خالد فضل

رمضان كريم , و قد تزامن مع مطلع يونيو , و هو الشهر الذي ارتبط بانقلاب الانقاذ المشؤوم , و اهلنا المزارعون في الجزيرة يطلقون عليه شهر (هسْ) إذ هو الشهر الوحيد الذي لا توجد فيه فلوس , فالموسم الزراعي يبدأ في يوليو و غالباً ما يتم حساب الفوائد و صرف العوائد بنهاية ابريل و مايو , كان ذلك في زمان مضى قبل نحو 30 سنة عندما كان بالجزيرة مشروع زراعي و قبل ان تتحول على ايدي قباطنة سفينة الانقاذ إلى محاق .

لقد كان النشيد على ايام الانقلاب الاولى تتردد اصداؤه عبر وسائط الاعلام عن سفينة الانقاذ التي سارت لا تبالي بالرياح , ها نحن ندخل في العام الثامن و العشرين من ابحار تلك السفينة في بحار التيه , و لجج العدم , من ظلمات إلى ظلمات , و الشعب على ظهرها محمول بالقمع و القهر و الارهاب , سفينة الانقاذ التي سارت بوطن مساحته مليون ميل مربع تقلص الآن إلى ما دون ذلك بفقدانه للثلث على الاقل , و ما تزال اسباب انفصال الجنوب حاضرة تقبح وجه الانقاذ , و لا غرو فقد تم اعتماد مادة الابادة الجماعية في دارفور ضمن احدث المقررات الدراسية في واحدة من اعرق الجامعات الامريكية , هذا انجاز انقاذي و لا يعدله انجاز , و جبال النوبة تتململ و النيل الازرق على الخط هذا في ما يتعلق بحجم السفينة التي مخرت بها الانقاذ بحور الظلم و الفساد , اما عن البشر فحدث و لا حرج راح الملايين ضحايا حروب الانقاذ الاهلية منذ ايام فيالق الجهاد في الجنوب إلى ضحايا الجنجويد في محرقة دارفور المستمرة , تشرد الملايين في مخيمات الايواء داخلياً و خارجياً , هاجر و اغترب الملايين حتى ليمكن الزعم بارتياح ان حوالي 60% من سكان البلاد ما بين نازح و ظاعن و قاتل و قتيل و جريح و فقيد .

سفينة الانقاذ التي لا تبالي بالرياح على حد زعم منشدهم اغرقت البلاد في بحور الفساد , لقد فقد الناس الثقة في كل شي يمت للانقاذ بصلة , بل حتى الجنة التي عرضها السماوات و الارض زهد فيها من زهد من السودانيين إذا كانت تضمهم مع فلول الانقاذيين يوم القيامة , و العبارة الحاضرة للمرحوم الاستاذ سيد احمد الحسين (طيب الله ثراه) (الجنة لو حتضمنا مع الانقاذيين ما حا ندخلها) . الفساد وقصصه التي لا تنتهي و اعاجيبه التي لا تنقضي اودى بجهاز الدولة السودانية حتى اختفت ملامحها و تحللت مؤسساتها المدنية و العسكرية , فقد انتهى الجيش إلى جنجويد كأخر مسمار في نعش الدولة المنهارة , فقد اطلعت على عناوين مجموعة صحف خرطومية الاسبوع الماضي كلها تتحدث عن الدعم السريع يصدّ , يحرر , يتحرك … إلخ المرتزقة و المتمردين في دارفور . عندما كانت سفينة الانقاذ في بدايات إبحارها نحو الهاوية كانت ذات الصحف تصدر و عناوينها  القوات المسلحة تصد , تتحر , تحرر … إلخ المرتزقة و المرتزقة و المتمردين , أفرأيت كيف تحلل الجيش و تم تعليب جنوده و تصديرهم كمرتزقة في محرقة اليمن و حربها الاهلية التي لا ناقة لنا بها و لا جمل , و يحدثونك عن إصلاح الدولة .

امضى الانقاذيون الثلاث سنوات الماضية في لت و عجن و ملهاة اسموها الحوار الوطني ثم تمخضت الجعجعة عن وليد مشوه اسموه حكومة الوفاق و هي إلى النفاق اقرب , فلا الحوار كان شاملاً و لا مجرياته كانت شفافة و لا مداولاته كانت حرة , حوار فئة فاسدة و مفسدة لغيرها مع من لهم القابلية للتطبع مع الفساد و مجاراة المفسدين , تم تعيين رئيس للوزراء , و قيل في وصف تلك الخطوة بانها تعبير عن الرغبة في تنفيذ مخرجات الحوار و كأنما ورطة السودان في غياب مسمى رئيس وزراء , اي اصلاح للدولة يقوم به من افسدوها فهل بكري حسن صالح كان غائباً حين تم حرق الاف القرى بدارفور و قتل مئات الناس في شوارع الخرطوم ألم يكن شاهداً على تفكيك كل المؤسسات القومية و تحويلها إلى منفعة افراد نافذين او مستثمرين من جماعات الاخوان و المتطرفين و السلفيين , اليس هو نفسه و قد ظل يتقلب في الوزارة و المال العام مستباح  بالتمكين  و الوظيفة حكر للتابعين , فكيف يرجوا احد الناس اصلاحاً و رأس النظام معطوب تلاحقه التهم المخجلة بجرائم الحرب  و التطهير العرقي ضد شعبه , فيغيب عندما يحضر الرؤساء في القمم الدولية و الاقليمية  و يرسل مدير مكتبه  لينوب عنه و يصافح ترامب , هذا هو اس العطب في الدولة , فساد مؤسسي ترعاه اجهزة الدولة  و تحميه يدها الباطشة و ينتفع منه نفر قليل و السبب هو فساد منهج الحكم فاللص و السارق اساساً للسلطة لا يرجى منه خير , و سفينة الانقاذ التي تحطمت الواحها و احرقت الوطن معها لا تجد مرفأ للرسو فهي طريدة المواني بما اغترفت ايدي قباطنتها اللئام.

 و رمضان كريم .