عيسى إبراهيم *

علماء السودان “صنيعة” استعمارية

* يقول الأستاذ عبدالله الفكي البشير في كتابه “نحو فهم جديد للاسلام – مَحْمُود مُحَمَّد طه والمُثقفون –  قِرَاءة في المَوَاقِفِ، تَزْوِيرِ التَّأْرِيخِ وأبعاد مهزلة محكمتي الردة والاغتيال”: ” كان اعلان تكوين (“لجنة العلماء”، “هيئة علماء السودان”، “مجلس العلماء”)، نواة المعهد العلمي بأم درمان، برعاية الحاكم البريطاني. وكان تحديد مهامها في يوم 3 يونيو عام 1901م، هو إعلان وتدشين لميلاد المؤسسة الدينية المحافظة في السودان على أسس جديدة”، ويواصل ليقول: “…أنشأ الحاكم العام في عام 1901م مجلس العلماء (ويسمى هيئة العلماء – لجنة العلماء)، نواة المعهد العلمي بأم درمان، لينظم التدريس في الجامع الكبير بأم درمان. تم تشكيل هيئة العلماء  برئاسة الشيخ محمد البدوي (1841م-1911م) . وفي يوم 3 يونيو 1901م أصدر الحاكم العام عدة خطابات إلى الأعضاء المختارين في لجنة العلماء، وحدد مهامها…” ( المصدر: الأمين محمد المحيسي، “المعهد بين الماضي والحاضر من سنة 1912م- إلى 1957م”، مجلة معهد أم درمان، مشيخة السودان العلمية، العدد الأول، جمادي الأول 1377هـ/ ديسمبر 1957م، ص 35. – المعتصم أحمد الحاج، أزهر السودان: المعهد العلمي بأم درمان تاريخه وتطوره (1912م-1965م)، ط1، مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، جامعة أم درمان الأهلية، أم درمان، 2007م، ص 67-68.)!..

* تصدت مجموعة من ما يسمى بـ “علماء السودان”، وهم حقيقة “علماء بزعمهم”، بدأ تكوينهم في السودان في عهد الاستعمار الانجليزي – المصري في العام 1901، كترياق مضاد من “علماء الظاهر” ضد المهدية “علماء الباطن”، حيث اجتاحت المهدية ديار المستعمر وقطعت رأس غردونهم بـ”دراويشها”، في وضح النهار، وزلزلت أركان جيوشهم، وطردتهم من الأرض الطاهرة؛ السودان، وحينما عادوا بخيلهم ورجلهم بعد شيكان، أنشأوا “المعهد العلمي” بالسودان، تيمناً بأزهر مصر، زعيم “علم الظاهر” بالعالم الاسلامي، كان وما يزال!..

زواج التراضي ما هو؟

* يقول الهادي محمد الأمين (زواج التراضي – جدلٌ لا ينتهي): ” زواج التراضي المطروح يسمح بالتعاقد بين الشاب والشابة مباشرة أو وكالة طالما بلغا سن الرشد القانونية”، يقول المثنى ابراهيم بحر: “وسواء أتفقنا أو أختلفنا حول مشروع زواج التراضي الذي من ضمنه الغاء شرط الولاية في الزواج، وأشتراط بعض الشروط التي لا تتعارض مع الشريعة، مثل حق الطلاق للزوجة، أو منع التعدد الا بموافقة الزوجة نفسها، فمن الطبيعي ان تثير جدالا لأنها غير مألوفة بالرغم من صحتها شرعا”، ويواصل ليقول: ” ويتفق العرفي والتراضي في أسقاط شرط الولي وفقا لمذهب الأمام ابوحنيفة النعمان، ويختلف عليه التراضي في شرط الأشهار” (المثني – العرفي والتراضي والمسيار (ثورة) علي التعقيدات الاجتماعية  – سودانايل 24 فبراير 2017)، وفي محاولة لتصحيح هذه الأفهام نقول: ليس هناك الغاء لشرط الولي، وانما هو احلال المرأة لتكون ولية نفسها، ولا يعني هذا بالضرورة أن تكون مضادة لأسرتها، كما أن باقي الشروط مكفولة وهي المحل، والمهر، والشاهدان مع ولاية المرأة لنفسها في زواجها!..

فقهاء معارضون

* د. أحمد محمد عبد المجيد رئيس دائرة الشؤون الدستورية والعدلية بمجمع الفقه: “زواج التراضي يلغي قانون الأحوال الشخصية” (آخر لحظة 1 مارس 2017)، عبد الجليل الكاروري: “زواج التراضي محرم شرعاً وهو زواج باطل” (الأهرام اليوم 19 فبراير 2017)، عبد الحي يوسف وجه انتقادات لاذعة لوثيقة زواج التراضي ووصفها بالـ “هراء” (التيار 18 فبراير 2017)، البروف محمد عثمان صالح الرئيس العام لهيئة علماء السودان قطع أن المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة بشكلها المطلق في الحقوق والواجبات غير مقبولة (التيار – 18 فبراير – مصدر سابق)، عصام البشير الرئيس العام لمجمع الفقه الاسلامي شدد أن الدعوة لاجازة زواج التراضي في الدستور تهدد السلم الاجتماعي (التيار 18 فبراير – مصدر سابق)!، فما هو مخرج هؤلاء الفقهاء حين يعلمون أن المرأة يمكن أن تكون ولية نفسها وتباشر عقد زواجها، وتزويج غيرها، وهو رأي لإمام من أئمة الفقه، ومذهب من المذاهب الأربعة، وكان الأحرى بهم أن يواجهوا الرأي بالرأي، لا أن يهاجموه ويخرجوه من الشريعة فحسب!..

رأي فقيه مضاد للفقهاء

* د. محمد عثمان محمد – فقيه وباحث مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، حمل رأياً مخالفاً لفقهاء السودان، حيث ذكر أن هناك اختلافاً بين الفقهاء في اشتراط موافقة الولي في عقد الزواج، وأفاد أن القائلين بأن الولي ركن أو شرط في صحة عقد الزواج هم المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والاباضية، والقائلين بأن الولي ليس شرطاً في صحة النكاح هم الحنفية والشيعة الامامية، وذكر قول الحنفية أن نكاح الحرة البالغة ينعقد برضاها، وإن لم يعقد عليها ولي، قال أبو حنيفة: للمرأة أن تزوج نفسها، وقالت الامامية عقد الرجل والمرأة يحل بسببه كل منهما على الآخر، ومصادره في ذلك فتح القدير، كتاب رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، موقع عقائد الشيعة. ومن أدلة الأخيرين ا/ حديث ابن عباس “الأيم أحق بنفسها من وليها” صحيح مسلم، ب/  الآية “فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن”، حيث أضاف الفعل إليهن وهو قيامهن بالزواج. وأورد الكاتب قول ابن رشد في اختلاف الجانبين، وعزاه إلى أنه لم تأت سنة ظاهرة في اشتراط الولي، فضلاً عن أن يكون في ذلك نص، بل الآيات والسنن التي جرت العادة بالاحتجاج بها كلها محتملة، والأحاديث، مع كونها محتملة في ألفاظها، مختلف في صحتها، إلا حديث ابن عباس “الأيم أحق بنفسها من وليها”! (الصيحة 1 مارس 2017)..

الفقه من الشريعة

* هو من الشريعة لا ينكره إلا مكابر، أو جاهل، فقد ورد عن الصادق الأمين (صلى الله عليه وسلم) حينما سأل رسوله إلى اليمن: بم تحكم؟، قال: بكتاب الله، فإن لم تجد؟، قال: بسنة رسول الله، فإن لم تجد؟، قال: أجتهد رأيي لا آلو، فقال الحبيب المصطفى: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لمرضاة الله!، هذه واحدة، وأخرى، من اجتهد وأخطأ فله أجر، ومن أصاب فله أجران، وثالثة: التفكير فريضة اسلامية “ولعلهم يتفكرون”، والأحناف يشكلون ضلعاً مهماً، من أضلاع الفقه الأربعة الموروثة، الحنفية، والحنابلة، والمالكية، والشافعية، وظهروا حين أشكل على الأمة مستجدات، فتصدى لها الأئمة الأربعة، ورسُّوا أفراد الأمة حينها، والفقه – الاجتهادي، هو استفراغ الجهد للوصول لحل أي اشكال يستجد، وهو هو: “أجتهد رأيي لا آلو”، حين غياب النص من القرآن، أو من سنة الحبيب!، وقد خالف الأحناف المالكية والشافعية والحنابلة في ضرورة الولي (اصطلح الحنابلة والحنفية على عد الولي شرطاً، لا ركناً، وقصروا الركن على الإيجاب والقبول) وانفرد الأحناف بقولهم (وفي قولهم إعزاز للمرأة وتكريم لها): إن المرأة البالغة العاقلة سواء كانت بكرا أو ثيبا فإنها صاحبة الحق في أن تكون ولية نفسها، وليس لأحد عليها ولاية نكاح، ويمكنها أن تباشر عقد زواجها ممن تحب، ونقول: من رأينا ألا يعني ذلك ان تكون في تضاد مع أسرتها، فيمكنها اليوم مباشرة أمرها، بدعم من أسرتها!، “المرأة الآن هي القاضي في شؤون الأسرة والأحوال الشخصية في السودان وربما في بلاد اسلامية أخرى، يتعين عليها بحكم عملها، أن تحكم بصحة الزواج، أو عدمه بين المتخاصمين، وأن تحكم بالطلاق، والمرأة بهذا الوضع فهي بمثابة السلطان، فالسلطان هو القاضي (والسلطان ولي من لا ولي له)، هذه المرأة (السلطان) القاضية، عندما تتزوج؛ هل تحضر ولياً لعقد نكاحها، وهي التي ولي من لا ولي له، كيف تكون ولياً للآخرين، ولا تكون ولياً لنفسها! هل هذا يستقيم؟!” (د. محمد عثمان محمد – فقيه وباحث مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، الصيحة 1 مارس 2017 – مصدر سابق)..

أبوحنيفة النعمان

* أبوحنيفة النعمان – ولد 80 هـ 699 م وتوفي 150 هـ 767 م: “أبو حنيفة كان له شأن الواضع لأسس النظرية التي حققت تقدماً كبيراً في الفكر الفقهي الاصطلاحي…كان (فقه أبي حنيفة) أيضاً أرقي اصطلاحاً في إحكامه وتحوطه ولطف نظرته… (دائرة المعارف الاسلامية – النسخة العربية – صفحة 456 – طبعة دار الشعب – القاهرة)..

تصحيح لا بد منه

* في صحيفة التيار ربط الصحفي الهادي محمد الأمين (زواج التراضي – جدلٌ لا ينتهي)، بين زواج التراضي وزواج الجمهوريين “خطوة نحو الزواج في الاسلام”، وهو خطأ بيِّن، فزواج الجمهوريين ليس تراضياً، ولا مسياراً، ولا عرفياً، وهو يقوم على أركان الزواج الأربعة في الشريعة الاسلامية، وهي المحل، والمهر، والولي، والشاهدان، وزواج التراضي يجعل المرأة البكر أو السيب البالغة ولية نفسها، حسب رأي الأحناف، وهذا تصحيح واجب، وعدت التيار باستدراكه.. 

 

 

 

* eisay@hotmail.com