معتصم أقرع

 

“التاريخ يعيد نفسه في المرة الاولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة .”

كارل ماركس

في بداية مارس 2017  تقدم السيد عبدالعزيز الحلو  أحد اركان  ثلاثي  قادة الحركة الشعبية  بخطاب  استقالة  طويل ومفصل  أثار فيه قضايا بالغة الأهمية بخصوص مصير الدولة السودانية والبناء الداخلي للحركة الشعبية  . من الممكن تلخيص اهم  القضايا المتعلقة باستقالة السيد الحلو   في النقاط والملاحظات ادناه :

– تقدم السيد الحلو باستقالته الِى   مجلس تحرير إقليم جبال النوبة وليس  الِي قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان , واكتفى  بتقديم صورة من الاستقالة  الِى  رئيس الحركة وامينها العام  مما يعني ان الحلو  قد سحب اعترافه  بشرعية الرئيس والامين العام.

  ذهب الحلو في   اختزال مخل الِي   أن الشعوب السودانية انقسمت إلى فريقين فى الصراع الذى بدأ منذ 1955 . فريق مع رؤية السودان الجديد الذى يسع الجميع و فريق آخر مع المشروع العروبى الاسلامي الاقصائي الذى يحارب من أجل تثبيت الوضع القائم و الامتيازات التى وفرتها لهم دولة الجلابة عبر استنزاف الأطراف.  و لا يوجد محايد فى هذه الحرب. حتى دعاة الجهاد المدني هم عمليا جزء من قوى المركز و السودان القديم مع تفاوتات.

– دعا الحلو الِى وجود جيشين داخل الدولة السودانية والتمسك بحق تقرير المصير لجبال النوبة , وضرورة وجود جيش مستقل للحركة الشعبية لمدة عشرين عاما  بعد الوصول الِى اتفاق سلام  مع الحكومة.

  غياب المؤسسية داخل الحركة الشعبية .

–  فشل الحركة في تكوين مجلس تحرير قومى حتى الان .

–  مرور  ست سنوات و الحركة الشعبية تسير بدون منفستو.

– استعاضة الأمانة العامة  عن المؤسسات مثل مجلس التحرير القومي بالعمل عبر أجسام تفتقر للصفة الدستورية، وتغيير شعارات الحركة الشعبية وموقفها التفاوضي حسب تقديرات بعض الاشخاص.

– اختيار و تعيين ممثلي الحركة الشعبية  حسب المزاج الشخصي, وبعيدا عن أي مؤسسية و معايير  متفق عليها .

–   تجاوز رئيس وفد التفاوض لتقاليد تكوين لجان التفاوض فى الحركة الشعبية منذ تأسيسها و عدم وضوح المعايير  التى اعتمدها  فى ذلك وتخفيض سقف مطالب الحركة الشعبية في المفاوضات و خاصة فى بند الترتيبات الأمنية .

– وصف السيد الحلو رئيس الحركة و أمينها العام   بفقدان المصداقية وغموض دوافعهم.

–  كما تطرق الحلو الِى رفض ابناء النوبة لقيادته لانه لا ينتمي لاثنية النوبة مما مكن  الرئيس و الأمين العام من استغلال بعض ضباط جبال النوبة  لاضعاف  تأثير الحلو وتمرير اجندة  مهمة  من وراء ظهره .

–   ختم السيد الحلو استقالته بلفتة نادرة  في اوساط القادة السودانيين باعترافه  بـارتكاب  أخطاء قيادية و إدارية ولكنه لم يحدد  أو يفصل في طبيعة هذه الاخطاء كما ينبغي.  واخيرا وجه الحلو   نصيحة اخيرة  للنوبة بـعدم التفريط فى البندقية التى عرف قيمتها اجدادهم وذلك باعتبار  انهم    الشعب الوحيد فى العالم الذى يستخدم البندقية كمهر فى الزواج تقديرا لدورها و قيمتها فى استمرارية وجودهم.

من الواضح ان خطاب استقالة السيد  الحلو وثيقة  شديدة الأهمية تتعرض لقضايا مركزية في  غاية الخطورة  تستحق كامل الاهتمام من سياسيي  ومثقفي وناشطي الوطن.

انسابت من جانب الحكومة والحركة الاسلامية التعليقات الافلاسية  المتوقعة ولكن  مما يثير الدهشة  هوالقلة النسبية للتعليقات من معسكر المعارضة  ودعاة الحرية والتغيير والقوى  التي تسعي الِي اسقاط النظام.  ثم ان معظم  تعليقات هذا المعسكر  علي ندرتها لم تتناول القضايا  التي طرحها الحلو في استقالته من قريب أو من بعيد وكأنها قضايا جانبية و انصرافية  . اكتفت هذه التعليقات بالاشادة بشخصية الحلو وقوة وتماسك خطاب استقالته ثم عرجت على   الدفاع المستتر  عن الحركة والتغطية  على اشكالاتها بـالقول بان الانشقاقات  في اوساط حركات التحرير المسلحة امر طبيعي  وله سوابق عديدة في التاريخ, ثم حذرت بعض هذه التعليقات من  العواقب الوخيمة التي تنطوي على انقسام الحركة , الامر الذي  يجعل هدف الوصول الِى حل  سلمي  لمشاكل السودان اكثر صعوبة.

 ورغم  ان  كل هذه النقاط صحيحة ومشروعة  ومهمة لتأطير النقاش لكن للأسف فان العديد من  هذه التعليقات هدفت ضمنيا الِى حماية الحركة من أي تناول نقدي لمشروعها   ووسائلها  بتصويرها  المسبق   لكل صوت يتناول الحركة نقديا   بأنه لا يعدو ان يكون  نوعا من الشماتة التي تعبر   عن عقلية شمالية, عربسلامية , عنصرية , استعلائية      متوقعة من أهل المركز.

ان العنصرية  والاستعلاء الاثني  والديني حقائق بارزة في الفضاء السياسي والاجتماعي السوداني  يجب على كل انسان ذي ضمير ان يحاربها بلا هوادة . لكن التصدي الجدي لقضايا العنصرية  يفرض ان  لا تستخدم تهمة العنصرية الغليظة استخدام نفعي ابتزازي  لاخراس  أصوات غير مرغوب فيها. وليس من مصلحة القضاء على  العنصرية في شيء  ان يتم استخدام القضية لخدمة اغراض تسعى  لقمع حرية التعبير وإقصىاء اراء معارضة   وتوفير  قداسة  سياسية لمشروع الحركة البشري والذي  يدعي الديمقراطية والعلمانية .

ان تحصين  مشروع الحركة والحركات المسلحة الاخرى  ضد التعامل النقدي ينسف  الشرط الاهم للتقدم السياسي  والاجتماعي ويفتح الطريق  واسعا امام  امراء الحرب لتمزيق الوطن ونهبه بعد تحويله الِى مقبرة عريضة  كما يحدث حاليا في جنوب السودان وشماله    . ان  منح أي حركة سياسية “شيك علي بياض”  بوسم  أي  تساؤل  حول أهدافها ووسائلها بميسم العنصرية  هو تكريس لاستبداد  جديد  واعفاء للحركة والحركات   و  مؤيديها من مشقة  التفكير العميق  غير الرغبوي  والرد  المعرفي الرصين علي تسأولات  جادة  تتحدد مشروعيتها  بالنقاش  الحر المفتوح   لا بالاتهامات الجزافية غيرالمؤسسة  التي تشجع الكسل الذهني  بدلا  عن الحوار مع الافكار  غير المريحة واستخدام هذا الحوار  لاثراء الفضاء الفكري والسياسي  بدحض هذه الافكار ان جانبها الصواب  أو القبول بها  أو ببعضها إذا  ما كانت مقنعة منطقيا  وسياسيا  .

نلاحظ انه تقريبا ان  كل المثقفين الذين انتقدوا الحركات المسلحة  قد فعلوا ذلك من خانة الدفاع عن  الاستبداد الاخواني أو من منطلقات عنصرية بغيضة.  في مثل هذا الحال وغيره فان الواجب يقتضي كشف عورات  أي أصوات  عنصرية وتحديدها وتسميتها لان المواجهـة الشفافة اكثر فعالية  ثم انها لا تقع في مستنقع  الخلط الهدام بين النقد العنصري , الاستبدادي البغيض من جهة  والنقد الديمقراطي  المشروع  الذي يسعى لارساء قواعد فكرية لوطن معافى    من جهة اخرى.

ولكن  من جانب التعصب  الاخر فقد ولغ المثقفون     المنافحون  عن الديمقراطية في  هذا الخلط الهادم المغرض وستمرأوا الانبطاح الكامل  أمام الحركات المسلحة سواء بالصمت المدوي عن تجاوزاتها  الذي استمر  لعقود طويلة او باسكات الاصوات  النقدية الاخرى بالقاء التهم  الصريحة والضمنية بالعنصرية والانتماء للمركز   في وجه كل  اعتراض  على بنية  واداء هذه الحركات المسلحة  ذات المشروعية السلبية والتي لا ترتكز مصداقيتها على شيء  سوى فساد حكم الاخوان في الخرطوم. تواطؤ المثقفين قصيري النظر مع حركات تمزيق الدولة السودانية  هو زواج مصلحة يهدف من خلاله المثقفون والسياسيون الِى استعمال مدافع  هذه الحركات لارجاعهم   لسدة الهرم الاجتماعي. ولكن هذا الزواج   يطرح اسئلة نظرية محورية   عن دور المثقف وعلاقته  بالسلطة.  فالمثقف في أحسن أحواله مراقب وراصد  مستقل  لكل سلطة ,  والسلطة  لا  تعني الحكومة  فقط بل تعني كل  مراكز القوة وقنوات التأثير  الفعال في المجتمع , وهذه المراكز بالضرورة تشمل كل  الاحزاب والحركات المسلحة والسلمية سواءا كانت في الحكم ام في المعارضة    . المثقف الحق ليس طبالا ومادحا وملمعا  لقادة السياسة بل هي/هو مصباح يضيء الطريق للساسة  ويقومهم بلا مجاملات متى ما انحرفوا عن جادة الطريق.   المثقف ليس موظفا  مدجنا   يسبح بحمد  السياسي ولا هو  شاهد زور  مناور  يتحدث فقط عن  ممارسات خصمه اللا ديمقراطية واللا انسانية   وانتهاكاته  للوطن بينما يلتزم جانب الصمت  البليغ والتبرير  لنفس الانتهاكات  إذا ما ارتكبهـا حزبه المفضل . فادوارد سعيد يرى ان من واجب المثقف ان يكون معكرا لصفو السلطة وأميناً لمعايير الحق الخاصة بالبؤس الإنساني والاضطهاد رغم انتسابه الحزبي، وان يجهر بالحق في وجه القوة, أيا كانت هذه القوة , في سدة الحكم ام  في المعارضة. 

وترى فريدة النقاش ان المثقف سلطان معرفي يزيح الأباطرة ، ويرى شومسكي ان واجب المثقف هو قول الحقيقة وفضح الاكاذيب وليس الاعتذار عن والتبرير لممارسات حزبه المفضل  . 

كما يذهب أمبرتو ايكو الِى  ان واجب المثقف االاهم وفي  المقام الاول هو انتقاد رفاقه بما ان نقد الذات   بداية المصداقية لنقد الاخر   .ولكن  ظلت الصفوة الثقافية  السودانية كسيحة  في  عجز دائم عن نقد الذات ونقد  الاحزاب  والحركات  التي تنتمي اليها أو تتعاطف معها وذلك يدل على انها  تعي النقد كانتقاص وهدم ولا ترى فيه  شرطا   لازما  لتحصين هذه الاحزاب  والحركات ضد الانحراف  والفساد  وسلطة  الفرد أو  سلطة  مجموعات  ضيقة لا تخضع للمحاسبة من قواعدها أو من الرأي العام الوطني. فالنقد عند هذه الصفوة لا يعدو ان يكون  لعنة  توجه الِى الاخر وليست خير تصحيح  يمكن ان يمارس من داخل المعسكر  الذي ينتمي له الناقد لتقوية اساس العمل  السياسي  وضمان عافيته حتى لا ينخر فيه سوس الانفراد بالقرار وقمع الحوار وميلاد  أباطرة جدد.  

لا يمكن بأي حال من الاحوال  تفادي الاستنتاج  بان غياب النقد واستشراء ثقافة ان  لا صوت يعلو على صوت المعركة  التي فضلتها الحركة الشعبية  خلال فترة  1983 – 2011  هي  من بعض اهم أسباب الانهيار الكامل لدولة جنوب السودان المستقلة  واستشراء الفساد فيها , والابادات العرقية و جرائم  الحرب والمجاعات التي حلت على شعوب الجنوب تحت  وطأة حكم محرريهم   الثقيلة .

فقد اعطت  الصفوة الثقافية السودانية  المعادية للاخوان الحركة الشعبية”  شيك علي بياض” لتحارب الاخوان نيابة عنها  ونفخت هذه الصفوة  أبواقها بوسم   أي نقد لتجاوزات الحركة الكارثية بانه  ليس اكثر  من  ترهات عنصرية  متوقعة  من قبل الجلابة, أحفاد الزبير باشا . وهكذا تم  تغييب  دور النقد في تصحيح اخطاء الحركة الشعبية في مهدها وبذا   استفحلت هذه الأمراض وازمنت   وتسرطنت الِى  ان قادت المواطن الجنوبي الِى جحيم المجاعات والتطهير العرقي على ايادي  محرريه.   

ويبدو ان الصفوة المثقفة لا تهمها معاناة الانسان السوداني في الشمال أو الجنوب إلا إذا ما كان مصدرهذه المعاناة هو  خصمها السياسي  الحاكم , اما اذا ما ضرب الجوع والمرض والموت المجاني   الانسان السوداني نتيجة  لتوجهات المعارضة المسلحة وفساد فكرها وممارستها   فان  المثقف يمارس  التجاهل المتعمد والصمت المريب  في أحسن  الاحوال  أو التبرير  الفصيح  لمثل هذه الجرائم  والتشكيك في دوافع  منتقديها  ورميهم  بدون دليل بالعنصرية والتعالي الاثني  إذا ما  استحال  وصفهم  بالانتماء  للحكومة . وهذا ان دل علي شيء فانما يدل علي ان  النشاط السياسي  لمثل هذا المثقف لا يتعدى ان يكون صراعا  علي السلطة  وليس صراع مباديء محوره   حق الانسان البسيط  في الحياة والحرية والكرامة   والمساواة. فالذي  ينطلق من قداسة الانسان يفضح كل انتهاك للحق   في الحياة والكرامة ويحاسب الجاني  بغض النظر عن انتماءه الحزبي  . أما من يدفعه صراع واعي أو لا واعي حول السلطة  فانه لا يهتم بمعاناة  الانسان  البسيط الا اذا ما  كان ممكنا استعمالها للربح  السياسي بإحراز نقطة ضد   الخصم أو توجيه لكمة له .

ان حصاد العمل المسلح في اربع وثلاثين عاما كان ملايين الموتى والجوعي والنازحين وصعود المحتالين  وامراء الحرب الِي قيادة اقاليم ومجموعات قبلية  من غير ان ينتخبهم أحد   ومن غير ان يكتووا بجحيم الحروب التي اشعلوها .

 أما  الصراع الراهن داخل الحركة الشعبية  فيبدو انه  يستند علي ركيزتين , الاولي تمثل احتجاجا على  الزعم بـاستبداد رئيس الحركة وامينها العام بالرأي وتغييبهم المتعمد للمؤسسية. هذا الاحتجاج يدخل في بند العمل السياسي الايجابي بسعيه لتوسيع  دوائر صنع القرارداخل الحركة  وزراعة المؤسسية في تربتها.  ولكن من الجانب الاخر فان الصراع ايضا يمثل تراجعا عن وطنية الحركة    بسعي  المجموعة الخارجة على سلطة  رئيس الحركة وامينها العام الِى التصريح الشفاف  بما  كان مضمرا من التمركز العرقي وتعميد  قبائل النوبة في مكان  قبيلة الدينكا المميز  داخل الحركة الشعبية    ليرث قادة  هذه القبائل الذين عينوا  انفسهم ولم ينتخبهم  أحد  امتيازات  الدينكا  في  طريقهم الِي  تمتيع  قبائل النوبة بـنفس انجازات  المحرقة الشعبية في جنوب السودان .

هذه هي  القضايا التي يجب ان يتناولها  الفحص الجاد  ولن يجني الوطن وقضايا الديمقراطىية  شيئا من   زر الرماد في العيون  باالحديث  المتوهم المخاتل  عن شماتات  أهل  المركز العنصرية  الذين  يستحيل  عليهم استيعاب عظمة الحركة الشعبية   وعبقريات استقالاتها.

elagraa@gmail.com