رشا عوض  

رغم أن الشماتة في البشير مشروعة جدا ،إلا أن الفرحة بسبب طرده من القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي بدأت أعمالها  في الرياض يوم الجمعة الموافق 19 مايو الجاري   استعصت علي تماما
لماذا؟
لأن الصفعات الدبلوماسية التي يتلقاها البشير من أمريكا والغرب سببها التزام تلك الدول بتقاليدها وبروتوكولاتها و”برستيجها” هي!…

وهي إلى حد ما  جزء من نفاق “المجتمع الدولي” الذي يصفع البشير باليد اليمنى ويتعاون مع نظامه باليد اليسرى في مكافحة الارهاب والهجرة غير الشرعية وما خفي أعظم!

طرد البشير من قمة الرياض  لم يكن لسواد عيون الضحايا في دارفور أو جبال النوبة أو النيل الأزرق، أو من أجل ضحايا الدكتاتورية في الخرطوم ومدني ودنقلا وسنار!   بل من أجل زرقة عيون سادة العالم الذين يفضلون التعامل مع البشير وأمثاله في الظلام وعبر أجهزة مخابراتهم ومؤسساتهم الشرطية لا عبر قياداتهم السياسية والدبلوماسية، يفعلون ذلك  خجلا من شعوبهم واحتراما لدولهم، لا خجلا منا نحن أو مراعاة لمشاعرنا المجروحة برعونة الاستبداد والفساد وأوطاننا المكلومة بالحروب والإبادات الجماعية!

لا أقصد بذلك أن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتضامن مع ضحايا الحروب والدكتاتوريات  لا نصراء لها في الغرب، فهذه القيم العزيزة غالبية  حداتها والمناضلين من أجل حمايتها والعاملين بإخلاص وفاعلية  في مناهضة المنتهكين لها كالبشير وأمثاله، “غربيون” تمثلهم منظمات مجتمع مدني محترمة، فالغرب متعدد ومتنوع، والتيارات الحقوقية ذات النزعة الإنسانية والأخلاقية والحس التضامني مع الشعوب الضعيفة  جزء أصيل من تعددياته، ولها تأثيرها على السياسة الغربية بحكم مناخ الديمقراطية، ولكنها وإلى حين إشعار آخر ليست صاحبة السلطة العليا والقرار الحاسم.
“فالغرب السياسي” ممثلا في حكوماته وأحلافه السياسية والعسكرية  لا يحتكم في تعامله مع عوالمنا في جنوب الكرة الأرضية إلى منظومة قيمه ومثله العليا بتجرد،  بل تحركه حسابات المصالح، أما القيم الأخلاقية فتسود تارة وتتنحى تارات تبعا لمدى توافقها مع المصالح الاستراتيجية وتشابكاتها المعقدة، هذه حقيقة تشهد بها تحالفات الغرب مع الأنظمة الدكتاتورية التي شكلت بؤرا للتخلف والظلام واضطهاد الإنسان  في عالم الجنوب الذي يضم العالم العربي والإسلامي والأفريقي، منذ الحرب الباردة بين حلف شمال الأطلسي بقيادة أمريكا وحلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق، وحتى بعد ان انتهاء الحرب الباردة لم يختلف الأمر كثيرا .

إن الوقود الذي يشغل ماكينة العلاقات الدولية هو المصالح الوطنية وتوازنات القوة والمنافسة على حيازة الموارد الاقتصادية و النفوذ السياسي واستراتيجيات السيطرة على العالم، وميدان هذه السيطرة هو جنوب الكرة الأرضية حيث توجد دولنا الخاضعة في الغالب لوصاية  السفهاء من بني جلدتنا! 

وفي هذا السياق فإن “الثائرين” ضد سفهاء أوطاننا والكادحين في سبيل ترقية دولنا إلى مصاف الدول الراشدة التي يحكمها عقلاء لا سفهاء تمهيدا لتأسيس الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد، يجب عليهم ان يتحرروا من اي أوهام رومانسية في نظرتهم للغرب، وتصورهم لدوره في عملية التغيير السياسي في أوطانهم،  فلا يحسبون كل صيحة غربية لهم أو عليهم! 

وتأسيسا على ذلك فإن طرد البشير المستحق  من قمة الرياض على خلفية الضغوط الأمريكية بكرت محكمة الجنايات الدولية  يجب وضعه في حجمه الموضوعي الذي لا يتجاوز توجيه رسالة مفادها أن عملية”غسيل النظام” على وزن “غسيل الأموال” لم تكتمل بالشكل الذي يؤهله للتطبيع مع السادة الأمركان والاوروبيين، وعملية الغسيل المطلوبة هي القبول بتسوية سياسية تشمل  الحركات المسلحة يتم بموجبها تغييرات ديكورية في مجال المشاركة السياسية وإجراءات محدودة  في مجال حقوق الإنسان والحريات  مع الإبقاء على بنية النظام وهياكله الأمنية والعسكرية وعناصره النافذة المتحالفة مع الدول الغربية في ملفات معلنة كمكافحة الإرهاب و”الهجرة غير الشرعية” إلى أوروبا، وربما تكون هناك ملفات غير معلنة تعلمها اجهزة الاستخبارات ولوبيات المصالح المختلفة، وربما يكون من ضمن شروط هذه التسوية استبعاد البشير واستبداله بشخص من داخل النظام،  ولكن هذا الشرط من وجهة نظري ليس مطلوبا بإلحاح لأن الغرب لو كان جادا فيه فليست هناك معضلة في القبض على البشير بواسطة أي دولة من الدول الأفريقية والآسيوية التي زارها متحديا قرارات المحكمة الجنائية الدولية ومعلوم أن أذرع الغرب المتمكنة في كل تلك الدول قادرة على ذلك لو صدرت لها الأوامر! وهذا ما جعل الذين يؤمنون بنظرية المؤامراة يعتقدون   ان البشير الواقع تحت ابتزاز الجنائية وفي نفس الوقت متشبث بالسلطة تشبثا مرضيا يجعله يفعل ما يؤمر به  هو الرئيس المثالي للسودان من وجهة نظر المجتمع الدولي!     

بعيدا عن نظرية المؤامرة، فإن أصحاب المصلحة في التغيير في السودان إذا فرحوا بطرد البشير من قمة الرياض فليفرحوا هونا ما، والأولى من الفرح المفرط شماتةً في البشير هو الرثاء لحال السودان الذي انحدر سياسيا إلى هذا المستوى من الهوان بين دول العالم فضلا عن صنوف الهوان التي يكابدها الشعب السوداني  يوميا تحت الوطأة الثقيلة لهذا النظام.

وهذا الرثاء يجب أن يدفعنا للعمل المنهجي الدؤوب والصبور في سبيل تحقيق “فرحتنا الوطنية الكبرى” بطرد البشير من “قمة هرم السلطة في السودان”  انتصارا لكرامة الشعب السوداني بدلا من الفرح بطرده من اجتماع قمة في السعودية انتصارا “لبرستيج” الرئيس الأمريكي دونالد ترامب!

“أصحاب المصلحة في التغيير” يحتاجون إلى تحالفات إقليمية  ذكية وكذلك علاقات إيجابية مع  أمريكا والغرب ولكن بشرط استباق أي تحالفات أو تفاهمات أو علاقات خارجية بتأهيل “جبهة التغيير” فكريا وسياسيا وتنظيميا وأخلاقيا بالقدر الذي يجعلها تستطيع منازلة النظام وتهديده جديا وفرض معادلة سياسية جديدة بوصلتها حقوق الشعب السوداني في الحرية والعدالة والتنمية الشاملة والكرامة الوطنية.