خالد فضل

دخلت عبارة بعد رفع الحصار إلى القاموس الخطابي و الاعلامي السائد هذه الايام في الساحة السياسية السودانية , و باتت تتمة خطب الوعود الخلب التي تملأ الساحة و تطاول عنان السماء! وعود كلامية حماسية في كل خطب اهل السلطة من رأس النظام إلى أصغر عضو انضم للتنظيم في الجامعة , على شاكلة (حنفوق العالم أجمع) و سيادة الدنيا و حيازة الآخرة .مع وعود اخرى اقل شأنا  بسحق التمرد , و تطهير ارض السودان من الخونة و العملاء , و الصلاة في كاودا الخ… ثم يغني المغني و يتراقص الحضور على انغام الموسيقى و ينفض الجمع (عدمانين من جنس حكيماً ولا خبيراً للمشروع) كما في وصف الراحل حميد .

جمع اسلاميو السلطة على اول عهدهم رصفاءهم من كل فج عميق و أسموا تجمعهم ذاك مؤتمر الشعب الإسلامي و والعربي  بعد التعديل إذ بدا (بالشعب العربي الاسلامي) , في اثناء ذلك كانوا قد آووا زمرا من المتطرفين و الارهابيين بزعم الاجارة و تم توفير المقار و الاعمال و اماكن التدريب و التأمين و التمويل , حتى حلّ خريف 1998 فطارت السكرة و زاغت الفكرة على وقع صواريخ (توماهوك) الامريكية التي دكت مصنع الشفاء للادوية في قلب الخرطوم بحري , و ذهل القوم من دقة التصويب و التوقيت و ايقنوا ان لحم امريكا مر مذاقه كطعم العلقم , و ليس كلحم مصر التي تورطوا في محاولة اغتيال رئيسها قبل يوم الصواريخ ذاك بنحو عامين , فقد جاء الرد على تفجير سفارتى امريكا في نيروبي و دار السلام يحمل رسالة واضحة مفادها , اهتفوا كما تشاؤون غنوا و ارقصوا كبروا و هللوا و ازعموا المزاعم الكلامية فلغتكم العربية تزخر بمترادفات الفخر و الحماسة , ولكن حذار من اللعب بالنار . لم يمضي وقت طويل حتى حدثت وقائع ما عرفت بالمفاصلة في السلطة بين القصر و المنشية , و تبادل الرئيس و شيخه (الترابي يرحمه الله) قذائف الذم و التقريع , فالرئيس عند الترابي خائن عهد و خارق صف , و الترابي عند الرئيس منافق مخادع .هكذا انتهى الود و تشتت الجمع الذي ما ائتلف إلى على صهوة السلطة و بريق امتيازها , من هنا انقسم اسلاميو السلطة إلى فئتين: مكنكشين او مبعدين يحومون حول الحمى فسال لعاب بعضم بعد الحرمان فعادوا يتمرغون في بسط السلطان , و لا داعي لذكر نماذج فهم كثر .

تلاشى مؤتمر الشعب العربي و الاسلامي و لم يبق له من اثر, طرد بن لادن شر طردة بعد ان جرد من المال و لم يسلم غيره ممن تم اغواءهم بفقه الاجارة من التسليم لمن يطلبهم من (الطواغيت) بلغتهم , و الملفات والتحركات فكل هذه قد قدمت مهراً لخطب ود الاستخبارات الامريكية و الغربية .

اما عندما وقعت احداث سبتمبر 2001م في امريكا , و اعلن الرئيس الامريكي حين ذاك (جورج بوش الابن) حربه المقدسة على الارهاب في كل العالم ارتعدت فرائص القوم هنا , إذ ان سجلهم في دعم و إيواء الارهابيين المقصودين بحرب بوش المقدسة يعتبر من اردأ السجلات , من هنا بدأ التعاون غير المحدود و الاستجابة و الرضوخ لكل مطلوبات الامن القومي الامريكي تحت ذريعة محاربة الارهاب , و قد اعترف صلاح قوش مدير جهاز الامن و المخابراتب السابق بهذا التعاون و اعتبره من انجازات ادارته لانه حمى البلاد من شرور كثيرة .و إذا كان الظاهر و المعلن من شواهد هذا التعاون يشمل الابعاد و التسليم للمطلوبين لدى الاجهزة الامنية لفرنسا و إيطاليا , فإن المخفي لابد اعظم , و سبق للصحف الاسرائيلية نشر افادات لمسؤول الموساد امام احدى لجان الكنيست حول انجازات جهازه و منها (ان الفضاء السوداني قد ظل مفتوحاً امامهم و دوماً منذ الثمانينات) ليشخص السؤال عن المدى الذي وصل إليه اسلاميو السلطة في السودان في سبيل الحفاظ على كراسي الحكم , لقد بدا و كأن بعضهم يكنس في اثام البعض الاخر , اثمرت الغارات الاسرائيلية المتكررة على قوافل الاسلحة الإيرانية المتجهة لحماس بل و دك مصنع اليرموك (في وسط الاحياء السكنية جنوب الخرطوم) اثمرت عن وعي لدى ربائب السلطة بأن الشعارات و الهتافات لم تديم جاهاً, ثم سارت خطوات التكفير عن الاثام إلى ان بلغت حدود ما نتابعه الان من سياسة الاندلاق مثل تبني الدفاع عن السعودية و قد كان فهدها المروض هدفاً دائما لبذاءة و تهريج صاحب الحديث السياسي في اذاعة ام درمان , و في سبيل ذلك قطع الفريق طه مدير مكاتب الرئيس البشير العلاقات مع إيران لان السعودية سحبت سفيرها من طهران احتجاجا على تعرض احدى قنصلياتها لاعتداء من متظاهرين غاضبين على احكام بالاعدام لرجل دين مسلم شيعي و بعض اتباعه في السعودية . و في الامارات العربية تبرأ البشير من اي صلة لنظامه بالتنظيم الدولي للاخوان المسلمين , و كان البشير نفسه قد افصح عن اخوانيته بل اكثر من ذلك زعم ان والده قد بايع حسن البنا ولكن يبدو ان محاولات طمس اثام الاسلاميين التي ارتكبوها في السودان تقتضي فعل و قول كل شيء (و الشينة منكورة),اين الحماس لحماس ؟ لقد انقطع الدعم عبر سلطة الاسلاميين بقطع العلاقة مع إيران , و لم يعد امام خالد مشعل سوى الالتحاق بحلقات الشيخ الزبير محمد الحسن الامين العام للحركة الاسلامية السودانية في برنامج (الهجرة إلى الله) و قد ورد في الاخبار ان حكومة السودان قد ابرمت بضع عشرة اتفاقية مع الحكومة الفلسطينية من ضمنها فتح مجال الاستثمار لرجال الاعمال الفلسطينين , و هذا يعني فك حماس (عكس الهوا) .و بينما يحتفلون بفك الحصار حتى يظنه المرء من انجازاتهم ,يواصلون فرض الحصار على شعبهم وطموحاته المشروعة في الحياة الحرة الكريمة , انهم يتملصون من اثامهم امام الاستخبارات الدولية و تراهم ما يزالون يزايدون على شعبهم . و يا محااااسن كبي الزوغة , بلغة شباب وسائط التواصل هذه الايام !