أحمد حسين آدم

 

العصيان المدني الذي شهده السودان لمدة ثلاثة ايام ( 27-29 نوفمبر المنصرم)، ستبدأ موجته الثانية في 19 ديسمبر الجاري، وسيسجل في التاريخ السياسي، كحدث شعبي مبهر، بتنظيم من الشباب والنساء، الذين خرجوا من رحم الازمة الشاملة في ظل نظام عمر البشير، الذي حكم البلاد لأكثر من 27 عاماً.
والعصيان الذي دشن في وسائل التواصل الاجتماعي، انتزع للسودان مكاناً واهتماماً في صدارة الاعلام العربي والدولي، وفي «تغريدات» العديد من الناشطين العرب والعالميين، رغم اخبار الفظائع المقبلة من بؤر الأزمات العالمية، كالازمة السورية في تجليها الأعظم – مأساة مدينة حلب.
صحيح إن الذين نظموا العصيان وضعوا له، في بداية انطلاقته، مطالب بسقوف منخفضة إلى حد ما، مثل المطالبة بالتراجع عن رفع أسعار الدواء والطعام وغيرهما، بكلمة أخرى، لم تشمل المطالب إيقاف الحروب والإبادة المستمرة في دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق، إلا أن الهدف المبطن أو المعلن للكثير من الناشطين هو ذهاب النظام صانع أزمات السودان كافة. وعليه، فإن العصيان كان فعلا ذكيا شكل نقطة فارقة في مسيرة المقاومة الشعبية السلمية المتجددة ضد النظام، وحراكا ملهما استعاد من خلاله الشعب زمام المبادرة، ونجح في تغيير موازين القوى لصالحه. قطعا، فإن العصيان فاجأ الأطراف السودانية قاطبة، إضافة إلى المجتمع الإقليمي والدولي المنخرطين في علاقات مصالح متشابكة مع النظام. لا جدال، فقد سُكب مداد غزير في توصيف وتحليل العصيان، لذلك لا تسعى هذه السطور إلى تكرار ما كتب في هذا الشأن، لكننا سنحاول سبر غوره ودلالاته، خاصة في ما يتعلق بأهم النتائج والمآلات التي احدثها على بنية النظام، كما سنحاول تسليط بعض الضوء على آثاره على القوى المعارضة ومستقبل حراكها، وسنسلِّط الضوء على المواقف الإقليمية والدولية، إضافة إلى استشراف مستقبل العصيان والسيناريوهات المتوقعة.
لا شك إن النظام تفاجأ حد الصدمة والذعر على مصيره من فعل العصيان وتطوره، صحيح أنه مر بحالة مثيلة إبان دخول قوات حركة العدل والمساواة للعاصمة في أغسطس 2008، لكن هذه المرة تعتبر من الحالات النادرة التي يتهدد فيها وجوده جراء فعل جماهيري سلمي، لذلك حاول تنفيذ عدة تكتيكات لاحتواء العصيان، منها اعتقال العديد من القيادات والكوادر المعارضة، مصادرة الصحف، كما قام بتهديد وابتزاز النساء والتلاميذ، إضافة إلى بث الشائعات وزرع الفتن بين الناشطين. لكن الحقيقة الساطعة هي ان النظام تعرض لهزة قوية وعميقة في بنيته الداخلية، لن يتعافى منها حتى سقوطه المحتوم، فهنالك معلومات تؤكد أن قيادات الصف الثاني والثالث للنظام من المدنيين والعسكريين بدأت تتململ خشية على مصيرها، في ظل تصاعد النضال الجماهيري، حيث أصبحت ترى البشير عبئا ثقيلا عليها، أما مجموعة علي عثمان طه، نائبه السابق، فكانت تعيش في موجة من النشوة والشماتة، لكن لا غرابة فلم تتجرأ حتى الان أي من هذه المجموعات الجهر بمواقفها، خوفاً على مصالحها وما انتزعته من ثروة وسلطة عبر الفساد المؤسسي على مدى أكثر من 27 عاما، لذلك بدا واضحا أن البشير الذي يتخذ من السلطة حصانة وعاصماً من ملاحقة الشعب والمحكمة الجنائية، سيحاول قمع تيار التغيير الجماهيري الجارف دونما جدوى.
قوى المعارضة المنقسمة على نفسها هي الاخرى فاجأها العصيان، فهي لم تستفد بما يكفي من تراكم تجارب المبادرات السابقة التي اجترحها الشباب، خاصة انتفاضة سبتمبر 2013 التي استشهد خلالها اكثر من (200) مواطن، حيث ما تزال قوى الشباب تنتقد المعارضة التقليدية لتقاعسها عن مساندة تلك الانتفاضة.
المهم هنا الإشارة إلى ان قوى المعارضة حاولت امتصاص المفاجأة واتخاذ المواقف الصحيحة، بإصدارها بيانات مساندة للعصيان والاعتراف بالحق الأدبي والسياسي للشباب والنساء في تنظيمه، لكن قوى المعارضة مطالبة بتقديم ميثاق وطني وقيادة موحدة تدعم المقاومة المتصاعدة. لا شك ان المعارضة تحاول الآن مواكبة الحراك وتطويره صوب سقوف الاجندة الوطنية، على أساس تحالف عريض، بيد أنه لن يتحقق ذلك إلا بتوحد قواها كافة مع رواد مبادرة العصيان وضحايا الحروب في إطار كيان واسع بديلاً لنظام البشير، ويجب على قوى المعارضة المنخرطة في مسار «أديس ابابا» مواكبة تطلعات الشعب التي تجاوزت ما يسمى «خريطة الطريق» التي يروج لها ثابو مبيكي، رئيس الوساطة الافريقية، كما عليها الابتعاد عن أي حوار «ديكوري» أو صيغة حل هزيلة تحت سقف النظام، بعبارة أخرى، على المعارضة استثمار إنجازات العصيان بالضغط على المجتمع الدولي لتطوير مواقفه لجهة دعم نضال وإرادة الشعب الحرة والإعلان الصريح بعدم شرعية النظام.
من أهم نتائج العصيان هي أخذه للمجتمع الإقليمي الدولي على حين غرة، ومن الواضح إن اللاعبين الإقليميين والدوليين الرئيسيين الذين يستغلون النظام في لعب إدوار وظيفية تتعلق بمكافحة الاٍرهاب والهجرة من جهة، وصون الاستقرار الإقليمي من جهة اخرى، كانوا قد اسسسوا مقارباتهم على افتراض خاطئ وهو أن النظام قوي ولا توجد اي معارضة فاعلة يمكن أن تهدد وجوده، لكنهم فوجئوا بالحراك الشعبي الذي انتظم في انساق ومناهج جماهيرية حديثة فاعلة. لذلك، سيضطر المجتمع الإقليمي والدولي لتغيير سياساتهما في التعامل مع الازمة السودانية، حيث تبدل ميزان القوى لصالح الجماهير التي صاعدت من مطالبها وآمالها، ولن ترضى بغير رحيل النظام.
لا شك أن النظام ليست لديه القدرة او الإرادة لحل المشكلة المعيشية أو إنقاذ الاقتصاد المنهار، لذلك يدرك البشير ان نظامه لا محال ساقط، حيث توحد الشعب خلف هدف إزالته – اكثر من اي وقت مضي، فالآن ليست الثورة عليه من دارفور، جنوب كردفان أو النيل الازرق وحدها، بل البلاد بأسرها تريد إسقاط النظام، وهو سيحاول مقاومة تيار التغيير الجماهيري الجارف. وقد يحاول تنفيذ التكتيكات التالية للبقاء:
اولا: مواصلة محاولاته في اختراق قوى المعارضة والشباب وتعميق انقساماتها، كما سيواصل قبضته الدموية بإطلاق قوى الأمن ومليشيات الجنجويد.
ثانيا: إعادة بعث مسار التفاوض بأديس أبابا وفقا لمرجعية «خريطة الطريق» وتفعيل ما يسمى مقررات مؤتمر حوار «الوثبة «وربما «تدشين» تعديلات دستورية واسعة لصرف الأنظار عن مأزقه وتشتيت جهود اسقاطه.
ثالثا: اللعب بـ»كرت» الاٍرهاب الذي استغله لفترة طويلة لاطالة عمره، وسيحاول تحريك المجموعات المتشددة التي صنعها لهذا الغرض ليقدم نفسه كنظام عربي او أفريقي تقليدي يحارب الاٍرهاب جنباً إلى جنب مع الغرب وشركائه الإقليميين، هذا السيناريو الخطير قابل للتحقق، خاصة في ظل الأخبار المتواترة بقرب اعلان تنظيم «داعش» (إمارة السودان)، بعد الهزائم التي حاقت به في العراق، سوريا وليبيا، إضافة إلى قرب تنصيب دونالد ترامب على عرش البيت الأبيض الامريكي. لا غرابة، فنظام البشير لم يفك بعد ارتباطاته بالمجموعات الإرهابية والمتشددة، فممارساته توفر المناخ والملاذ لنموها وتمددها ويوظفها في أسواق سمسرة مكافحة الاٍرهاب الإقليمية والدولية.
رابعا: تدبير انقلاب «قصر» ينفذه بعض المقربين من البشير لتخليصه من ثورة الشعب واجهاض التغيير الحقيقي، ولا يستبعد حدوث انقلاب يقوم به بعض الضباط المتذمرين، أو الذين يريدون القفز من السفينة الغارقة – أو ربما يسعون لإعادة إنتاج النظام.
خامسا: ربما يلجأ النظام واصدقاؤه للتسويق لصيغة هبوط ناعمة على نسق المبادرة الخليجية في اليمن التي أخرجت علي عبد الله صالح من الحكم مقابل الحصانة من العدالة والمحاسبة، لكن كلنا يعلم نتائج تلك التجربة المريرة على اليمن اليوم.
لا جدال، أن النظام سيحاول تنفيذ تكتيكات متعددة بما فيها سيناريو «شمشون « للمحافظة على وجوده، لكن إرادة السودانيين الحرة أقوى منه ومن تكتيكاته اليائسة، فالشعب الذي اسقط دكتاتوريتين عسكريتين عبر ثورتين شعبيتين على موعد جديد مع التاريخ لصناعة ملحمة جديدة تبهر العالم بأسره. المهم ان تتراص الصفوف في تحالف واسع وفاعل يجمع كافة ضحايا النظام من الذين يعيشون تحت حملات الابادة الجماعية المستمرة، إلى ضحايا السدود وفقراء المدن والعمال والمزارعين، إلى رواد التغيير من النساء، الطلاب، الشباب، و» الدياسبورا» ، وقوى المعارضة الجادة كافة. لكن تبقى القيادة الموحدة والتنظيم والميثاق الوطني والإرادة القوية هي «العوامل» المفتاحية لتدشين (الكتلة الحرجة) لإنجاز التغيير البنيوي الذي يستحقه شعبنا ويجعل من السودان وطنا لكل أهله، وعلي المجتمع الإقليمي الدولي أن يراهنا على الشعب إذا كان يريدان حماية مصالحهما وبناء شراكة متكافئة مستدامة مع السودانيين، فالبشير ونظامه إلى زوال.
كاتب سوداني