خالد فضل

يبدو ان الكائدين للسودان و السودانيين قد ظلوا يلازمون مسيرة بلادنا , فمنذ ان غنى محمد وردي بصوته الآسر (سنرد اليوم كيد الكائدين وحدة تبقى على مر السنين) ما فتئ الكائدون يمارسون كيدهم , لم نستطع ردهم كما اشتهى المغني , فلم تبق الوحدة على مر السنين بل بقي الانقسام الوطني كسمى ملازمة لعقود الاستقلال.

 لم يتوحد السودانيون في الواقع إلا على (الانقسام) , و هي ظاهرة جديرة بالانتباه , لماذا تفشل قيادتنا الجماعية , و لماذا يعمر عندنا حكم الفرد ؟ و تفشل الحكومات التي يفترض نظرياً انها تعبر عن الغالبية ؟ مع الاسف لم تبق من مظاهر وحدتنا اي شواهد , فالوطن نفسه انقسم إلى وطنين , و عقد الجلاد إلى فرقتين , و حركة حق إلى حقين , و الطريقة الصوفية إلى طريقتين , و البنك الزراعي إلى بنكين , و الشعب إلى طبقتين (و ما بتحير بين الفوق و بين الناس التحتانية إلا مغير  ولاّ عقوق ولاّ كفيف الانسانية) , و هكذا دواليك .

 فهل ما حاق ببلادنا خلال ستة عقود ونيف من كيد الكائدين ؟ من هم الكائدون ؟ اوليس من الفرضيات الراجحة ان الكائدين مع الاسف هم من ابناء السودان انفسهم بل نمضي اكثر من ذلك , بطرح الاتهام مباشرة على النخب التي خابت في التمثل بسمات المتعلمين و المثقفين حتى ان د. منصور خالد وسم احد اسفاره العظيمة ب(النخبة السودانية و ادمان الفشل) , و يتردد ذات الصدى في سفر الاستاذ فتحي الضو (سنوات الخيبة و الفشل) في وصف اداء التجمع الوطني الديمقراطي .

فترة حكم الانقاذ و التي شارفت سنواتها على نصف فترة الحكم الوطني منذ الاستقلال تعتبر الفترة الاكثر استخداما و ترديدا لمصطلح (كيد الكائدين) فمنذ اليوم الاول للانقلاب تم دمغ جميع المعارضين المحتملين بـ(الكائدين للشعب و الوطن و لاحقا الدين و العقيدة) فاوصاف الخونة و العملاء و هي من مرادفات الكيد اطلقت على مجموعات السياسيين و النقابيين و الثوار من غير اعضاء الجبهة الاسلامية , و ظل هذا ديدنهم حتى الآن. ارتكب النظام الفظائع من قتل و ترويع و تشريد و تجويع و تحطيم معنوي و مادي , ثم ببساطة يرد كل فشله إلى المتأمرين و العملاء و الكائدين. صدرت ضد النظام عشرات القرارات في مجلس الامن الدولي و لجان الامم المتحدة المختلفة  ووجهت له مئات التوصيات في مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة , و وصل الامر حد توجيه الاتهامات لرئيس النظام و بعض قادته من المحكمة الجنائية الدولية , أكل هذا كيد الكائدين ؟ أفي انفسكم افلا تنظرون ! تم تدمير مشروع الجزيرة بمخطط منهجي اسهم فيه نافذون و مسؤولون و نقابيون بعضهم من ابناء الجزيرة انفسهم , فمن هم الكائدون ؟ و سودانير و خط هيثرو  و شركة الاقطان  و و و غيرها الكثير من المؤسسات العامة التي تم تدميرها عن قصد فمن هم الذين كادوا لها ؟ تشليع الخدمة المدنية , و تسريح الجيش القومي لتحل محله المليشيات هل تم بكيد كائدين من خارج النخبة الحاكمة , تسييس الخدمات و تسليع التعليم و العلاج و الصحة هل تم نتيجة لكيد كائد من غير ابناء التنظيم , دق اسفين بين القبائل و اشعال الحرائق بين الاعراق و رعاية الارهاب الفكري و الديني و اثارة الفتن الدينية هل هي من فعل الخونة و العملاء , أفي اعمالكم و ممارساتكم افلا تتأملون !

من احدث استخدامات (كيد الكائدين) ما اطلقه وزير الزراعة الاتحادي , رئيس مجلس ادارة شركة امطار (الاماراتية – سودانية) متهماً جهات ما بالكيد للاقتصاد السوداني و الحاق الضرر به عبر عملية ادخال حوالي 20 الف فسيلة نخل مصابة بفطر قاتل , و تقدر قيمتها بـ15 مليون دولار تتحملها حكومة السودان , هل لهؤلاء الكائدين صلة بزملائهم من مهربي المخدرات إلى السودان و مهربي الصمغ العربي و سبائك الذهب و اموال عائدات النفط إلى خارج البلاد ؟ لماذا لم يسم هذه الجهات أهي جهات عليا , جهاز الامن مثلاً , رئاسة الجمهورية , قيادة الحركة الاسلامية , ام قيادة التنظيم الدولي للاخوان المسلمين , فهذه هي الجهات التي يمكن ان تكيد للشعب السوداني وهناك شك معقول من خلال الممارسة و الشواهد ان تخريب الاقتصاد الوطني قد تم عبر كيد التمكين , لقد كانت شماعة اسرائيل و امريكا هي التي تعلق عليها كل الممارسات الفاسدة و الفاشلة اما و قد صارت هاتان الدولتان من (احباب الله) فما هي الشماعة الجديدة ؟ ربما الحوثيون , إيران وحزب الله ام هي الجبهة الثورية !.

 سيدي الدخيري , الذي تطلبه ادنى اليك من المايك الذي تتحدث به . انظر حواليك , من يقف وراء كل صفقات السلع الفاسدة , من يحميهم , من يسهل لهم الاجراءات , من يزور لهم الشهادات و من يفتح لهم الاسواق , أتذكر سيدي وابورات الحرقة و نور الدين , و تقاوي عباد الشمس , و السماد المضروب , و المبيدات التالفة , أتذكر مواد الاغاثة المنهوبة  و غيرها ستجد الاجابة و ليتك تمتلك الشجاعة الكافية لتعلن عن الكائدين بالاسم و العنوان . اما فقهاء الاستبداد و تدليسهم على الشعب , فهذا كيد عظيم , و ليرحم الله حميد القائل (باسم الدين و الامريكان كل عوج مبدي ومختوم و مافي فرق في الوقت الراهن بين واشنطن و الخرطوم) و لنا عودة في هذا الموضوع إن شاء الله .