نبيل اديب

لا يشكل قانون النظام العام خطورة على النساء، والأقسام الأضعف من المجتمع بسبب ما يحمله من نصوص فحسب، ولكن أيضاً، وعلى وجه الخصوص، بسبب الأجهزة المنفذة له، والتي لا يقتصر إختصاصها فقط على أحكامه ولكنه يشمل أيضاً عدد من المواد الموجودة في القانون الجنائي والتي تعنى بضبط الأخلاق العامة. وأجهزة تنفيذ كل ذلك تتكون من قسم خاص من الشرطة يتبع نيابة متخصصة وتتم المحاكمة أمام محاكم خاصة.

الأجهزة العدلية

 تم تكوين القسم الخاص من الشرطة لضبط الجرائم المتصلة بالأخلاق تحت مسميات مختلفة أكثرها شهرة إسم شرطة النظام العام، ورغم أنها أعيد تسميتها لتصبح شرطة أمن المجتمع، فهي ما زالت معروفة لدى العامة بإسمها الأول. وهى شرطة مكلفة بحماية الأخلاق العامة، أشبه بشرطة الآداب التي عرفها القانون المصري، والإيراني، وقوانين أخرى بالمنطقة، وكلها تجارب أثبتت تماماً أن للشرطة مهام أهم بكثير من مراقبة أطوال تنانير النساء. وأن السلطات الممنوحة لهم عرضة لسوء الإستغلال، ولممارسات يفوق إنتهاكها للأخلاق، ما ينسب للمخالفات التي يتم ضبطها بواسطتهم. أضف إلى ذلك ما ينجم من أضرار من جراء التدخل في خصوصية الأفراد وحرياتهم الشخصية. أما المحاكم المعنية بضبط الأخلاق فقد سبق تكوينها قانون النظام العام وإن كانت نتاج الذهنية التي أنتجت القانون بعد ذلك. بدأت تلك المحاكم بمحاكم الطواريء في آخر العهد المايوي، عندما أعلن نميري ما أسماه بمحاكم العدالة الناجزة، وعُرِفت لدى أهل القانون بمحاكم العدالة العاجزة، والتى ذهبت معه ثم أعيد تشكيلها بعد إسقاط الديمقراطية فى 1989 بأسماء مختلفة. إشتهرت تلك المحاكم أيضاً بإسم محاكم النظام العام وإن كانت لا تحمل هذا الإسم رسمياً. تم تكوين المحاكم الحالية التى تطبق النظام العام بموجب أوامر تشكيل أصدرها رئيس القضاء فى عام 1995كون بها عدد من المحاكم في العاصمة تختص هذه المحاكم بنظر المخالفات المبينة في الجدول المرفق بأمر تشكيلها وأي قضايا أخرى يحيلها لها رئيس الجهاز القضائي وكانت الجداول آنذاك تتضمن مخالفات  لقوانين في مجملها تهدف لضبط الشارع، والسلوك الشخصي للأفراد، وجباية الأموال للدولة، وإن كانت هذه القوانين الأخيرة قد تم إفراد محاكم خاصة لها بعد ذلك، وإقتصرت المحاكم المعروفة بإسم محاكم النظام العام على قانون النظام العام، والمواد المتصلة بالخمر والأخلاق فى القانون الجنائي.

وتنظر محاكم النظام العام هذه الدعاوى في محاكمات إيجازية لا توفر حق الدفاع عن النفس وهو نظام للمحاكمة مأخوذ عن القوانين العسكرية، ويتميز بسرعة فى الإجراءات بشكل لا يتيح للمتهم تحضير دفاعه، ولا تلزم القاضي بتسجيل محضر مكتمل، بل تكتفي بإلزامه بتدوين ملخص أقوال الشهود، ولا يعرف هذا النظام مسألة توجيه تهمة بحيث يدخل المتهم في دفاعه دون أن يعرف على وجه التحديد الإتهام الموجه له.

العدالة في خدمات سريعة

تقوم هذه الأجهزة من شرطة ووكالة نيابة ومحاكم بضبط تلك الجرائم والتحري فيها ومحاكمتها في ما لايجاوز الأربعة وعشرين ساعة، وهكذا أصبحت العدالة تنافس محلات الأكل السريع في سرعة الخدمة، فيتم القبض على المتهمين عادة بالليل، ويظلون في حراسة الشرطة حتى صباح اليوم التالي، حيث تتم إحالتهم للمحكمة التي تحاكمهم إيجازياً، وتحكم عليهم في جلسة لا تستغرق سوى دقائق معدودة، وعادة تكون الأحكام بالجلد والغرامة، ولا ينبه أي من المتهمين إلى حقهم في الإستعانة بمحامي، لا من الشرطة، ولا من النيابة، ولا من القاضي، ولا تكفل لهم الإجراءات الإيجازية أي حق فى الدفاع عن أنفسهم ،وتتم محكامتهم وتنفيذ الأحكام التي توقع عليهم، وهي في العادة عقوبات بدنية، قبل أن يتبينوا جريمتهم. بالنسبة للنساء في هذا المجتمع المحافظ فإن مجرد نشر معلومة عن القبض عليهن في مسالة تتصل بالأخلاق، قد تؤدي إلى آثار بعيدة بالنسبة لوضعهن الإجتماعي، وفرصهن في الزواج، أو قد تؤدي للطلاق حسب وضع الضحية المعنية، لذلك فهن على إستعداد لتلقي الجلدات على أجسادهن، والخروج في صمت و بدون إحتجاج، ومحاولة نسيان ماتم لهن.

غموض النصوص القانونية

يكون القانون غامضاً عندما يجعل الأشخاص ذوي الذكاء العادي يخمنون المعنى المقصود ويختلفون حوله (الولايات المتحدة ضد ونش) والعبارات التي إستخدمها قانون النظام العام عبارات لا يستطيع القاريء إلا أن يخمن معناها. ومن ذلك  المادة 7 (1) د والتي تعاقب على الأغاني الهابطة فما هو المعيار الذي يمكن التوصل بموجبه لأن أغنية ما هي أغنية هابطة؟ والمادة 8 من القانون والتي تمنع تقديم عرض سينمائي أو مسرحي أو معرض أو غيره أو الإستمرار فيه خلال الفترة من الساعة الثانية عشر ظهراً وحتى الساعة الثانية من ظهر الجمعة. وكلمة “أو غيره” الواردة في النص لا تحمل معنىً محدداً، وتنطبق على أي نشاط آخر مما يجعل الفعل المجرم غير محدد. كذلك المادة 9 (1) ج والتي تنص على عدم جواز إلصاق صور أو رسومات تتنافى مع العقيدة أوالآداب أو الأخلاق أو الذوق العام فتعبير الذوق العام لا تتوصل لمعناه إلا عن طريق التخمين.

القانون الغامض والدستور

القانون الغامص يخالف الدستور من أوجه ثلاث: الأول أنه يؤدي إلى  معاقبة الناس على أفعال لم يكن في وسعهم معرفة عدم مشروعيتها وقت إرتكابها. والثاني أنه يؤدي إلى  تسلل المعايير غير الموضوعية لتطبيق القانون، وهذه المعايير من شأنها أن تقود إلى تطبيق تحكمي وتمييزي بواسطة منفذي القانون. والثالث أنه يؤدي إلى أن يمنع المواطن نفسه من ممارسة حرياته الأساسية، بسبب الأثر الذي يحدثه غموض القانون لدى المواطن والمعروف في فقه القانون الأمريكى بال CHILLING EFFECT  ، والذي يؤدي لإمتناع الشخص عن ممارسة حرياته الأساسية، خوفاً من أن يكون في ذلك خرقاً لقانون لا يعرف المواطن النشاط الذي يمنعه ذلك القانون على وجه التحديد.

التدخل في ممارسة الناس لحرياتهم

في دعوى COATES ET ALV . CITY OF CINCINNATI  كوتسي ومجموعته ضد مدينة سنسناتي، والتي أدين فيها المتهمون، بمخالفة قانون ينص على تجريم تجمع أي ثلاثة أشخاص، أو أكثر، في طريق جانبي عندما يشكل ذلك سلوكاً يضايق أو يزعج annoy المارة، قررت محكمة الموضوع أن كلمة annoy هي كلمة مستخدمة بكثرة، وهي تعني أن تزعج، أو تعرقل، أو تستفز، المارة، وهي لذلك واضحة المعنى، لأن معنى الكلمة لا يتصل بمدى حساسية كل شاكي على حدة. ولكن المحكمة العليا رفضت ذلك، وتساءلت إن لم يكن تفسير الكلمة يتصل بحساسية الشاكي، فعلى حساسية من يعتمد؟ على حساسية الشرطي؟ أم القاضي؟ وذكرت أن السلوك الذي يزعج بعض الناس لا يزعج الآخرين ولذلك فإن القانون غامض، ليس لأنه لا يحدد طائفة من الناس يزعجهم ذلك السلوك، بل لأنه لا يحدد السلوك المُجَرّم على الإطلاق. وبالتالي فإن الناس ذوي الذكاء العادي يتوجب عليهم ان يخمنوا المعنى المراد من ذلك، وهذا مخالف للدستور. فللقانون أن يجرم أفعال محددة، ولكن ليس له أن يضع معيار للتجريم يعتمد على ما إذا كان رجل الشرطة قد إنزعج من الفعل، أم لم ينزعج، لما يؤدي إليه ذلك من منع للناس من ممارسة نشاطات، تدخل ضمن حرياتهم الأساسية، خوفاً من التعرض لمساءلة قانونية.

الإخلال بالحق في المحاكمة العادلة

اللغة التي تحمل أكثر من معنى لا تصلح لتعريف الجرائم لما في ذلك من إخلال بالحق في المحاكمة العادلة وفقاً للدستور فالمادة (34) فقرة (4) تنص على أنه (لا يجوز توجيه الاتهام ضد أي شخص بسبب فعل أو امتناع عن فعل ما لم يشكل ذلك الفعل أو الامتناع جريمة عند وقوعه.) وهذا النص يتطلب علم المتهم بأن ما يقوم به هو فعل مُجرَّم، وذلك لا يتحقق بمجرد وجود القانون، إذا كان ذلك القانون حمَّال أوجه، لا يعلم المتهم مسبقاً، أي وجه منهم سيأخذ به القاضي، بل لابد من ان تكون المعاني التي تفهم من لغة القانون واضحة للمتهم، وقت إتيانه الفعل المعاقب عليه. المعيار الذي وضعته المحكمة العليا الأمريكية، في العديد من الدعاوى، هو أنه إذا كان الشخص ذو ذكاء معتاد، ولا يستطيع أن يتبين على وجه الدقة ماهية النشاط الذي يجرمه القانون، أو العقوبة التي يمكن توقيعها عليه وفقاً للقانون المعني، فإن القانون يجب إعتباره غير دستوري بسبب غموضه.

الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون

  التمييز الذي يخل بمبدأ المساواة أمام القانون هو التمييز الذي نهت عنه المادة (31) من الدستور حين نصت على مايلي :-

(الناس سواسية أمام القانون، ولهم الحق في التمتع بحماية القانون دون تمييز بينهم بسبب العنصر أول اللون أو الجنس أو اللغة أو العقيدة الدينية أو الرأي السياسي أو الأصل العرقي).

القانون الغامض يؤدى للتمييز

التمييز لا ينتج عن الإختلافات بين الناس، ولكن عن عدم القدرة على الاعتراف بهذه الخلافات ، وتقبلها، والاحتفال بها “أودري لورد

وأهمية تحديد الفعل المُجرَّم لا تقتصرعلى عدم قدرة الخاضعين للقانون على معرفة ما يفترض أن لا يقوموا به، بل أيضاً أيضاً حتى تعرف سلطات تنفيذ القانون ما يتوجب عليها ضبطه من أفعال، دون أن تضفي ما تريد من معاني على القانون، لأن غموض القانون يمنح قوات الضبط سلطة تحكمية تتيح لهم أن يحددوا لأنفسهم مايستوجب تدخلهم، وهي سلطة غالباً ما يتم إستخدامها ضد الفئات الضعيفة من السكان. ولذلك فإن القانون الغامض غالباً مايتم إستخدامه بشكل تمييزي، وذلك يعود لأن القوانين التمييزية لا تخلق التمييز، ولكنها تستجيب له. التمييز يقوم على تحيز غير مبرر ضد طائفة من السكان، وهو في واقع الأمر نتاج ظروف إقتصادية إجتماعية. وبالتالي فهو موجود لدى قوات الضبط، ولدى القضاة، فهؤلاء وأولئك غالباً ما يتم إختيارهم من القسم الأكثر حظاً من السكان، وهم المستفيدون من التمييز. وحتى من يتم إختيارهم من خارج ذلك القسم، يضمن نظام الترقية وما يتيسر للمعينين منهم من التعليم والتأهيل، بقاءهم في الدرجات الدنيا من السلم الوظيفي. أضف لذلك أن التمييز في واقع الأمر يقوم على ثقافة سائدة فى المجتمع، تتأثر بها حتى الأقسام التي يتم التمييز في مواجهتها. ووجود أعضاء من الأقسام الأضعف في أجهزة ضبط القانون، لا يعصم الأقسام المُميَّز ضدها من التمييز ليس فقط لتأثر تلك العضوية بالثقافة السائدة في المجتمع ككل، بل أيضاً لتأثرهم بما هو سائد فى الأجهزة التي يعملون بها، ولخشيتهم من فقدان المناصب التي يشغلونها، مما يجعلهم أكثر ملكية من الملك. لكل تلك الأسباب، تُفسر القوانين الغامضة بشكل تمييزي بواسطة الشرطة والقضاء. وهذا ما تكشف عنه التجربة العملية بالنسبة للمادة ،152 فهي في مطلق عباراتها لاتفرق بين رجل وإمرأة، ومع ذلك فإننا نعلم أن هذه المادة لا يتم إستخدامها في العادة إلا ضد النساء، وكأن الرجال لا يمكن لهم ان يرتدوا زياً فاضحاً، مع أننا نعلم جميعاً كيف يمكن أن تكون ملابس الرجال مبرزة لما يتعين إخفاؤه من أجسادهم. إننا لا ندعو لترك الحبل على الغارب للناس لإظهار ما يرون إظهاره من أجسادهم، ولكننا ندعو لتحديد ما لا يجوز إظهاره علناً بشكل يعطي إنذاراً واضحاً لمن يختار أن يخالف القانون، إنه في الواقع يفعل ذلك. هذا من شأنه صيانة الحق في المحاكمة العادلة، ومنع المعاملة المتحيزة ضد الفئات الأضعف من السكان.

التمييز المباشر

تضمن قانون النظام العام عدداً من الأحكام التمييزية والتي هدفت للتمييز ضد النساء، وتقييد حياتهن الإجتماعية، وممارستهن لأعمالهن، وفيما يلي أمثلة على ذلك.

أ – رقص النساء

تنص المادة 7 (1) على أنه (يجب على كل شخص حدد له تصديق حفل غنائي مراعاة الضوابط التالية :- (ب) (عدم السماح بالرقص المختلط بين النساء والرجال أو السماح برقص النساء أمام الرجال.)

وهذه المادة العقوبة على مخالفتها كسائر المخالفات الواردة في القانون، قد تصل إلى السجن الذي لا يجاوز خمس سنوات، أو الغرامة، أو العقوبتين معاً، أو الجلد، وهذا يمنع رقص النساء تماماً في الحفلات التي يحضرها الرجال، حتى ولو رقصن مع بعضهن البعض، لأن رقص النساء في حضور الرجال ممنوع. ولما كانت أغلب المناسبات والحفلات العامة يحضرها الرجال، فإن هذه المادة من شأنها في واقع الأمر منع رقص النساء في تلك المناسبات والحفلات. وهذه المادة ليست فقط مخالفة للمنطق، ولكنها أيضاً مخالفة لتقاليد هذا الشعب المسلم، والذي يعرف الرقص المختلط في كافة أنحاء القطر. هذه المادة تفصح عن معاملة المرأة بإعتبارها مصدراً لغواية الرجل، والمادة لا تحفل بشعورها هي، فالرجال غير ممنوعين من الرقص فى حضرة النساء، ولو كان الرقص فى حضور الجنس الآخر قد يقود للغواية، ومن ثم الرذيلة فى نظر المشرع، لكان الأولى به أن يمنع الرجال أيضاً من الرقص فى حضرة النساء. أما وقد إمتنع عن ذلك فإن منعه النساء الرقص في حضرة الرجال ينطوي على تمييزغير دستوري ضدهن. ورغم وجود هذه المادة فنحن مازلنا نشاهد الرقص المختلط، ورقص النساء مع بعضهن البعض، في حضور الرجال، بشكل عادي في المناسبات، والحفلات الخاصة، دون إستهجان من أحد، وذلك لأن تلك المادة مخالفة لفهم المجتمع للأخلاق العامة، ومع ذلك فإنها موجودة في القانون، وهذا يقود إلى العدالة الإنتقائية. لأنه إذا إقتحمت شرطة النظام العام (أمن المجتمع) أي حفل تصدح فيه موسيقى، فإنهم لن يعودوا صفر اليدين من نساء مخالفات لتلك المادة، وبقاء المادة كل هذه المدة دون أن يتوقف النساء عن الرقص فى الحفلات المختلطة، يؤكد التطبيق الإنتقائي للقانون.

ب – أماكن تصفيف شعر النساء

لعل ما يلفت النظر هو أن هذه الذهنية لم تصل لمنع تصفيف شعر النساء، رغم منعهن من إظهاره، هل السبب فى ذلك أنها تعرف أن في ذلك العمل (تصفيف شعر النساء) أرباحاً لايصح التغاضي عنها؟ ربما فهذه الشوفينية الذكورية لم تنسَ حقها في إمتلاك محال تصفيف شعر النساء فجاء نص المادة 15 من القانون كالتالي :- (1. يجوز للرجال إمتلاك محل لتصفيف شعر النساء وفقاً للشروط والضوابط التي تحددها السلطة المحلية المختصة.

  1. في حالة منح الترخيص وفقاً لأحكام البند (1) من هذه المادة يجب ان يدار المحل بواسطة إمرأة)

والفقرة الثانية تتعلق بذهنية الغواية التي تتحوط ضد منح النساء فرصة غواية الرجال، لذلك فقد منع القانون  تواجد الرجال في تلك المحلات، و تحوط لذلك بعدة تحوطات، أدت لتحويل  محلات تصفيف الشعر إلى  قلاع محصنة ضد الرجال، فتطلب أن يكون لتلك المحلات  باب واحد و أن يكون ذلك الباب  مطل على الشارع الرئيسي، حتى لا يتسرب رجل من الباب الخلفي، و يجب ألا يسمح ذلك الباب  لمن بالخارج  أن يعاين من بالداخل، و مديرة المحل يجب أن لا يقل عمرها عن 35 سنة، وهو عمر يفوق العمر المتطلب لعضوية الهيئة التشريعية.  ولا يجوز إستخدام أي عاملة بالمحل إلا بعد التأكد من إستقامتها، وحسن سيرها، ولا أدري كيف يمكن التأكد مسبقاً من ذلك.

وذهب القانون بعد ذلك لإستباحة تلك المحلات، بعد تحصينها، فأجاز الدخول فيها في أي وقت بغرض التفتيش، والتأكد من تطبيق أحكام هذا القانون. كيف يمكن تفسير هذا الحكم ؟ إن المعنى الوحيد أنه ليس للنساء حرمة، فبعد أن أبعد القانون الرجال عن محل تصفيف الشعر، رفع عنه أي حرمة متعلقة بالخصوصية، فالأصل هو عدم تفتيش الأماكن إلا وفقاً لقواعد محددة، موجودة في قانون الإجراءات الجنائية، إلا أن قانون النظام العام لم يشغل نفسه بتلك القواعد، بل ألغاها تماماً، إذ لا حاجة للقوة التي تدخل في مكان تصفيف الشعر للحصول على إذن أو أمر بتفتيش المحل.

نصوص تفتقد المعقولية

ولعل إرتباط التمييز بعدم المعقولية يظهر فى الفصل بين الرجال والنساء والذى يصر عليه قانون النظام العام. والمثل الأوضح لذلك هو الفصل بينهما في المركبات العامة. فالمادة (9) من قانون النظام العام تلزم أصحاب البصات العامة بتخصيص أحد الأبواب وعشرة مقاعد للنساء، وبالعدم تخصيص ربع المقاعد لهن. وتمنع المادة (9) تواجد النساء في المكان المخصص للرجال، و تواجد الرجال في المكان المخصص للنساء. وعاقب القانون على ذلك بالسجن والغرامة والجلد أو أياً منهم. لم يعرف القانون كلمة بص وهي كلمة عند العامة تعني العربة المخصصة لنقل الجمهور بشكل جماعي من مكان لآخر وفق خط محدد للسير. ولا يوجد تحديد لحجم تلك العربات ولا سعتها في القانون وبالتالي فإن أغلبها لايستطيع تخصيص العشرة مقاعد للنساء، ويعني عدم تخصيص تلك المقاعد أن تلزم بتخصيص ربع المقاعد للنساء وهي جريمة فهل يعقل هذا؟ ويبدو إفتقاد القانون للمعقولية واضحاً من التحديد العشوائي لعدد عشرة مقاعد أو نسبة الربع، فمن أين جاء القانون بذلك العدد؟ هل قرر مجلس تشريعي الولاية ذلك العدد، وهو على علم بأن تلك النسبة تمثل نسبة راكبي البصات من النساء إلى مجموع ركاب البصات العاملة في الخطوط الداخلية؟ هل هنالك أصلاً إحصائية في بلد مازالت غير موقنة من عدد سكانها بعد كل هذه المدة من صدور القانون؟ إذا كان المجلس غير عالم بتلك النسب ومع ذلك فهو يقيد المقاعد المتاحة للنساء في البصات العامة، هل يكشف ذلك عن أي إحترام للنساء؟ أو حتى للعقول مجردة من حالتي الأنوثة والذكورة؟ لا شك أن الفصل بين الجنسين في البصات مع وضع نسبة للنساء أقل بكثير من الرجال دون أن يكون ذلك متصلاً بأي إحصائية معلومة عن عدد الرجال الذين يستخدمون المواصلات العامة بالمقارنة مع عدد النساء، من شأنه أن يؤدي إلى عرقلة تحرك النساء ومنعهن من أداء عملهن. وهو أمر من شأنه أن يميز ضدهن عن طريق تحديد عددهن في المركبات العامة بشكل يفتقد المعقولية.

إن الفصل بين الرجال والنساء يذكرنا بنظرية منفصل ولكنه متساو separate but equal والذي تبنته المحكمة العليا الأمريكية  في بليسي ضد فيرجسون إبان ردة قوانين جيم كرو ضد أحكام التعديل الرابع عشر وهو الحكم الذي أجازت فيه المحكمة العليا القوانين التي تفرض الفصل بين السود والبيض فى المركبات العامة.

قد تبدو تلك الأحكام وكأنها تهدف إلى حماية المرأة من التحرش الجنسي للرجل، ولكنها في واقع الأمر تتعامل مع فعل شاذ بإعتباره الأمر الطبيعي فالتحرش الجنسي بالنساء هو فعل إجرامي يستحق من قام به عقوبة رادعة ويجب أن يعامل بإعتباره كذلك، وليس بحسبان أنه أمر متوقع الوقوع كلما إجتمع الرجال بالنساء. إذا فالمعالجة التشريعية للتحرش بالنساء سواء تم في المواصلات أم في ساحات العمل أو في غيرها من المحلات التي يجتمع فيها الرجال والنساء لا يتم بالفصل بين الجنسين بل بعقاب الأفعال التي يرتكبها الجناة إستغلالاً لذلك. أما إقصاء النساء وقصر تواجدهن على أماكن محددة فهو بالإضافة لما يؤدي إليه من عرقلة آداء أعمالهن ينطوي على تقليل من شأنهن بالتعامل معهن كمجرد فريسات للقنص الجنسي.