بثينة تروس

بحثاً في أضابير عهد تولي، كان فيه للتعليم والخريج الجامعي في السودان  هيبة، في اعتقادي لقد أجحفت الوسائط الاجتماعية، ووسائل التواصل الاعلامي، في حق  خريجين دولة ( المشروع  الحضاري)!!
فلقد تناقلت تحت عنوان الخريج اليوم،  والخريج سابقاً!  نماذج لفديوهات لخريجين شباب من الجنسين،  في يوم تخريجهم،  وهم يلبسون اجمل ملابسهم، وكانهم عرسان في يوم فرح أكبر..
وطاقة من الرقص الصاخب بل قل الهستيري!  ملحق بأغاني، يسميها النخب!!  ( هابطه) !! توطّنت في العقل الجمعي المعاصر!! ألفتها الأسماع! وانكرتها العقول!! 
 
فتذكرت حكاية  مدينة  ستراسبورغ ! في زمان الامبراطورية الرومانية، و حالة هستيريا  الرقص التي اصابت المدينة ، في عام 1518 او مايسمي بطاعون الرقص، حيث أصيب حوالي  400 من المواطنين الذين ظلوا يرقصون ، رقصاً محموماً لايام،  واستمر  البعض في الرقص لمدة شهور، حتي اصابهم الإرهاق ، والنوبات القلبية، والسكتة الدماغية،  وانتهي بهم الحال الي الموت…  
ولقد عالجت المدينة وباء الرقص بمزيد من الرقص.. بحسب ( وكيبيديا ) 
 
ولكم هي شبيه حال تلك المدينة، بحالة بلدنا ورئيسها الذي سمي ( بالرئيس الراقص)!  والذي لم يحول التوجه الاسلامي ، والذي في اصوله  (السلفيه) يحرم الرقص، والتمثيل ، والنحت، وحتي الغناء، من ان يرقص كلما قرع طبل، ان كان بحفل بهيج، او فوق جماجم الموتي، او علي إيقاع التكبير والتهليل، وبيع الأماني للشعب المغلوب علي أمره ..
وهو يتقافز و وزراءه (كالثيران الهائجة)  !! لو رأيتهم لحسبتهم عادوا منتصرين من حرب الأعداء، يرقصون حد الغيبوبة،  ومغنيين المشروع الحضاري، يسمعوهم من تراث الاحتراب القبلي، والعشائري   ما يشبع نهم الرقص الهوسي  التدميري هذا : 
(ماشُفنا  الاسد بيلاعب الجاموس
وما شُفنا المرق بيدخلو عرق السوس
مك ود مكوك من اربعين طاقية و ابواتك قبيل جابوها بالزندية 
عجبونى تيرانى)
 ثم قد ( دخلوها وصقيرها حام) !!
 
لذلك لا عجب ان تراص عمداء الجامعات  والأساتذة،  وهم يشاهدون صرعي وباء الرقص، بلا حيلة او قوة!
وعلي رأسهم ربيب الاخوان المسلمين  الوزير مامون حميدة، والذي هو  أكبر من استثمر في الصحة والتعليم!  وبنفس القدر الذي  خرجت جامعته كلية ( العلوم الطبية والتكنلوجيا )،  دفعات من الطلبة الذين استقبلوا حياتهم الجديدة بعد الطلب،  بالرقص الصاخب، تخرج الآخرين الي حتفهم ( الصاخب)  علي أيدي التطرف الاسلامي، من جماعات داعش والهوس الديني..
 
فلماذا  نعيب علي هؤلاء الشباب رقص الوداع!! وهم سوف يتجهون الي صفوف الخدمة المدنية الطويلة، طول خراب الخدمة المدنية نفسها !! والتي تعين ( بالتمكين) والمحسوبية،  وليس الكفاءة، فينال ابناء ( التمكين الاسلامي) الوظائف  والمخصصات، ، والمناصب في الشركات العامة والخاصة، التي هي في انتظارهم!  حتي من قبل التخرج.
 اما الآخرون  فسوف يلحقون بزملائهم خريجي الأعوام السابقة،  من ابناء عامة الشعب المسكين، والمحظوظون منهم، يكون نصيبهم مهن سواقين ( ركشات) ا ومساعدي الباصات،  وخلافها من الأشغال الهامشية، والتي لاتسترد شي من عناء الآباء او آمال الأمهات.
ويفشل في الحصول علي الوظائف  الطلبة المهندسين الذين تحتاجهم البلد، و حتي الأطباء يتسقطون الوظائف بالوساطات، والمهنيين، والفنيين، والمعلمين، والفنانين ، والاقتصاديين، وخلافهم من حملة الشهادات الجامعية الآخري .
ونسب كبيرة منهم يكون ذلك التخريج اخر فرحتهم! اذ يصيبهم الاحباط، ويجد البعض منهم طريقة للمخدرات والإدمان، هرباً من كابوس الفشل ومرارة العطالة ، وآخرون يصابون بالجنون، والانحراف، والانتحار في طرقات المدينة، والسجون.
وكيف لا !! والخلل يكمن في مشاهد التخريج الذي تباكي عليه الجميع، باعتباره مثل زمان احترام الخريج والعلم، في مقارنة مجحفة!  والذي لو تأملنا وجوه الساسه الذين تصدروا كراسي ذلك التخريج  لجامعة الخرطوم في عهد رئاسة السيد اسماعيل الأزهري،  في الستينات، لطالعتنا نفس وجوه ساسة اليوم !  وهي تعتلي الكراسي ، وتستأثر بالوظائف الهامة، أصرارً مخلداً،  من الشباب الي المشيب ، ولايهمد  لهيب تلك  السطوة الا قفر اللحود!!
فَلَو انهم  بعد ان نالوا حظهم من زعامة البلاد، ثم أصلحوا، وافسحوا الطريق لهؤلاء الخريجين،  وحكموا الديموقراطية الرشيدة، لما آل حال البلاد للذي نحن فيه الان من أزمة الأخلاق  المشهودة..
في الختام  فان رقص  حفلات التخريج يعيب الساسة، اجمعين  وليس الخريجين!  اذ نحن شعب امتزج في عروقه الدم الأفريقي الحار، بعلم التصوف ، فهذب حسه للتطريب،  وعمقه،  وزينه بالأشعار العرفانية،  وطوق جيده بأدب المديح، وغناء الحقيبة، والحب العذري،  ولم يعيبه علي الإطلاق ، بل خصب  من خصائص جمال التنوع السوداني المتميز الثقافات.
  لذلك جاءت مفردة المتدين عندنا في السودان،  قبل عهد الاخوان المسلمين!!  لها مدلولات مختلفة، عن ما عليه في عهدهم،  كما جافي، مفهوم  الفقهاء وتشريعات من يسمون برجال الدين.
 
فلنعين الشباب ، للخروج من المأزق الذي ولدوا في أكنافه، وترعرعوا علي إعلامه، الموجه  لخدمة أغراض نظام حكومة المتأسلمين،  ولايتأتي ذلك الا  بتهيئة سبل التوعية، ونشر الوعي ، وتشجيع المنابر الحرة، والوقوف بقوة لسحب صلاحيات ما سمي بالحرس الجامعي، وأمن الجامعات ، وسحب الامتيازات  والعصمة التي تميز طلبة الاتجاه الاسلامي الذين ينتمون  للنظام. حتي يشعر الطلبة بالامان ، ويستعيدوا حرم الجامعة للتعليم،  ويستعيدوا تلك الهيبة التي يرجوها الجميع، ويتمنون  عودتها!
وان يتم  استخدام طاقات هؤلاء الشباب،  وتسخيرها في أوجهها الصحيحة، ومحاربة البطالة، وإيجاد سبل لتوظيفهم ، والاستفادة من طاقاتهم الحيوية، وتوجيهها لتعمير البلد، والإشراك في قضاياه، وترسيخ احساس المسئولية الوطنية ، بإطلاق  الحريات،  بدل طردهم خارج البلاد، او  دفنهم في تراب الاحباط.
ولنجعل قضية الشباب  الخريجين، همنا وشاغلنا لانها  هي قضية كل بيت ، بل هي قضية وطن يحتضر، ولا أمل  في حياته بغير هؤلاء الشباب.