خالد فضل – موسكو (6 مايو 2017)

مائة عام على الثورة الروسية الكبرى، البلاشفة الذين قادو روسيا من قاع الإقطاع إلى دولة عظمى، وإن كانت قاصمة الظهر للنفوذ الشيوعي هى مخاصمة الحرية ومعاقرة الشمولية، بيد أن روسيا اليوم هى نتاج ثورة البروليتاريا وبنيتها التحتيه تحكي عن عزم وتصميم على السير في طريق التقدم. وإذ ماتزال ركائز الإشتراكية حاضرة تزين وجه الحياة وتيسر للناس كل الناس سبل العيش وتوفر الخدمات الاساسية من مساكن شعبية ومشافي وتعليم وكهرباء وغار لامقطوعة ولا ممنوعة وخيارات للمواصلات من مترو إلى طائرات ولم تعدم السكة الحديد.

 موسكو تتأهب الآن لتحتفل بعيد النصر في التاسع من مايو، الروس يعتزون بنصرهم على النازيين في نهاية الحرب العالمية الثانية (وكرري تحدث عندهم عن رجال كالاسود الضارية خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية) أغاني تطابق الحقائق لذلك نهضت امتهم إذ لم تبني أمجادها على وهم، وكان للشيوعيين دور غير منكور في هذا الشموخ الروسي الماثل حتى الآن.  (لومنقري) وحكايته رواها جيمس واني ايقا، وحيا الله ايام السودان الخالدة عندما كان وطنا حدادي مدادي لم نفلح مع الأسف في بنائه واكتفينا بالخطب الحماسية والضجة في الرادي. حل الجدب في الغابة التي تقطنها الحيوانات فقررت عبور النهر إلى الضفة الاخرى الخصيبة، طار من طار وسبح من سبح ولم يبق سوى الفيل الضخم لايجيد السباحة ولا الطيران. وكان (لومنقري) طائر صغير الحجم قوي العزيمة قال للفيل لاتحزن ساحملك على ظهري واطير بك عابرا النهر. استهزٱ الفيل بالفكرة ولكنه تحت ضغط الحاجة رضخ وكانت المعجزة أن طار لومنقري محلقا في الجو والفيل على ظهره غير مصدق وعندما هبط في الضفة الاخرى انشدت له بقية الحيوانات أنشودة تمجده وتعظم من شأنه. ترى هل يعبر بنا طائر (لومنقري) بحور الظلمات إلى مراقي النور، وبلادنا التي تسري فينا في مجرى الدم وصميم الفؤاد أينما حللنا حلت معنا، وشعبنا وهمومه دوما في البال، موسكو تزدهر روسيا بلاد شاسعة وخيراتها تفيض، نوع الطبيعة سخية مثلما الطبيعة سخية في كادقلي والدمازين وايه من جبل مرة وياحسرة على سابق الجنوب. لماذا لم تنهض بلادنا؟ لماذا حياتنا شقاء؟ عاصمتنا كالحة عابسة غبراء متسخه،خدماتنا في الحضيض. لابد أن غياب القيادة الراشدة والفكر الثاقب والوعي والاستناره قد قاد إلى التخلف، انصرمت عقود من عمر شعبنا ولم نجب عن سؤال البداهة من نحن، فتشتت اصرة المواطنة إلى تشبس غبي بالهويات المستعارة، ينظر بعض مواطني البلاد إلى رصفائهم الاخرين نظرة دونية بفارق العرق واللون والدين، فتفارق بلادنا سكة النهوض وتنتكس إلى ضيق العرق والعقيدة، وفي عهد الإنقاذ على وجه الخصوص ارتدت بلادنا سنين عددا حيث تحطم نسيج المجتمع واستعرت عصبية القبيلة والجهة وساد التشدد وشب الإرهاب الديني والفكري، لقد أخرجت الإنقاذ أسوأ مافي القمقم من شياطين فساد الفساد، وانهار الاقتصاد وتحطمت مشاريع النفع العام، وتدهورت الخدمات وعاش الناس في ضنك.

 وروسيا اليوم كعبة حج طبابة العيون ولكنها عند الانقاذيين مورد سلاح وقذائف الانتنوف تصب حممها على رؤوس الناس في صناقير الجبال واودية دارفور ويشب اللهب في حريق غابات الانقسنا، روسيا الشاسعة بلد الغابات والخضرة وتقانة الزراعه المتطورة وخبرة الري المتراكمة وحسن استخدام الموارد ولكن حكومة بلادنا المنقذة لا تبرع إلا في تدمير البيئة وإزالة الغابات وتصحير الوديان وتدمير المشاريع الزراعية، وفي عبث واستهتار تبرم الصفقات وتمنح ملايين الافدنة لمن لا دراية لهم بثقافة الخضرة وحرفة الزراعة تأتي بعرب الصحراء كمستثمرين في أرض الغابات، تحت وهم التعلق باهداب هوية زائفة إذ في حقيقة الأمر لا يقبل العرب بهذا الادعاء وهو أمر معروف لكل من عاش بين ظهرانيهم، وليس على العرب عتب.

العالم اليوم أصبح قريبا من بعضه والخبرة الانسانية متاحة للجميع ولم يبق سوى الاختيار الصحيح، وبؤر الوعي والاستناره التي تمثلها مجتمعات الناشطين من الشباب والنساء وبعض ثوار الريف ومجموعات المهجرين والمنفيين تشكل طائر (لومنقري) المأمول في حمل ثقل هذا الفيل والعبور به إلى ضفة الوادي الخصيب،شعبنا جدير بالتغيير الجذري وبلادنا موعودة باللحاق بركب الإنسانية والسير على دروب النهضة بإزالة هذا الكابوس، والبشرية قد قطعت اشواطا نحو الحياة اللائقة والكريمة ومن العيب أن نعجز عن السير على ذات الطريق، وكفى أوهاما زائفة وحوارات لاتفيد فطريق الثورة أقصر طريق ولابد من التغيير وان عظمت التكاليف.