التغيير : الخرطوم 

 

يبدو ان القائمين على أمر شرطة النظام العام – المثيرة للجدل – أصبحوا يطوعون القوانين واللوائح المحلية التي تصدرها المعتمديات لمصلحتهم وذلك عبر تحويل هذه الشرطة الى مصدر “للجباية” وأخذ أموال المواطنين وكأنهم لم يكتفوا من سيل الانتقادات التي وجهت لهم خلال حملاتهم التي يقومون بها وخاصة تلك المتعلقة ” بالمظهر العام”. 

 

فالكثير من التجار وأصحاب الاعمال في الاسواق والأماكن العامة اشتكوا – وبمرارة شديدة – خلال حديثهم ” للتغيير الالكترونية” من أن افراد هذه القوة يفعلون كل شيء من اجل أخذ اموالهم عبر غرامات متعلقة بتنظيم الاسواق  او العمل خلال فترة صلاة الجمعة. 

 

وقال عبد الكريم عبد الله وهو صاحب محل تجاري في السوق الشعبي بامدرمان انه وفي حوالي الساعة ١٢ ظهرا كان يجلس امام مكان عمله وتفاجأ بأفراد من شرطة النظام العام وهم يقفون بالقرب منه ويطلبون منه الصعود الى السيارة. واضاف عندما سألهم عن السبب قالوا له ” ان الوقت وقت صلاة الجمعة “. 

 

واوضح يقول ” قلت لهم ان صلاة الجمعة هي في الواحدة والنصف ولم يحن موعدها بعد وإنني شخصيا لا أفرط في صلاتي .. لكنهم اصروا على موقفهم .. عندها ذهبت للضابط الذي يجلس في مقدمة السيارة وحاولت ان اشرح له ان ما يفعلونه غير صحيح وهو مناف اصلا لتعاليم الدين ولكنه لم يهتم وطلب من الجنود ان يدخلوني إلى السيارة بالقوة في حال رفضي للتعليمات .. فما كان مني الا ان ركبت “. 

 

واشار عبد الكريم الذي كان يتحدث من داخل متجره بالسوق الى ان السيارة توجهت بعد ذلك الي أماكن اخرى داخل السوق وقام افراد الشرطة بتوقيف كل من يجدونه بالقرب من محله ” من المفارقة ان احدهم كان يشرب شايا فطلب منه الصعود الى العربة .. وبعد حوالي الساعة وصلنا الى قسم الشرطة وكنا اكثر من أربعين شخصا”. 

 

ويتابع قائلا ” أدخلونا الى داخل الحراسة ولم يسمحوا لنا بالصلاة عندما طلبنا ذلك بحجة اننا لانصلي اصلا .. واضطررنا الى المكوث في الحراسة لمدة يومين حتى تم تقديمنا للقاضي صباح الاحد .. وعندما حاولت اشرح له موقفي لم يستمع الي وانما حكم علي بالجلد ٢٥ جلدة وألفين جنيه غرامة وفي حالة عدم الدفع سيتم حبسي لمدة ستة اشهر اخرى .. وهذا الامر تكرر مع كل الاشخاص الذين تم جلبهم بالسيارة دون اي استثناءات ومرافعات”. 

 

اما احمد موسى والذي يعمل في تجارة التجزئة و كان من ضمن من القي القبض عليهم  فيقول انهم وبعد ان استسلموا للامر الواقع وذهبوا لدفع الغرامة تفاجئوا بعدم منحهم ايصالاتهم الإكترونية كما تنص اللوائح المالية. مضيفا انهم استلموا إيصالات ورقية بقيمة الغرامة ” تفاجأنا بالإيصال الورقي لان الحكومة قالت انه غير مبريء للذمة .. وعندما احتجيت طلب مني الاستئناف وتم تهديدي بان يتم إعادتي للحراسة مرة اخرى في حال إصراري على الأورنيك الالكتروني .. فعندها لم اجد بدا من أخذ الإيصال والخروج من الحراسة خاصة وأننا ظلنا بها لمدة ثلاثة ايام”. 

 

وتكرر الامر ذاته مع تجار تجزئة في سوق امدرمان العريق ، حيث اتهم التجار شرطة النظام العام والسلطات المحلية بأخذ مبالغ مالية ضخمة منهم دون منحهم إيصالات الكترونية وتزايد حالات التضييق عليهم. 

 

ورصدت ” التغيير الالكترونية ” محاكمة العشرات من تجار التجزئة في شرطة النظام العام داخل السوق بعد إلقاء القبض عليهم خلال حملات الشرطة والافراج عنهم مقابل دفع غرامة قدرها الف جنيه دون ان تعطي المحاكمين إيصالات الكترونية كما ألزمت وزارة المالية كافة المؤسسات الحكومية عند التعامل النقدي. 

 

وقال ابراهيم عبد الله وهو احد التجار الذين تم الافراج عنهم انه دفع مبلغ الغرامة والبالغ قدره الف جنيه لكنه لم يستلم ايصالا ماليا الكترونيا.

 

 واضاف ” جاء شقيقي وقام بالإجراءات  القانونية اللازمة للافراج عني ومن بينها دفع الغرامة وعندما ذهب ودفعها وطلب إيصالا من الخزنة سأله احد العاملين ان كان يريد ايصالا ماليا ام الافراج عن شقيقه واضطر في النهاية للإذعان ودفع الرسوم دون اي إيصال وهذا الامر يتكرر مع الجميع”. 

 

وزاد ” لو حاولت ان تطالب باي مستند مالي نظير الألف جنيه فإنك ستهدد بعدم الافراج عنك ولذا فان الجميع يدفعون في صمت ” . 

 

 

وكانت وزارة المالية قد طبقت نظام العمل بواسطة الإيصالات الالكترونية داخل كل مؤسسات الدولة ، وطالبت كل المؤسسات والمرافق الخدمية بالتعامل مع الإيصال الالكتروني واعتبرت أي تعامل مالي خارجه بمثابة جريمة يعاقب عليها القانون. 

 

وبدات سلطات محلية امدرمان ، في الآونة الاخيرة ،  وبالتعاون مع شرطة النظام العام ، بتكثيف حملاتها الرامية الى القبض علي التجار والباعة المتجولين  خلال الفترة  الماضية بعد ان اعلنت انها بصدد تنظيم السوق ومنع الباعة غير المرخص لهم. لكنها أصدرت أمرا محليا تقوم بموجبه بأخذ غرامة مالية وقدرها الف جنيه من كل تاجر يتم القبض عليه ولايتم الافراج عنه الا بعد دفع الغرامة. 

 

لكن التجار يقولون ان هذا الامر الجديد ما هو الا وسيلة لأخذ مزيد  من الجبايات منهم. وقال احدهم ” لاحظنا ان الكشات زادت مؤخرا وانها أصبحت تتخذ شكل كمين  وتربص وفي أوقات غير مألوفة وعادة يتم إلقاء القبض على عدد كبير من الباعة من اجل دفع الغرامة والتي نعتبرها كبيرة وغير مبررة. 

 

ويقول محامون وقانونيون انهم لاحظوا وجود ” تحالف غير معلن” بين السلطات الشرطية والعدلية والمحليات من اجل الاستفادة من قانون النظام العام وغيره من الأوامر المحلية والجباية من التجار والمواطنين بصورة غير شرعية. 

 

وقال صاحب مكتب محاماه في امدرمان انه رصد تزايد الشكاوى من التجار بان القضاة والعاملين والشرطة في محاكم النظام العام بأنهم متحالفون ومتواطئون في ” أخذ اموالهم بالباطل”. 

 

واضاف : ” يأتي الي الكثير من التجار وهم يشتكون من كثرة الحملات غير المبررة وكثرة  الجبايات التي يتم تحصيلها بدون إيصال إلكتروني .. وعندما اطلب منهم تفويضا رسميا للعمل علي قضيتهم يقولون انهم يخشون على اكل عيشهم خاصة وأنهم يعملون على طريقة رزق آليوم باليوم”. 

 

واوضح المحامي انه حاول ان يجمع عددا اكبر من التجار والمتضررين ليرفعوا قضية موحدة ضد السلطات لكنه فشل في ذلك ” ما يحدث في أقسام شرطة النظام العام من أخذ أموال المواطنين والتجار هو مخالف للقانون وحتي القضاة يعرفون ذلك ولكنني اعتقد انهم مستفيدون بطريقة ما من هذه الجبايات والتي يمكن أن تصل الى ارقام فلكية في ظل ارتفاع قيمة الغرامات وكثرتها على مدار اليوم”.. بعض أقسام النظام العام يُستقبل العشرات من مثل هذه الحالات ولا يمكن للمدانين الاستئناف لطبيعة القانون والذي يكون فيه الشرطي هو الشاكي والشاهد في ذات الوقت”. 

 

 

ولا تعتبر  الانتقادات الاخيرة لقانون النظام العام  بعد ان كرست لصالح الجبايات المالية هي  الاولى  ، حيث انتقد ناشطات وحقوقيون قانون النظام العام وخاصة المادة ١٥٢ المثيرة للجدل والمتعلقة بالزي الفاضح التي يقولون انها فضفاضة وليست محددة ما يفتح الباب واسعا امام الانتهاكات بحق الفتيات