عيسى إبراهيم *

*  في فَصْل د. شوقي السَّابِعُ: “جَعْلُ الجُمْهُورِيِّينَ لِلأَحَادِيثِ مَعْنَيَيْنِ: مَعْنَى قَرِيبًا وَمَعْنَى بَعِيدًا”، يقول شوقي: “جعل الجمهوريون للأحاديث معنيين معنى قريبًا ومعنى بعيدًا، المعنى البعيد هو المقصود لذاته، والمعنى القريب في معظم الأحيان وسيلة للمعنى البعيد، وذكروا أن الذي يفهم المعنى القريب دون البعيد فما فهم الأحاديث“.

مثاني المعاني

جلية الأمر أن الجمهوريين لم يجعلوا للأحاديث النبوية (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) معنيين وجعلوا ذلك قاصراً عليها، وإنما – قبل ذلك – جعلوا للقرآن معنيين، معنى بعيداً (عند الرب) ومعنى قريباً (عند العبد) فقد جاء:

* “ومن الاعتبارات التي يجب مراعاتها ايضاً، انّ القرآن يسوق معانيه مثاني .. معنى قريباً ومعنى بعيداً .. فمن فهم المعنى القريب، وغاب عنه المعنى البعيد، فما فهم القرآن .. ومن فهم المعنى البعيد ، وغاب عنه المعنى القريب ، فما فهم القرآن ، وانما يفهم القرآن من يرى المعنيين، في اللحظة الواحدة. والى مثاني القرآن تشير الآية الكريمة:  “الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً، مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم، وقلوبهم، الى ذكر الله، ذلك هدى الله، يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد!!” .. فالقرآن جميعه مثاني، كل آية منه، بل وكل كلمة وكل حرف .. وذلك لأنه خطاب من الرب الى العبد، فيه المستوى الذي عند الرب، في عليائه، وفيه المستوى الذي تنزل الى ما يطيقه العبد من الادراك .. وما تحدثنا عنه من شهادة الله لذاته بذاته، ومن تنزل هذه الشهادة الى اولي العلم، في الأرض، يعطي صورة لمثاني القرآن”، (كتاب عقيدة المسلمين اليوم – المقدمة، أنظر موقع الفكرة على النت www.alfikra.org).

* “وجلية الامر انّ كلمة “الله” حيث ما وردت تشير الى معنيين وفي آن معاً، وهما مقام الاسم، ومقام الذات .. وهذا ما يقتضيه التوحيد، ويعطيه فهم مثاني القرآن التي أشرنا اليها في المقدمة .. فالقرآن يسوق معانيه مثاني: معنى قريباً ومعنى بعيداً .. فمن فهم المعنى القريب، وغاب عنه المعنى البعيد فما فهم القرآن .. ومن فهم المعنى البعيد، وغاب عنه المعنى القريب، فما فهم القرآن، وانما يفهم القرآن من يرى المعنيين في اللحظة الواحدة .. والسبب في سوق المعنيين، المعنى القريب والمعنى البعيد، انّما هو انّ القرآن خطاب من الرّب تنزّل الى العبد، وان اسم الله، تبارك وتعالى، يطلق على معنيين ايضاً: معنى بعيد، وهو ذات الله الصرفة – في صرافتها – وهي امر فوق الادراك، وفوق الاسماء، وفوق الاشارات، ولولا انّها تنزّلت لما عرفت .. ومعنى قريب وهو مرتبة الانسان الكامل الذي اقامه الله خليفة عنه في جميع العوالم، وأسبغ عليه صفاته، واسمائه حتى اسم الجلالة – فكلمة “الله” حيث قيلت انّما تشير الى هذين المعنيين، وفي نفس الوقت .. هي تشير الى “صرافة الذات” وتشير الى (التعيّن الاول) الذي ليس بينه وبين صرافة الذات أحد من الخلق، وانّما هو بين جميع الخلق وبين الذات .. وانّما تقوم جميع الاسماء، والصفات، بالتعيّن الاول اولاً، ثم هي لدى التناهي، انّما تشير اشارة مبهمة، قاصرة، الى الذات الصرفة التي هي فوق ان تسمى، او ان توصف، او ان تعرف، (عقيدة المسلمين اليوم – مقام الاسم الله والذات، المصدر السابق).

والسؤال الذي يوجه لشوقي إذا لم تكن هناك المثاني المعنى القريب (عند العبد) والمعنى البعيد (عند الرب) والقرآن يقول: “قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا” والقرآن – حسب تجربتنا – يمكن أن يكتب بدواة من مداد، فأين هذا القرآن الذي لو أن البحر كان مداداً لكلماته، لا.. بل لو جاءوا بمثل البحر مداداً، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي؟!، إذا لم يكن ذلك في المعاني المتعددة التي ليس لها نهاية؟!، وأمام شوقي احدى خطتين إما أن يوافق على ما أوردنا فيريح ويستريح، وإما أن يقول أن لله كلاماً غير ما حواه القرآن فيواجه بالآية القرآنية “ما فرطنا في الكتاب من شيئ”، والقرآن عندنا هو كلام الله، ومن الأسرار الخفية أن الحروف العربية حينما حملت من القرآن – كلام الله – ما حملت تضعضعت فتكسرت فكانت في مفتتح آيات القرآن حم، ألم، كهيعص، ن، ق، ألر، إلى آخر ما ورد من حروف، وصارت أدخل في الاشارة منها إلى العبارة والاشارة أبلغ من العبارة، وكان القدامى حين ما يأتون إلى هذه الحروف لا تسعهم إلا العبارة: “الله أعلم بمراده” فأراحوا واستراحو!!.

شوقي بين بتر النص والنقل الخطأ

* فلنتأمل عزيزي القارئ هذين النصين من كتاب رسالة الصلاة النص الأول يمثل ما أورده د. شوقي:

1/ قال محمود في كتابه ” رسالة الصلاة “: “صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي”!! هكذا أمر النبي في تبليغه رسالة ربه، فالصلاة معراج النبي بالأصالة ومعراج الأُمَّةِ بعده بالتبعية والتقليد .. وكلمة “رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي” لها معنى بعيد، ومعنى قريب .. فأما المعنى البعيد فهو أن ترى بعين البصيرة حال قلب النبي من صدق التوجه حين يقوم لصلاته، وأما المعنى القريب فهو أن نرى بعين البصر حركات النبي الظاهرة في صلاته فنتفنها أيضًا ..

والنص الثاني يمثل النص في كتاب رسالة الصلاة:

2/  “صلوا كما رأيتموني أصلي”!! هكذا أمر النبي في تبليغه رسالة ربه. فالصلاة معراج النبي بالأصالة، ومعراج الأمة من بعده بالتبعية، والتقليد.. وكلمة “رأيتموني أصلي” لها معنى بعيد، ومعنى قريب.. فأما معناها البعيد، فهو أن نرى بعين البصيرة حالة قلب النبي من صدق التوجه، حين يقوم لصلاته. فهو حين يقول الله أكبر، في إحرامه، لا يكون في قلبه أكبر من الله، لأنه حرر نفسه من علائق الدنيا بتقليل حاجته منها، وبزهده فيها، وهذا ما أشرنا إليه آنفا في مقام العبودية وأما معناها القريب، فهو أن نرى بعين البصر حركات النبي الظاهرة في صلاته فنتقنها أيضا..

ونلاحظ في نص شوقي مقارنة بالنص الوارد في كتاب رسالة الصلاة أن شوقي:

أ- بتر النص فقد قفز من كلمة “لصلاته” إلى كلمة “وأما المعنى القريب”، مسقطاً قدراً كبيراً من النص بالبتر وهو: ” فهو حين يقول الله أكبر، في إحرامه، لا يكون في قلبه أكبر من الله، لأنه حرر نفسه من علائق الدنيا بتقليل حاجته منها، وبزهده فيها، وهذا ما أشرنا إليه آنفا في مقام العبودية”، ولم يشر بشير إلى ذلك وهو الباحث الدكتور إذ من العلمية المتبعة حين تحذف جزءاً من النص أن تضع نقاطاً (…..) وهو تقليد متبع يشير إلى الحذف المتعمد، من ما يدل على نقص علميته،

ب- وقع في أخطاء كثيرة منها تغيير النص ففي نصه الأول جاء بالآتي: “ومعراج الأُمَّةِ بعده بالتبعية” والصحيح “ومعراج الأمة من بعده بالتبعية”، “فأما المعنى البعيد” والصحيح “فأما معناها البعيد”، “أن ترى” والصحيح “أن نرى”، “حال” والصحيح “حالة”، “وأما المعنى القريب”، والصحيح “وأما معناها القريب”، “فنتفنها”، والصحيح “فنتقنها”، فإذا كان شوقي يخطئ في نقل النص ويبتره دون أن ينبه إلى ذلك فهل في امكانه تقويم آراء الآخرين؟!.

الأصالة ضرورة لموالاة المعرفة بالله سرمداً

يقول شوقي: إن الجمهوريين أخطأوا في هذه المسألة (في ذكرهم أمر الأصالة والتقليد) التي حاولوا أن تكون سَنَدًا لهم في الدعوة إلى الأصالة – ترك التقليد – أو ترك الصلاة الشرعية، كما يقول، وقال في الرد على الجمهوريين: “وهذا الحديث (يعني: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) الذي تحدث عنه الجمهوريون له معنى واحد”، ونقول له: كيف يكون للحديث معنى واحد، ونحن نرى بعين البصيرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم –  لم يقلد رجلاً قبله؟ ولم يسبقه أحدٌ على صلاة معراجه؟!، فإذا كانت الصلاة وسيلة وليست غاية، وهي كذلك بنص القرآن الكريم: “وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون”، ليعبدون في معنى ليعرفون، كيف؟!، وفق الآية: “وأقم الصلاة لذكري”، فالصلاة وسيلة لذكر الله، لمعرفة الله، والله وفق القرآن “ولا يحيطون بشيئٍ من علمه إلا بما شاء” فهو لا يعرف تمام المعرفة، يقول الحديث النبوي: “لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ولعلمتم العلم الذي لا جهل بعده وما علم ذلك أحد، قالوا: ولا أنت يارسول الله، قال: ولا أنا، قالوا ما كنا نظن الأنبياء تقصر عن شيئ، قال: إن الله أجل وأخطر من أن يحيط بما عنده أحد”!، فإذا كانت الغاية معرفة الله، وهي لا تتم سرمداً، وجب أن تكون لنا وسيلتنا صلاة أصالتنا، إذ لا يمكن أن نظل مقلدين والتقليد حجاب، وفي القرآن ورد: “كلٌ علم صلاته وتسبيحه”، وفي القرآن ورد: “لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات، إلى الله مرجعكم جميعا، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون”. كون السياق إخبارا عن الأمم فهو أمر واضح، ولكنه إخبار عن الأفراد أيضا، وهو في باب الفردية أدخل منه في باب الأممية “لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا”: لكل فرد منكم جعلنا “شرعة”.. يعني شريعة، “ومنهاجا” يعني سنة. “فشرعة ومنهاجا”.. يعني شريعة وحقيقة.. فشريعة العارف طرف من حقيقته، وهو فردي الحقيقة، فردي الشريعة، وشريعته الفردية فوق الشريعة العامة بما لا يقاس “ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة” يعني لجعلكم على شاكلة واحدة – والأمة هنا تعني الفرد.. قال تعالى “إن إبراهيم كان أمة، قانتا لله، حنيفا، ولم يك من المشركين، شاكرا لأنعمه، اجتباه وهداه إلي سراط مستقيم” فأمة هنا تعني إماما يقتدى به “ولكن ليبلوكم فيما آتاكم” ولكن ليختبر كل فرد فيما آتاه من النعم المودعة في قلبه وعقله، ماذا فعل فيها؟؟ هل زكاها؟ يعني نماها وحررها أم دساها؟ يعني أهملها وأخملها “فاستبقوا الخيرات” المعارف “إلى الله مرجعكم جميعا” وهنا دليل الفردية في الآية لأن الناس لا يرجعون إلى الله إلا فرادى “ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة”. وكما قلنا ذلك عند الحديث عن الفردية ونزيد هنا قوله تعالى “وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا” “ألزمناه طائره في عنقه” طائره يعني قلبه “ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا” يعني قلبه أيضا و “اقرأ كتابك” يقرأ ما كتبه عقله على صفحات قلبه من جهالات أو معارف و”كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا” الفردية فيها ظاهرة. “فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون” معناها يجعلكم تحققون فردياتكم التي بها يقع الاختلاف أو قل التمايز بينكم، (كتاب رسالة الصلاة – الأصالة، أنظر موقع الفكرة الجمهورية على النت: www.alfikra.org).

 

* eisay@hotmail.com