خالد فضل

تاريخ السودان الحديث , منذ مطلع القرن السادس عشر الميلادي يشير بوضوح إلى انتقال امتيازات السلطة و الثروة إلى المكون العربي و الاسلامي في المجتمع السوداني , بعد ان ظل تاريخ السودان النيلي على الاقل مرتبطاً بالنوبيين و غيرهم من العناصر الزنجية , منذ ذلك الحين صارت متلازمة العروبة و الاسلام تشكلان رافعة الارتفاع و الهبوط الى تحقيق الامتياز على المستوى الفردي و الجماعي , و بنهاية السلطة السنارية و مجئ الاستعمار التركي المصري في اوائل القرن التاسع عشر تم تكريس هذا الامتياز , و على نهجه كانت فترة المهدية , و استمر ذات المنوال على ايام الاستعمار الثنائي , فلم يتبلور مفهوم القومية السودانية على مر الاجيال , و عندما ولدت دولة السودان المستقلة منذ اكثر من 60 سنة ولدت بذات العاهة , فلم تكن النظرة لمكونات المجتمع السوداني من خلال واقع التعددية العرقية و الدينية , و كان واضحاً ان مسعى تحقيق الوحدة الوطنية يقوم على مفهوم (الوحدة التماثلية) كما اسماها البروف عطا البطحاني في احد كتبه المنشورة , و هي وحدة تقوم على فرضية وجود مثال للهوية السودانية (عربي اسلامي) على الآخرين من غير هذا المكون ان يتماهوا معه , و قد لحظ د. الباقر العفيف في كتيبه حول وجوه الهوية في ازمة دارفور , ان بعض الافراد او العشائر ذات الجذور غير العربية يحاولون خلق صلة عرقية تربطهم بالعرب جراء شعورهم بالامتياز الذي يمكن ان يحققه لهم مثل هذا الانتماء .

مع ظهور الحركة الشعبية / الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة العقيد د. جون قرنق , في 1983 م برزت على الساحة الوطنية مسألة البناء الوطني القائم على مفهوم التعددية و الهوية السودانوية كبديل موضوعي لمفهوم الوحدة التماثلية السائد . و عوضاً عن التوقف و التأمل ملياً في هذا الطرح الجديد , تمت مواجهته مباشرة  بادوات القمع و القهر المعهودة على المستوى الرسمي الذي تمثله الحكومة و قواعد المستفيدين منها على خلفية الامتياز التاريخي للمكون العروبي و الاسلامي , و كان ان تصاعدت وتائر الغبن لدى الاوساط المهمشة في وطنها و خاصة في جنوب السودان حتى بلغت مرحلة التخلي عن الوطن الكبير جملة واحدة , لقد كان رد جماعة الامتياز التاريخي على المطالب المشروعة هو تصعيد مشاعر الانتماء للهوية العربية الاسلامية في السودان بإنفاذ ما عرف بقوانين الشريعة الاسلامية منذ 1983م و المزايدة بها في فترة الحكم الديموقراطي القصيرة في منتصف الثمانينات , لتبلغ المزايدة ذروتها بسيطرة الحركة الاسلامية على السلطة بقوة الانقلاب العسكري في 1989م , ليبدأ الفصل الحالي من فصول هدم ركائز البناء الوطني القويم .

لقد شكل مشروع بناء السودان الجديد حضوراً قوياً في الساحة السياسية السودانية , و اصبحت نبرة المطالبة بالحقوق العادلة وسط مكونات المجتمع السوداني التي رزحت لقرون تحت سيطرة و توجهات مجموعة الامتياز السابقة , فلا غرو ان كانت القواعد و الروافد الرئيسة المكونة للحركة / الجيش الشعبي في غالبيتها من اقاليم الجنوب سابقاً و جبال النوبة و جنوب النيل الازرق حالياً , كما ان المجموعات المهمشة في دارفور قد انتظمت هي الاخرى في حركات سياسية مسلحة لا تبعد كثيراً عن دوافع الحركة الشعبية لتحرير السودان , و كذلك لمجموعات في شرق السودان .

ان ما جرى مؤخراً من تطورات و خلافات في قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان / شمال , يمكن قراءته من خلال واقع الازمة الماحقة التي تواجه مشروع بناء السودان الجديد , و لعل في سياق ما اورده الفريق عبد العزيز الحلو ضمن اسباب استقالته عن موقع نائب رئيس الحركة , انه قد يكون حجر عثرة امام تحقيق السودان الجديد , خاصة في ما يتعلق بتمثيل (النوبة) في قيادة الحركة , فالحلو من القادة الذين لا تخطئهم العين و لا يمكن بأي حال تجاهل مساهماته و تضحياته الجسيمة من اجل بناء وطن يسع الجميع و يليق بهم كبشر اسوياء على قواعد الانصاف و العدالة و حقوق المواطنة الكاملة و المتساوية لكل مكونات المجتمع السوداني في ظل دولة ديمقراطية رحيمة , لقد وضح ان هنالك خلافات تنظيمية و سياسية جعلت القائد الحلو يجد صعوبة في التعامل مع رفيقيه مالك عقار و ياسر عرمان حسبما يقول من دواعي استقالته , والاخيران مما لا يمكن المزايدة على تضحياتهما كذلك من اجل ذات المشروع , وهنا يكمن الموقف الحرج الذي وضعت امامه جموع المهمشين و المنتمين فكرياً او تنظيمياً لمشروع السودان الجديد , كما ان الركون إلى مطلب نيل حق تقرير المصير لجبال النوبة قد لا يشكل حلاً موضوعياً لقضايا النوبة , و لا لقضاية غيرهم من السودانيين الذين يواجهون الاضطهاد في وطنهم , و إذا كانت مصائر (الزرقة) في دارفور قد آلت إلى تشريد و نزوح و لجوء, فان بعضاً من مسؤولية ذلك يعود إلى قيادات الحركات السياسية المسلحة انفسم بانقساماتهم الاميبية , و لا يتصور ان يتكرر ذات السيناريو في قيادة الحركة الشعبية , كما ان تجربة جمهورية جنوب السودان بكل اخفاقاتها تجعل التفكير كرتين ضرورة لابد منها , الخلافات شئ طبيعي و معالجة اسبابه واجب وطني و انساني و امل يتطلع إليه ملايين السودانيين حتى في اوساط المجموعات التي حازت على الامتياز التاريخي . الامل موجود و لولا الامل و الحلم بالغد ما كانت حياة .