التغيير: قرشي عوض

عاد احد افراد قبيلة الحمر من زراعته بعد مغيب الشمس، وقبل ان يخلد للنوم داهمت منزله عدد من السيارات التي ترجل عنها في الحال رجال يحملون السلاح ويصيحون عليه ان يخرج اليهم. وحين سالهم عن سبب هذه الزيارة، اخبروه بانه هنالك امراة عجوز قد احترقت داخل منزلها المجاور له وهم يتهمونه بذلك. فرد عليهم بانه لاعلم له بذلك وانه ليس الفاعل.  وانه يرجح ان يكون بعض الاطفال الذين يلعبون بالالعاب النارية قد قاموا بحرق القطية.  لكن الشرطة رفضت التحفظ عليهم لصغر سنهم واخذت الرجل كمتهم اساسي.الا القضية لم تنتهي عند هذا الحد، وبحسب البيانات الصادرة عن القبيلتين في شهر ابريل من هذا العام فقد وقعت احداث اودت بحياة  الكثيرين. وذلك على اثر قيام مجموعة من قبيلة حمر بملاحقة لصوص سرقوا ابل، فيما يعرف محلياً بالفزع، واطلقت عيهم النار ، فاردت بعضهم قتلى في الحال.  وقامت قبيلة الكبابيش بنصب كمين لمجموعة من قبيلة حمر بالقرب من مدخل احد الاسواق الدائرية وقتلتهم.  وكرد فعل قامت قبيلة حمر بالهجوم على قرية تتبع للكبابيش وقتلت منها عدد من الافراد. فردت قبيلة الكبابيش بنصب كمين اخر لمجموعة من افراد حمر في طريقهم من منا طق التعدين واحرقت بعضهم داخل غابة جافة.  وقد مات جراء ذلك اكثر من 52 شخص من القبيلتين.  و توقف النزاع عند هذا الحد بعد ان فصلت قوات نظامية بين القبيلتين وكونت الحكومة لجنة تحقيق في الاحداث ادت القسم امامها وباشرت عملها. وخيم الصمت على اكبر ماساة تشهدها بادية كردفان منذ زمن بعيد .

لكن مواطنون وخبراء في مجال القانون والادارة الاهلية اعتبروا النزاع بين القبيلتين مؤشر انفلات امني في كردفان. ويستشهدون بالنشاط المحموم للصوص وقطاع الطرق الذي سبقه، ونتج عنه كسر ونهب اكثر من 30 متجر بمدينة النهود خلال شهر، ونهب اكثر من 11 متجر في ليلة واحدة. كما سجلت احصائيات الجهاز القضائي بالاقليم 48 بلاغاً خلال عامين ، تراوحت بين القتل،  النهب،  تهريب المخدرات وتجارة السلاح، وقد نظرت المحاكم والجودية في بعضها.ويقول الاستاذ عثمان صالح المحامي ان طريقة ارتكاب الجريمة تترك اثرها  على عمل الجودية ، مثل التمثيل بالجثث والذي ظهر بشكل مزعج في النزاع الاخير.

انتشار السلاح

كانت النزاعات تتم في الماضي بالسلاح التقليدي وكانت خسائرها قليلة ، لكن الاوضاع تعقدت بعد دخول السلاح الناري والذي اصبح مظهراً عادياً في بادية كردفان،ولم يقتصر على السلاح الخفيف وحده، ويقول شهود عيان ان المشكلة الاخيرة قد استخدمت فيها الاسلحة الثقيلة ،مثل الديكتريوف والقرنوف ، الدوشكا، وال140 ملي، وكلها اسلحة ميدان يصعب على الافراد امتلاكها. ولايمكن الحصول عليها من خلال مشاركة بعض القبائل في الحروب الدائرة على مقربة من الاقليم.  وبحسب مصدر عسكري،  ان افراد القبائل التي تساند القوات المسلحة مسموح لهم بامتلاك السلاح الخفيف،  في حين يذهب السلاح الثقيل للدولة ، مما يفتح الباب امام شكوك مشروعة حول الطريقة التي امتلكت بها بعض القبائل السلاح الثقيل،والذي استخدمته خارج النزاع المعروف بين الحكومة والحركات المعارضة لها في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الازرق. اما السلاح الخفيف فانه يستخدم في النهب وقطع الطريق. ويقول الاهالي ان عدداً من قاطعي الطريق والنهابين المعروفين،  والمسجلة ضدهم بلاغات في النيابات المختلفة ، ظهروا بين عشية وضحاها وهم يحملون السلاح ويمتطون سيارات الدفع الرباعي،  ممازاد في توسع نشاطهم الاجرامي،  كما تشهد على ذلك عدد القضاياالمفتوحة بحسب احصائيات الجهاز القضائي ، وحوادث النهب.

تضعضع النظام الاهلي

كما يعود انتشار النزاع بين القبائل في هذه المنطقة بالتحديد الى عوامل اخرى ،منها حالة التداخل القبلي الكبير، حيث تعتبر دار حمر،  من المناطق الغنية بالمياه الجوفية ، لوجود حوض النهود الجوفي وحوض صقع الجمل بها،  لذلك تكثر بها دوانكي المياه، في حين تقع المناطق المجاورة لها حتى دارفور في منطقة الحزام الصخري،  والذي يعرفه الجغرافين بمثلث العطش في السودان ، و يصل قمته في منطقة عيال بخيت.  لذلك  تنحدر كل القبائل صيفاً الى المنطقة ، وبعضها استقر بها ، ودخلوا في علاقات تصاهر، مع قبيلة حمر.كما تعود حدة النزاع ايضاً لتضعضع النظام الاهلي،  وتراجع الاعراف القبلية نتيجة الانحدار العام في الحياة.وبحسب عبد الله علي النورالمحامي،  والذي ترافع في عدد من النزاعات بين مجموعات اهلية، ان الانقاذ استعاضت في بداية عهدها عن الادارة الاهلية بالمنظمات الحديثة،  خاصة اللجان الشعبية. وظهر الاداري الشعبي،  بدلاً عن الاداري الاهلي بمسمياته القديمة من ناظر وعمدة وشيخ.  ومنح هذا الاخير سلطات قضائية منها الضبط والاحضار.  فاصبح العمدة بلاسلطات مما اضعف هيبته وقدرته التقليدية على حل النزاعات.

لاحقاً احتاجت الانقاذ للتجييش فاعادت الادارة الاهلية.  ولكن بعد ان قسمتها الى عدة اداريات. فاصبح للقبيلة الواحدة اكثر من ناظر حسب خشم البيت،  وتحت كل ناظر عدد من العمد،  وكذلك عدد من الشيوخ،  مما خلق نوع من التداخل  قاد الى تراجع النظام الاهلي من الناحية الادارية وحد من قدرته على حل النزاعات .

كما شغلت الادارة الاهلية بمهام اخرى جاءت خصماً على مهمتها الاساسية،  فاصبحت تلعب دوراً مهماً في التجييش،  الذي يحدد مكانة القبيلة والامير ،    فتراجعت تبعاً لذلك الاعراف القبلية مثل اخلاق الفزع.  ففي الماضي ماكانت القبيلة تحمي سارق او تفزعه ، بل تقبضه وتسلمه للعدالة ، لكنها الان القبيلة تحتاج له ولخشم بيته التحشيد ، كما ان الفزع كان  بقيادة الفرسان ويكتفي بارجاع المسروقات دون الدخول في اشتباك ، بل انه ينتهي بتوصيل اثر السارق حتى يدخل قرية معينة او فريق ، معين ثم يطلب من شيخ الفريق ان يسلمهم اما المسروقات او السارق ، ويقوم الشيخ بذلك.  لكن الان ، اصبح السارق في مامن ، مما يعتبرتحولاً مهماً في العرف الاهلي جعل الفزع يتعامل بغير الطرق المعروفة لاسترداد المسروقات مثل اطلاق النار على السارق بمجرد رويته مع المسروقات ، كما جعل  القبيلة لاول مرة تنصر السارق.

زاد في تعقيد المشكلة ايضاً الطريقة المتبعة في حل النزاعات، فالاشتباكات داخل القبيلة تحلها محكمة الادارة الاهلية،  لكن بين القبائل تحل عن طريق الجودية ، وفي الغالب تحدد الديات وتتعهد الحكومة بدفعها ، ولكنها في الغالب لاتفعل ، فتتحول الى دين على القبيلة ، اذا قام منها فرد بارتكاب جريمة قتل داخل القبيلة الاخرى ، تكون هذه بتلك .

هذا الى جانب التحول السالب الذي طراء على الجهاز القضائي بظهور مايعرف بمحاكم المدن والارياف.

وهى محاكم غير موهلة ، يكونها مدير الجهاز القضائي ، وتنعقد لاشخاص غير مختصين ، و بحسب عثمان صالح المحامي تعتبر تطوير سالب لفكرة المجالس القضائية المعمول بها في الماضي. ، وكان ينظر قضايا ، يتوفر فيها العلم للشخص الذي يقوم باصدار الاحكام ، لكونها تقع في دائرة اهتمامه وفي محيطه العام ، ودائماً مايصدر احكام بسيطة ذات طبيعة تاديبية. في حين ان هذه المحاكم الان تصدر احكاماً قد تصل الى السجن سنتين ، مما يهدر قيمة العدالة ، كمدخل للتفلت .

استناداً الى عوامل عدم الاستقرار المشار اليها ، فان مجلس الجودية المتوقع انعقاده بواسطة الادارة الاهلية من القبيلتين وبرعاه الحكومة قد ينجح في عقد الصلح ، لكنه قطعاً لن يعيد الاستقرار الى اقليم كردفان الذي يمضي بخطى حثيثية على طريق دارفور .