اماني ابوسليم

ان غاية الشعوب من إقامة الدول هو الوصول ببلادها للامن و السلام و العدل، كل اتفاق او صراع يدور حول هذه الغايات .و شعوب الدول التي نالت استقلالها في منتصف القرن الماضي لا زالت تبحث عن طريقة لدولة قوية ترسي العدل و السلام و الامن و الحرية. و معظمها تقع في الحاضر تحت سيطرة انظمة تعسفية و تمور فيها احزاب معارضة تجرب الطرق نحو السلطة و هي تحمل افكارا متفاوتة لبرامجها السياسية. فنجد فيها احزابا يعتمد برنامجها على القضايا السياسة المعاصرة مع احزاب عقائدية يعتمد برنامجها على افكار او عقائد تاريخية او دينية او فلسفية. وجود احزاب عقائدية، واحد او اكثر في دولة ما يعني ان هذه الدولة لم تصل الى استقرار سياسي يؤهلها لتداول السلطة سلميا و ارساء نظام ديمقراطي يكفل الحرية في التعبير و هو ما يجعل السلطات من تشريع و قضاء و مجلس وزراء تحت رقابة الشعب مما يكفل العدل و الامن و السلام. و ذلك لأن الحزب العقائدي من متلازماته ازاحة الآخر المختلف عنه بالقهر و التنكيل فيشكل وجوده و سعيه للسلطة عائقا للوصول للديمقراطية و الحرية ، لأنه يؤمن انه لا بد ان يكون له السلطان الكامل في اجبار الآخرين علي طريقته و فكره، و ما ان تتاح له هذه الفرصة فسرعان ما سيسيطر على مقدرات البلاد في غياب الرقابة و الضبط و يتحول كما قد يتحول اي كيان بشري بلا ضوابط الي مخلوق طفيلي يتضخم علي حساب ثروات البلاد ساحقا جنين الفكر العقائدي نفسه في احشائه ليندهش قبل الشعب كادر التنظيم نفسه.

فحتى لو ثارت هذه الشعوب على انظمتها العسكرية او الفردية فان وصول هذه الاحزاب العقائدية للحكم سيعيد سيرة الانظمة العسكرية و تبدل طغيان الفرد الى طغيان التنظيم فلا تبرح البلاد مربع الظلم و الفساد و توظيف ثرواتها للمصالح الفردية و ابعاد الشعب من الاستفادة من ثرواته بافتعال الصراعات و اشعال الفتن لأن الداء لم يكن من الانظمة السابقة في ذاتها و انما كان لغياب الرقابة و الضبط علي اجهزتها. أي انه لينتهي مشوار الثورات في المنطقة الي دولة ديمقراطية فإن وجود احزاب عقائدية فاعلة بها يهدد و يعيق الوصول لهذه الغاية.
و اذا كانت الاحزاب العقائدية اليسارية قد خبا نشاطها و اثرها في المنطقة مع الانحسار العالمي لها مما يعني ضعف مهدداتها لمشوار الثورات فإن الاحزاب العقائدية الاسلامية لا زالت قوية تسعي للوصول للحكم، و اقواها تنظيم الاخوان المسلمين علي مختلف تسمياته في دول المنطقة. أي انها لا زالت تشكل تهديدا للحراك الثوري لأنها لن تتنازل عن أي طريقة لكسب السلطة و ابقائها في دائرتها فقط وائدة أي ثورة و محبطة كل آمال.
اذا آمنا ان قوة التنظيمات الاسلامية لا تأتي من تنظيمها القوي و لا من كادرها القوي و لا من فكرها و نظريتها فيما يمكن ان تكون عليه الدولة الاسلامية و انما تأتي من قوة الشعوب في الحلم بدولة اسلامية قوية و عادلة. و اذا آمنا ان هذا الحلم لن يتلاشي الا اذا ادركت الشعوب ان الامر ليس الديباجة الاسلامية بقدر ما هو الضوابط التي تكبح النفس البشرية من الظلم و الفساد و انه لا طريق الي ذلك إلا عبر نظام يكفل الحرية و الديمقراطية، فان هذه الشعوب لن تعرف حقيقة التنظيمات العقائدية الاسلامية الا اذا جربتها في الحكم و تجرعت ظلمها و ازكمت انوفها رائحة فسادها. عندها ستدرك شعوب المنطقة ان الطريق الاقصر للديمقراطية هو خلو شارعها السياسي من التنظيمات العقائدية و شغله بتنظيمات متفقة على تداول سلمي للسلطة.
ان مصر بعد الثورة اوصلت الاخوان المسلمين الى الحكم عبر احلامها بحكم اسلامي يعيد سيرة العمرين، و لقصر تجربته في الحكم ربما سيظل ردحا من الزمان يقطن احلام البسطاء و مضافا اليه شفقة و تعاطفا لما وجده من طغيان من الحكم الحالي.

اما السودان فقد جرب حكم الديباجة الاسلامية و تجرع ما في عبوة حكمهم المسمومة بالقهر و الظلم و المفاسد و اكل جهده و ضياع ثروته لطغيانه كنتيجة حتمية لمتلازمة الاحزاب العقائدية، و بهذا ندرك الفرق بين ما آلت اليه ثورة مصر و ما يمكن ان يؤول اليه الحراك الحالي في السودان، لأن السودان بعد تجربة الانقاذ يكون قد بارح مساحات الاحلام بالديباحات الدينية و يكون قد اقصى التنظيمات العقائدية من مسرحه السياسي كاحزاب فاعلة و يكون مدركا في خطواته القادمة في مسيرته نحو الحكم الجديد ان غايات العدل و الامن و السلام لن تكون الا عبر ضوابط للسلطة لن تكفلها إلا الحرية. و هو الفائدة الكبيرة التي يستفيد منها السودان من حكم الانقاذ و تجعل بشرى ان يرسي حراكه السياسي الحالي الي حكم ديمقراطي اقرب الي الواقع بالذات قياسا الي مآلات الثورات الاخري في المنطقة في السنوات الاخيرة.
amaniabusaleem@hotmail.com