خالد فضل

قضايا شعبنا شائكة و هموم غالبية المواطنين مما لا تحصى , فقضية تردي الاوضاع المعيشية  و الغبن الناجم عن سوء السياسات و فظاعة الممارسات الحكومية حدت بمهندس شاب للانتحار حرقاً في وسط الخرطوم الاسبوع الفائت , و قد جاءت افادات احد جيرانه بحي اللاماب جنوب الخرطوم , و عبر مواقع التواصل الاجتماعي تشير إلى ان الشاب كان من مؤيدي نظام الانقاذ و له ميول سلفية , بيد ان هدم منزل اسرته ضمن حملات الهدم التي نفذتها السلطات المحلية في الحي المذكور قد اثرت عليه و جعلته يشعر بالغبن و يغير رأيه في تأييده السابق .

هنالك في الخرطوم ايضاً الحادثة المؤسفة بمصرع الاستاذة رقية اثر انهيار مرحاض في المدرسة التي كانت تعمل بها , و هي حادثة تؤشر إلى الانهيار المريع في البيئة المدرسية و بنيتها التحتية الرئيسية , و ليس في الامر عجب فالنظام القائم ليس من اولوياته خدمة الشعب , فهو نظام تنم كل ممارساته عن حقد و عداوة لحقوق الانسان الاساسية , و طبيعته المعادية للحرية تؤهله لقوائم الاسوأ بين الدول في كل مجال .

في هذه الاجواء المأساوية , و مآتم الاسر لم تفض خيامها يحتفل سدنة السلطة و ربائبها بتعيين النائب العام الجديد في موكب و زفة مثل تلك الزفات في مواكب التخريج لاطفال الرياض أو طلاب  الجامعات , فهذه ظاهرة من الظواهر الذميمة في بلد يعيش اكثرمن نصف سكانه تقريباً تحت خط الفقر المدقع و تنشر المنظمات الدولية في تقاريرها الدورية وقائع و احصاءات عن سوء التغذية , الجوع , وفيات الاطفال و الامهات, تلوث مياه الشرب , تزايد اعداد النازحين بسبب الحروب الاهلية , التسرب المدرسي و الفاقد التربوي و عمالة الاطفال , تفاقم العطالة , تهريب البشر , و تعلن الشرطة كل حين عن ضبط اطنان من المخدرات المنقولة إلى البلاد و في داخلها براً و بحراً و جواً . فما الذي سيضيفه فصل النائب العام عن وزارة العدل في ارساء دعائم العدالة في سلطة تقوم اصلاً على الظلم و الفساد , و ما الذي يتوقعه الناس من فئة ادمنت الاستبداد و صارت حياتها مرتبطة بالسلطة و امتيازاتها , فأي نيابة عامة يمكنها في ظل هذا النظام فتح ملفات الفظائع التي شهدتها بلادنا على مدى ما يقارب تلاثين عاماً الماضية .

كل هذه القضايا و الاوضاع البائسة و الواقع المعيشي المزري و الانهيار الشامل لكل قطاعات الانتاج و الخدمات , لا يشكل هاجساً لبعض الجماعات التي تزعم انها تزود عن الاسلام وتحمي بيضته , و على رأس تلك الجماعات التنظيم الحاكم نفسه , و الذي يستند على خلفية تنظيم الاخوان المسلمين و مرجعيته الفكرية (فقه الحركة) , و هو فقه برغماتي لا يتورع عن تبرير كل فعل يفعله منتسبوه بدعوة ان الرسول (ص) قد جوزه من قتل الابرياء في اماكن النزاعات المسلحة إلى جعل الكذب ديدن الحكام و المسؤولين . هذه البيئة العكرة و المناخ الملوث بالهوس حول حياة السودانيين إلى جحيم لا يطاق , و وجدت الجماعات المتطرفة المناخ الانسب لتبيض و تفرخ سمومها القاتلة , و مع ضعف التعليم و تفشي الامية و تدني مستويات المعيشة , و الغطاء السياسي و الامني لهذه الحركات المتطرفة انتشرت عضويتها و باتت تشكل احد اكبر مخاطر مستقبل البناء الوطني , ذلك ان اي بناء جديد للدولة الوطنية لابد ان يقوم على ركائز حقوق الانسان و المواطنة و الحريات و التنمية المتوازنة و احترام واقع التعددية الدينية و الثقافية و العرقية , مثل هذه المفردات لا تدور اساساً في اذهان هذه الجماعات المتطرفة إذ تقوم على اطلاقية بحتة و ووثوقية تجافي المنطق , فالناس عندها صنفان اما معها او بالضرورة ضدها و لأنها حركات تزعم اسلاميتها فمن ايدها و انتمى لها صار مسلما و من خالفها فهو كافر يجب قتله . هذه النظرة العدمية هي التي تنطلق منها كل الاعمال الارهابية التي تروع الامنين و تفجع الضمير الانساني .

إن حملة الارهاب الفكري التي يشنها الطيب مصطفى او محمد الجزولي ضد الاستاذة الصحفية شمائل النور تنطلق من ذات نقطة العتمة , و في اجواء الفشل المريع لسلطة الاسلاميين , و ازدياد وتائر الململة الشعبية , مع انسداد الافق السياسي و الفكري و الاقتصادي , و استناد الحكم على القبضة الامنية و انتظار السند الامريكي في هذه الاوقات تنشط جماعات الهوس تنشر رداء الخوف في تناغم مع الاجهزة الامنية , فحرية التعبير و الرأي مما لا تؤمن بوائقه و نشر الوعي يفسد تدابير استدامة القهر و الاستبداد , و مع ذلك فلابد لقوى الوعي و الاستنارة ان تتوحد على مطلوبات الحد الادنى على الاقل , و مقاومة تمدد الهوس الديني بكل الوسائل المشروعة , فبلادنا ليست ضيعة خاصة يسرح المهووسون فيها و يمرحون , و إذا جاءتهم الريح رخاء فابحرت سفنهم كما يشتهون فإن اعصار الهبباي الشعبي لابد سيهب عاصفا و ساعتها يولد الوطن من جديد خيّر ديمقراطي , و التحية و كامل التضامن مع الاستاذة شمائل التي تمثل جيلاً كاملا من الصحفيات و الصحفيين الشباب الذين ينيرون بوعيهم ظلمات الواقع الغشوم .