رغم انها علي مستوي الممارسة كان حشدهـا وخطابهـا الداخلي يرتكز علي خطاب اثني/اقليمي .
– ولكن كانت شعارات الانفصال تمد بـراسهـا كل ما احتدمت الصراعات الزعامية داخل الحركة كما يتضح جليا من احداث انقلاب الناصر في 1991 بقيادة ريك مشار ولام اكول. نتج عن الضغوط التي مارسها الانفصاليون ان اضطر التيار الوحدوي بقيادة قرنق الِي ادراج حق تقرير المصير للجنوب في سلم أولوياته واجندة مفاوضاته مع النظام وذلك لاضعاف منافسيه الذين ارتدوا دروع االقومية لانفصالية وتجريدهم من كرتهم الرابح .
– ولكن رغم مناورات وحسن نوايا التيار الوحدوي فان التيار الانفصالي ضحك اخير وضحك كثيرا من سدة مقاعد السلطة في دولة الجنوب علي طول الطريق الِي البنوك الاجنبية والعقارات الفارهة حول العالم كما هو موثق في تقاريرعديدة .
– ثم اعلنت بعض قيادات الحركة في أيام احتفالات استقلال دولة الجنوب انهم كانوا يعملون لمثل هذا اليوم منذ خمسون عاما مما يعني ان اجندة الحركة الوطنية لم تكن اكثر من تكتيك مرحلي في الطريق الِي هدفهم النهاءي وهو الانفصال.
– فيما يخص الصراع الحالي داخل الحركة الشعبية – شمال , ما اشبه الليلة بالبارحة باضافة ان النوبة اليوم هم الجنوبيون الجدد. فالصراع الحالي داخل الحركة-شمال اهم محاوره هو المطالبة بـمنح ابناء النوبة مواقع قيادية في الحركة باعتبار ان الحرب تدور في بلادهم وهم من يدفع ثمن الحرب كما يطالب بعض ابناء (نعم ابناء فقط , مفيش بنات رغم الادعاءات الجندرية للحركة ) النوبة ومن يقف معهم بـحق تقرير المصير للجبال صراحة أو تحت غطاء مفردات اخري مثل الحكم الذاتي كمرحلة اولي نحو الانفصال .
– في ظل تبني خيار الحرب القبيح والمقاومة المسلحة تصير مطالب ابناء النوبة عادلة ومنطقية وهذا يعني عمليا ان تبني خيار العمل المسلح وحتى الترويج له من العواصم الامنة حول العالم يقود منطقيا وحتميا الِي المطالبة بحق تقرير المصير والانفصال لاحقا. وعلي نفس النغم قبل أيام قليلة اعلن ملك الفور الباريسي غير المنتخب عن مطالبته بحق تقرير المصير لاقليم دارفور.
-كل الحركات المسلحة السودانية اعتمدت اعتمادا كاملا علي الدعم الخارجي , اما داخليا فقد اعتمدت علي الحشد الاثني/القبلي/الاقليمي. في أحسن الاحوال لم يعي الوحدويون الصادقون في الحركات المسلحة بان الطريق الِي جهنم مليء بالنوايا الحسنة وان شيطان الحرب له منطقه الخاص وان الحرب متى ما أشعلوها فانه لا يمكنهم السيطرة عليها ولا علي نهاياتها , كما ان الارتكاز عمليا علي مصدر قوة اثني/اقليمي لخدمة اجندة وطنية اوسع هو مغالطة تدعو للرثاء لان قانون القوة يفرض انه أذا ما كان مصدر قوة أي حركة يرتكز علي دعائم اثنية فان نهاياته المنطقية تقود الِي مآلات اثنية مهما كانت جودة الشعار الوطني وفصاحة الكلامولوجي الذي يمجد الوطن والوحدة والحرية والمساواة . وقد كان جون قرنق وطنيا ووحدويا صادقا بلا شك ولكن حربه انتهت بتقسيم السودان رغم تصريحاته المتكررة بان هدفه توحيد افريقيا من الاسكندرية والي كيب تاون.
– قبل عقود طويلة سبقت انفصال الجنوب شبه جوزيف قرنق القومييين الجنوبيين الذين دعوا للانفصال باسد يطارد زئبا اختطف حملا ولكن لم يكن الأسد يسعي لانقاذ الحمل بل كان يهدف لتخليص الحمل من الذئب ليقوم هو بـالتهامه لاحقا عوضا عن الذئب ( الحمل هو شعب الجنوب والزئب هو الصفوة الشمالية والاسد هو انفصاليي الجنوب ) . ولكن رغم تحقق نبوءة جوزيف قرنق فانه من المؤسف ان المثقفين والناشطين السودانييين ظلوا يمارسون السياسة والنقد بالذات في ما يتعلق بخيارات النضال المسلح في الشمال بعمي اختياري كامل عن سجل الحركة الشعبية الماساوي في ادارة دولة جنوب السودان وبذلك ظلوا يساهمون بالمساعدة في تمزيق السودان وتكرار تجربة الجنوب في اقاليم اخري اذ لم يحاسب أحد خطاب الحركة الشعبية-شمال علي الكوارث التي حلت بجنوب السودان في فترة مابعد الانفصال تحت حكم الحركة الشعبية وذلك لاستنتاج استيعاب الدروس المتعلقة بجدوي العمل السلح لحل قضاايا الوطن العويصة .
– كعب أخيل المثقف السوداني الوطني في التعامي عن خطر الحركات المسلحة علي ان يكون السودان أو لا يكون هو السوء المطلق لحكم الاخوان المسلمين الذي تعجز اللغة العادية عن وصفه والاحاطة به , ولكن من فساد المنطق استنتاج ان سوء النظام المطلق يعني ان كل وسائل وطرق مقاومته مشروعة ووطنية, ولنا عبرة في انفصال الجنوب والنهبـ المنظم لثرواته والابادات الجماعية التي تتم داخله حاليا .
– نظام الاخوان سوف يذهب طال الزمن ام قصر لذلك فان تبني الخطابات الجهوية والاثنية المتطرفة و التكتيكات التي تقود عمليا الِي تمزيق السودان باسم مقاومة النظام ليس من الوطنية في شيء بل هو نوع من الفساد السياسي الذي قد يفوق فساد النظام في نتائجه العملية علي المدي الطويل .
– سوف يستمر الافتتان بالحرب طالما استمر المثقفون في رمسنة العمل المسلح و اضفاء المشروعية السياسية والاخلاقية عليه ، ولكن الحرب ستفقد شعبيتها حينما يكف الناشطون عن التغاضي المتعمد عن تكاليفها الباهظة ومخاطرها علي وجود الوطن وحينما يواجه المثقدون حقيقة الحرب كخيار مبتذل يرد بـالوطن وانسانه موارد التهلكة من اجل تغذية الانا المتضخم لأفراد تمنحهم الحروب خياراتهم الافضل مهنيا وطبقيا.
– قبل اكثر من ألف عام قال زهير بن ابي سُلمى:
وما الحربُ الا ما علمتم وذقتُمُ
وما هو عنها بالحديث المُرَجّمِ
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
وتضر اذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثفالها
وتلقح كشافاً ثم تنتج فتتئمِ
فتنتج لكم غلمان اشأم كُلُّهمْ
كأحمرِ عادٍ ثم ترضعْ فتفطمِ
فتُغْلِلْ لكم ما لا تُغلّ لأهلها
قرى بالعراق من قفيرٍ ودرهمِ