سيف الدولة حمدنا لله

كان الواجب أن يقوم قاضي محكمة مدينة شندي أن يُضمّن الحكم الذي أصدره بإعدام خمسة من رجال الشرطة بتهمة تعذيب وقتل المواطن عطا المنان حسن عبد الله  داخل الحراسة أثناء قيامهم بإنتزاع إعترافه في قضية أُتُهِم فيها بسرقة عدد من التيوس والأغنام التي كانت في عهدته. كان ينبغي على القاضي أن يتناول في حكمه توضيح الظروف التي جعلت خمسة أفراد من رجال القانون يقومون بإزهاق روحاً بشرية في مقابل روح بهيمة؟ وأن يستوضِح الأسباب التي جعلت هؤلاء الأفراد من الشرطة أن يقبلوا بإرسال أعناقهم إلى حبل المشنقة في سبيل إعادة بهائم لصاحبها في الوقت الذي تطلب فيه الشرطة من الذي يتم السطو على منزله بقوة السلاح أن يشتري ورق “الفولسكاب” الذي يُدوّن عليه محضر التحري!!  

الإجابة التي كان سيتضمنها المحضر، وكان على القاضي تناولها لتلازمها مع ظروف القضية، لأن الشرقة قد وقعت لأغنام يمتلكها باشوات أشقاء لشخص صاحب سلطة ونفوذ وكلمة، وفي الأدب الحديث كان الشاعر المصري الأسطورة أحمد فؤاد نجم قد كتب عن واقعة تحمل كثير من الشبه بهذه القضية نظمها في قصيدة بعنوان “كلب الست” تناول فيها ما كشف عن كيفية معالجة السلطات الرسمية لدولة يغيب فيها القانون لقضية حين يكون أحد أطرافها أحد أصحاب النفوذ، والقصيدة  تحكي عن قصة حدثت في مصر في الستينات، وتتلخص في أن كلب ضخم من النوع “الفوكس الرومي” كانت تُربِّيه المطربة السيدة “أم كثوم” تهجم على مواطن غلبان كان يسير أمام منزلها بمنطقة الزمالك وتسبّب له في عاهة مستديمة، وحينما ذهب المجني عليه لإبلاغ قسم الشرطة تم حجزه هو بدلاً عن الكلب على ذمة التحقيق، وعن ذلك، روى الشاعر الساخِر أحمد فؤاد نجم أن وكيل النيابة (والتعبير لنجم) كان قد دخل في حيص بيص بعد معرفته لشخصية العاضض بأمر الله على أثر المكالمات التليفونية التي كانت تأمره بسرعة حفظ التحقيق وقفل القضية، إحتار فيما يكتبه في حيثيات الحفظ، وإنتهى إلى تدوين عبارة قال فيها وكيل النيابة:

“إن الخدمات التي أدّتها أم كلثوم للدولة كفيلة بأن تعفيها وكلبها من المسؤولية الجنائية”.

 

الزاوية الصحيحة التي ينبغي النظر منها لقضية قتل وتعذيب الراعي القتيل لا يلزمها إدانة شقيقي المسئول الكبير بجريمة القتل كما ورد في بعض المواقع الصحفية التي إستنكرت براءتهما، فالمسئولية عن جريمة القتل لا تنعقد إلاّ بثبوت إتيان الشخص للفعل الذي نتجت عنه الوفاة بطريقة مباشرة، ولا يكفي للإدانة بتهمة القتل القول بأن الشقيقان قد ألقيا القبض بنفسيهما على الراعي وأنهما كانا قد تعديا عليه بالضرب داخل حراسة المحكمة الأهلية بالقرية وقبل تحويل الراعي القتيل إلى مركز شرطة شندي، أو القول بأن لشقيقي المسئول مصلحة في إنتزاع إعتراف القتيل، ذلك أن مثل هذه الأفعال وإن كانت تُشكّل جرائم (الأذى والحجز غير المشروع في جريمة لا يجوز فيها ذلك إلاّ بأمر من وكيل النيابة)، إلاّ أن ذلك لا يجعل منهما بالضرورة مسئولان عن جريمة القتل.

 

فالزاوية الصحيحة للنظر في هذه القضية (ومثلها قضية كلب الست)، هي أن  يبلغ مدى الطغيان بأصحاب السلطة الحد الذي أصبح فيه الموظف الرسمي بالدولة يستشعِر أنه مطلوب منه تسخير نفسه خدمة أصحاب الكلمة والنفوذ حتى لو أدّى ذلك لمخالفة القانون في أقصى مداه (تسبيب الموت)، ففي الظروف العادية مثل التهمة التي كان يُحقق فيها مع المتهم (سرقة بهائم) لا تستحق أن يمضي فيها المتهم نصف ليلة بالحراسة إذا كان الشاكي فيها من عامة الناس.

 

الذي جعل هؤلاء العساكر يُقدِمون على تعذيب هذا الراعي المسكين حتى الموت، هو نفس السبب الذي حمل آخرين على خطف المهندس أحمد أبو القاسم وقاموا بضربه وتعذيبه ثم ألقوا به في الخلاء وهو بين الحياة والموت، فالذين فعلوا ذلك ليس لهم “غبينة” مع الضحية الذي كادوا أن يتسببوا في مقتله، وقد قاموا بهذا الفعل إنتقاماً منه لأنه تجرأ على مسئول كبير آخر و(تهاوش) معه في أمر خاص وأخذوا عليه أنه رفع صوته في وجه معاليه في حضرة ضيوف، ثم، قُفِلت القضية ولم يجرِ أي تحقيق بشأنها بعد أن خشي المجني عليه على حياته بالحد الذي جعله يُنكر حدوث الإعتداء عليه برغم أنّ ذلك ثابت بالصور والتقارير الطبية.

 

 كلما وقفت على مثل هذه التصرفات التي تجعل هناك من يُخالفون ضمائرهم  بإرتكاب الجرائم ومساندة الظلم من أجل الحفاظ على وظيفة أو إرضاء لصاحب نفوذ، تذكرت صورة نُشِرت بعدد من المواقع يظهر فيها جنود ومعهم ضابط صغير وهم يُوجهون أسلحتهم نحو المقدم بابكر النور قبل تنفيذ حكم الإعدام عليه، وقد سألت مرة أحد العارفين عن إسم ذلك الضابط (ملازم بدبورة) وأين هو الآن وماذا يقول في التعليق على تلك الصورة؟ وذكر لي أن الضابط قد فُصِل من الخدمة بعد سنوات قليلة من ذلك التاريخ، وأنه يعيش حالياً في الولايات المتحدة وهو نادم على دوره في تلك الفترة، وأنه يمضي كل وقته في الصلاة والإستغفار عسى أن يغفر الله له ذنوبه لأنه كان يعلم بأن حكم الإعدام خاطئ وأن بابكر النور لم يُشارك في تنفيذ الإنقلاب وأنه لم تتح له محاكمة عادلة أو فرصة إستئناف الحكم.

 

هذه نتائج حتمية لحالة إستلاب العقول التي تحدث في مثل هذه الفترات من الحكم والتي تجعل هناك أشخاص لديهم إستعداد لأن يخسرون دنياهم وآخِرتهم وهم يعتقدون أنهم يفعلون ذلك في خدمة الواجب والوطن.

 

جمع الله أغنام أشقاء المسئول الكبير، وألف مبروك البراءة.

saifuldawlah@hotmail.com