أحمد ضحية

لقد تعلمنا التحليق في الجو كالطيور، والغوص في البحر كالأسماك، لكننا
لم نتعلم أبسط الفنون: ألا وهو (فن العيش معا) كإخوة و كأخوات
مارتن لوثر كينج
ما دعاني للكتابة بهذه (الشفافية): نقدا لأنفسنا ابتداء، لدرجة الخوض في
أمور داخلية، محلها التنظيم. ذلك لأن الشفافية هي إحدى الوسائل الأساسية،
التي تجنبنا الأزمات الخطيرة، كالأزمة الراهنة.

وبذات الشفافية سنواصل كتابتنا، في هذه السلسلة التي ابتدرناها في
المقال السابق، بحديث عام، عن (الاستقالة الأخيرة) للرفيق الحلو، والتي
ليس لدينا أدنى شك في (عدم مبدئيتها)، و ان الرفيق الحلو قدمها ك (تكتيك)
فقط لإحداث تعديلات محددة، في موازين القوى داخل التنظيم لصالحه. وما لم
يضعه في اعتباره أن السحر، كثيرا ما ينقلب على الساحر، إذ يبدو واضحا
الآن، أنه يعجز عن السيطرة على هذا (التكتيك) غير محسوب العواقب! فعمليا
تجاوزت الأمور، حد (تعديل في التوازنات) إلى إحداث (انقسام في التنظيم
والجيش) بدخول لاعبين آخرين: كالقوميين النوبة و الإسلامويين، و (توجيههم
للاستقالة)  بما يخدم أغراضهم!

هل نحن نفتري على (القومويين النوبة)، الذين لا يتعدون عدد أصابع اليدين
والقدمين، والذين في الحقيقة لا يخفون انتماءاتهم للتوجه القديم للحزب
القومي- فيليب غبوش، و الذي واجهه من قبل القائد الراحل (يوسف كوة) بقوة،
إدراكا منه لخطورة هذا التوجه، على قضايا النوبة كمجموعة لها خصوصيتها في
السياق العام للتنوع السوداني، من جهة وكمكون غني بثقافته وارثه ومعارفه،
بين مكونات الأمة السودانية، من جهة أخرى.

هل نفتري عليهم، عندما نتهمهم أنهم ومجموعة محدودة من ذوي التوجه
الإسلاموي، عمدوا إلى توظيف استقالة الرفيق الحلو، لتمضي في هذا الاتجاه
الانقسامي الخطير، الذي لا يخدم سوى مصالح النظام؟

وهل نحن نفتري على هذه المجموعة المحدودة نفسها، عندما نزعم أنها هي التي
ظلت في الخفاء، تتناغم مع الحملة المسعورة، التي شنتها أجهزة النظام
وابواقه، لتشويه صورة الحركة وقادتها، بتلفيق الأكاذيب التي يجيدونها؟
لثقتهم التامة، أن الرفيقين عقار وعرمان، يقفان حجر العثرة القوي، أمام
طموحاتهم الشخصية، التي في سبيلها بذل بعضهم بالفعل للغرب وعودا مستجدية
ل (إطلاق يده في الموارد) مقابل (دعمه لحقهم في تقرير المصير) فبئس
التوجه وبئس الطموح!
اذا كان متوقعا من ذوي الانتماءات السابقة (المعلنة) للجبهة الإسلاموية، بما تشكل عليه وجدانهم الاسلاموي الانتهازي الطفيلي، الذي لا ينتمي من
الأساس لوطن، أن ينشطوا في هذا الوقت بالذات، حتى ليتكشف سلوكهم عن خلايا
كانت نائمة، ونشطت ابتداء من اللحظة التي تسربت فيها (الاستقالة الأساسية
الأولى) التي قدمها الحلو للرفيقين ياسر عرمان ومالك عقار، والتي (تلت
الاستقالة الشفاهية) التي كان  الحلو قد قدمها في اجتماع بكبار الضباط،
الذين اقنعوه وقتها أن  يقبر الموضوع ويدفن، تفاديا للبلبلة في ظل الظروف
المعقدة، التي ظلت الحركة تمر بها، وظل هذا الحدث طَي الكتمان!

إذا كان هؤلاء الإسلامويين، المختبئين داخل عباءة النوبة، يتماهون الآن في القومويين، بحيث يصعب الفصل بينهما.. فكلاهما ينشط في تبني قرارات، ضد رؤية الحركة، هي في الحقيقة قرارات (مؤتمر كل النوبة ٢٠٠٢) التي عالجها
مفاوضو  الحركة -وقتها- في نيفاشا وطرحوا بديلا لها (صيغة المشورة الشعبية) كحل للمنطقتين، فالمرجعية الجغرافية هي حدود ١٩٥٦، وبذلك تم
إخراج المنطقتين، من حسابات تقرير المصير.. وتلك كانت علامة فارقة في براعة مفاوضي الحركة وحرصهم على وحدة السودان، و تكشف عن صدق الانتماء لهذا الوطن الواحد الموحد الكبير، كما تكشف عن المبدئية والأخلاقية في التعاطي مع قضايا وطننا المصيرية.

ولكن هل صمت القومويون وبقايا الإسلامويين، أو خلاياهم النائمة، على هذه الهزيمة النكراء لمشروعهم الانقسامي؟ قطعا لا، فمنذها يحاولون اقحام (حق تقرير المصير)  في (مانيفستو الحركة ودستورها) حتى يتمكنوا من إعطاء هذا
المبدأ مشروعية قانونية؟!

وعندما فشلت كل محاولاتهم، قرروا فرض (تقرير المصير) (بالانقلاب) على القيادة الشرعية..
وبطبيعة الحال ينشط  أيضا في مثل هذه الظروف المعقدة، الانتهازيون وأصحاب
الأغراض من غير الإسلامويين والقومويين، لتصفية حساباتهم (غير الموضوعية) مع الرفيقين  ياسر عرمان وعقار، وبعض الرفاق الآخرين، يخدمون بذلك توجه
السلطة والقومويين، سواء أرادوا ذلك أو لم يريدوا!

وقطعا ان مثل هذه التوجهات الانفصالية، البائسة شعب النوبة وحده، قادر على اسقاطها. فضلا عن المجموعات التي تساكنه، والتي تعي تماما أهمية مشروع الحركة الشعبية لمستقبل المنطقة في إطار السودان الكبير.

ان مصدر قوة مشروع الحركة الشعبية/ شمال في استلهامه لهذا التنوع الكبير لبلادنا الكبيرة، والذي تسعى جاهدة لعكسه خارجها، كمصدر قوة خلاقة لهذه الأمة، وليس عاملا لاضعافها وإذكاء نيران الانقسامات الاثنية والثقافية،
التي بعد كل ما خاضته بلادنا من حروب لتحقيق المواطنة الحقة، يجب ألا نتنازل عنه بسهولة..

فالتنازل عنه لصالح الاثنيات، يعني ابتداء: أن دماء الآلاف المؤلفة من الشهداء في الهامش ضاعت هدرا. وان احزان ودموع ملايين الأرامل واليتامى لا تعني شيئا.. بل وإن نضالات القوى الوطنية الديمقراطية، التي تمثل
أفكارها روافدا لمشروع (الحركة الشعبية كتيار أساسي له رؤيته المتجددة، التي تتفاعل مع رؤى القوى الأخرى، لخير هذا الوطن)،  وما واجهه مناضلو هذه القوى الديموقراطية، من بطش وقمع وتعذيب  في المعتقلات وبيوت
الاشباح، حد القتل ليس لها ثمن! وان.. حتى أرواح قتلى الأوبئة والأمراض والفقر والجوع، التي تحلق فوق رؤوسنا، مضت إلى بارئها مجانا!

لذلك الأزمة الراهنة، لا تخص الحركة الشعبية وحدها، فهي تخص أيضا القوى الوطنية الديمقراطية، وتضعها أمام مسؤولية كبيرة تجاه قضايا الوحدة
والانقسام، الذي كما علمتنا التجربة، يبدأ في الحزب وينتقل إلى  الجسم العليل لهذا الوطن المنهك!

بل وتطرح الجدية في السعي يدا بيد، وكتفا بكتف

الحلقة الأولى من المقال منشورة على الرابط

الانقلاب في الحركة الشعبية : تقرير المصير- فزاعة قميص عثمان1