رشا عوض

انعقد “الملتقى السوداني حول علاقة الدين بالدولة”  الذي نظمه “مشروع الفكر الديمقراطي” و”منتدى إيلاف للحوار والتنمية” في الفترة 23- 25 فبراير بنيروبي مواصلة لملتقيات سابقة جمعت  “إسلاميين” و”علمانيين ومدنيين” في سياق التفاكر حول مستقبل العلاقة بين التيارين وبحث إمكانية توافقهما حول “مشروع وطني سوداني للسلام  والتحول الديمقراطي” .

فيما يلي نص  مداخلتي في الملتقى، وهي عبارة عن تلخيص لموقفي الفكري في هذه القضية، مضافا إليها بعض الاستدراكات(العبارات التي تحتها خط لم تكن في نص المداخلة المقدمة في الملتقى)،:

 

استحقاقات التوافق بين التيار العلماني وتيارات الإسلام السياسي

مقدمة

إن ما يعانيه السودان اليوم من أزمات مركبة يستوجب  بناء رؤية سودانية توافقية قادرة على إيقاف حالة المفاصلات الحدية و الدموية على الصعيد السياسي والاجتماعي التي تمزق البلاد، و”علاقة الدين بالدولة” من القضايا الأساسية التي ينبغي استيعابها بجدية في “مشروع التوافق السوداني” الذي يجب ان ينتج عقدا اجتماعيا تتعايش بموجبه كل تعدديات السودان بسلام وفي ظل نظام سياسي مفتوح يمتلك قابلية التطور المطرد للدولة السودانية نحو استيفاء شروط الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية البشرية والاقتصادية  والعدالة الاجتماعية.

ونظرا لأن “المشروع التوافقي” بطبيعته يقوم على التنازلات المتبادلة بين أطراف المعادلة السياسية، فإننا في قضية “علاقة الدين بالدولة” بالذات نجد أنفسنا أمام تعقيدات وصعوبات على المستوى الفكري والأخلاقي كذلك! إذ يبرز سؤال حول حدود وطبيعة التنازلات في قضية ذات طابع فكري وفلسفي، وهل التنازلات في هذه الحالة تكتيكية مؤقتة تفرضها إكراهات الواقع السياسي؟ أم انها تنازلات مترتبة على تطور فكري حاسم؟

بلا شك يتطلب بناء قاعدة التوافق السوداني تطورات فكرية حاسمة ولا سيما في تيارات الإسلام السياسي بمدارسه السلفية والحركية المسيطرة على الدولة منذ 28 عاما وذات التأثير الكبير في الشارع عبر سيطرتها على التعليم والإعلام والاقتصاد، وبالطبع تحتاج التيارات العلمانية إلى تطورات فكرية ولا سيما في موضوع العلاقة بالديمقراطية.

   السودان وجدل “الدولة العلمانية” و”الدولة المدنية”

السودان   ما زال يكابد مخاض العبور إلى العصر الحديث بتوطين ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان في البيئة الفكرية والسياسية ، في هذا الإطار نجد ان فكرة الدولة الوطنية او القطرية الحديثة ومفاهيم  الديمقراطية وحقوق و المواطنة المتساوية، ما زالت تواجه إشكاليات كبيرة في المجتمع السوداني لا سيما في مرحلة صعود “الإسلام السياسي”.

إنني أتبنى فكرة علمانية الدولة، بلا مواربة، واعتقد أن استخدام مصطلح “الدولة العلمانية” أفضل من استخدام مصطلح “الدولة المدنية”، لأن مصطلح الدولة المدنية أصبح يسبب بعض الارتباك والالتباس بسبب ان كثيرا من الذين يتمسكون به من الإسلامويين، يفعلون ذلك من منطلق التنصل من التزامات جوهرية يقتضيها مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية الحديثة، مثلا،  درج الإسلاميون في مصر وتونس والمغرب بعد ثورات الربيع العربي على ترديد عبارة خطيرة أو على الأقل”غير مطمئنة” من وجهة نظري، وهي “الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية”، فإذا اخذنا في اعتبارنا حقيقة عدم وجود اتفاق بين التيارات الاسلاموية نفسها على مقتضيات هذه  المرجعية الاسلامية، وإذا اخذنا في اعتبارنا ان بعض التيارات الاسلاموية تعلن في خطابها ان “المرجعية الإسلامية” لا تقبل بحقوق المواطنة الكاملة للنساء ولغير المسلمين، يتضح لنا حجم الالتباس والمأزق الذي يدخلنا فيه التهرب من التبني الصريح لفكرة”علمانية الدولة”. وهنا أتساءل كيف يمكن أن يكون الإسلام مرجعية للدولة؟ فالدولة هي مجموعة من المؤسسات القائمة لخدمة وظائف محددة، والدولة بطبيعتها، مفهوم تاريخي، متحرك، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم وصفها بأي وصف ديني!، المسلمون على مر تاريخهم أقاموا عددا من الدول مختلفة كل الاختلاف عن بعضها البعض، فكل دولة أقامها المسلمون تعكس التجربة التاريخية  الحضارية والمعطيات الاجتماعية والثقافية للمنطقة التي أقيمت فيها ، وتعبر عن الأشخاص المسلمين الذين أقاموها. فالدولة تجسيد لتجربة إنسانية، ولمعارف وخبرات إنسانية، وتعبير عن إرادة ومصالح وانحيازات إنسانية مهما حاول البعض انكار ذلك.

على  مستوى الفكر الإسلامي هنالك مراجعات جذرية لابد من القيام بها، حتى نتمكن من العبور إلى فكرة الدولة العلمانية الديمقراطية الحديثة، عبورا حاسما، وليس عبورا تكتيكيا يكون عرضة  لانتكاسات متكررة في المستقبل، السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هل من إمكانية لالتماس مشروعية ثقافية لعلمانية الدولة في المرجعية الإسلامية نفسها، في الثقافة أو في الفكر الإسلامي، أم لا ؟

في اعتقادي هذا ممكن، ولكنه يحتاج لمخاض فكري كبير، هناك الكثير ممن خاضوا فيه ، أذكر على سبيل المثال لا الحصر، الدكتور عبد الله النعيم، الذي يطرح علمانية الدولة مع الاحتفاظ للمجتمعات المسلمة بكامل حقها في أن تكون متدينة وتتمثل قيمها الأخلاقية، في كل المجالات بما فيها السياسة، ولكن الدولة يجب أن تظل وأن تبقى علمانية بامتياز، بمعنى أن كل ما يطرح لإدارة الشأن العام في الدولة يجب أن يطرح انطلاقاً من مبررات موضوعية يستطيع التعاطي معها العقل العام، فعندما يطرح المشرعون في البرلمان قانوناً أو تشريعاً، يجب أن يطرح هذا التشريع أو ذاك القانون بمبررات يقبلها العقل العام، يستطيع التعاطي معها الشخص المسلم كما يستطيع التعاطي معها الشخص غير المسلم، ويستطيع التعاطي معها الشخص المسلم المختلف عن المسلم الآخر في التوجه الفكري والآيديولوجي، لأن الدولة ملكية مشتركة، بين مواطنين مختلفين في أديانهم وحتى المسلمين أنفسهم مختلفين في فهمهم للإسلام.

علمانية الدولة من أجل المسلمين أنفسهم

 دائماً تطرح علمانية الدولة باعتبارها حلا للإشكال بين المسلمين وغير المسلمين، وفي تقديري، أرى أن الإشكال بين المسلمين أنفسهم أعمق بكثير من الإشكال بين المسلمين وغير المسلمين!، ففي طول العالم الإسلامي وعرضه هنالك جماعات إسلامية تعلن الجهاد على جماعات إسلامية أخرى، وبالرغم من ان  شعارات الإسلام السياسي تطرح نفسها كأسطورة خلاصية، وتزعم ان  الشعار الإسلامي هو الذي سيوحد المسلمين في كل العالم، وسيوحد المسلمين داخل الدولة الواحدة وسيكون مانعاً للفرقة بين المسلمين، ومانعاً للشتات، عندما نأتي إلى الواقع نجد العكس تماماً، الإسلام نفسه يمكن أن يكون عنصرا للاختلاف والخلاف، وتحديداً بين التيارات والأحزاب والمنظمات والجماعات الإسلامية نفسها، فإسلاميو السودان على سبيل المثال منقسمون إلى عدة تيارات رغم ادعاء كل تيار الانطلاق من ذات”المرجعية الإسلامية”، وفي طول العالم الإسلامي وعرضه نجد الاختلافات بين أصحاب “المرجعية الإسلامية” تصل درجة التكفير والاقتتال (الفصائل الأفغانية بعد الإطاحة بالنظام الشيوعي على سبيل المثال لا الحصر) أما التاريخ الإسلامي فحافل بالحروب الطاحنة بين المسلمين أنفسهم صراعا على السلطة السياسية ابتداء من معركة الجمل.

لذلك لا بد  من التمييز الصارم بين الإسلام (الدين المجرد) وبين “الإسلام السياسي”، الذي  هو توجه سياسي من المشروع جداً الاختلاف معه، ومن المشروع جداً رفضه، ومن المشروع جداً تبني أطروحات مناقضة له، أما الدين الإسلامي فليس نحلة سياسية، بل هو ديننا جميعاً وكل منا يعبر عن تدينه ويعبر عن إسلامه بالطريقة التي يختارها، والطريقة التي يقتنع بها، في مناخ يكفل الحريات الدينية، والحريات العامة.

علمانيتنا

هنالك حديث عن أن العلمانية هي منتج غربي أفرزته احتياجات تخص المجتمعات الغربية، وان المجتمعات الإسلامية ليست في حاجة للعلمانية، لأن الإسلام ليست لديه مشكلة مع العلم، وليست لديه مشكلة مع حرية الفكر،.. وهكذا!،

إذا كانت “العلمانية” منتجا غربيا، فالديمقراطية كذلك منتج غربي وهي ثمرة العلمانية، وكذلك “الاشتراكية” و”اللبرالية” ، بل إن “الدولة الوطنية” نفسها ومفهوم المواطنة كأساس للحقوق والواجبات مفاهيم غربية بامتياز فهل كل ما هو غربي يجب ان يكون مرفوضا؟ في تقديري ان التعبئة السالبة ضد “علمانية الدولة” ودمغها بالإلحاد ومعاداة الدين وانتهاك حرية المتدينين وحقوقهم بل وافتراض انها تعني تدخل الدولة في معتقدات الناس الدينية لإجبارهم على تركها أو تغييرها في اتجاه لفرض اللادينية في المجتمع، كل ذلك تضليل دوافعه سياسية محضة تتلخص في عزل التيارات المناهضة للإسلام السياسي، ولكن مثل هذا التضليل وجد أرضية خصبة وتمدد لسببين: الأول: تجاهل حقيقة أن التجربة العلمانية ظلت في تطور مستمر منذ عصر التنوير حتى الآن، ولم تتجمد في مرحلة الدور الكفاحي لهيمنة المؤسسة الكنسية ووطأتها الثقيلة على مختلف مجالات الحياة،  حيث استقرت العلمانية  في مختلف نماذجها المرجعية المعاصرة على انها “فصل الدين عن الدولة” بحيث تكون مؤسسات الدولة محايدة دينيا، وتؤدي وظائفها المتعلقة بمعاش المواطنين وأمنهم ومصالحهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية استنادا إلى العقل والعلم والتجارب المحسوسة وليس العقائد الدينية، أما أمر الدين فهو متروك للمواطنين يمارسونه كيفما شاؤوا أفرادا ومؤسسات،  فلا تتدخل الدولة في فرض أي معتقد ديني ولا تمنح امتيازات لأي مجموعة من المواطنين على أساس ديني، فهي فقط تحمي عبر قوانينها حرية الاعتقاد لجميع المواطنين وتجرم الاضطهاد الديني، هذا هو شأن علاقة الدين بالدولة في “الدول العلمانية الديمقراطية المعاصرة”، حيث انتصرت ثقافة حقوق الإنسان وانهزم النموذج العلماني المعادي للدين الذي جعل الدولة تتجاوز حدود وظائفها وتتدخل في معتقدات الناس انطلاقا من آيدولوجيات تجرم الدين من حيث هو، كما كان الحال في الاتحاد السوفيتي السابق والدول الدائرة في فلكه.

ما نشهده في الراهن المعاصر من نماذج تطبيقية منبثقة عن “العلمانية” بالتأكيد له عمقه الفلسفي وأبعاده المعرفية وخصوصياته التاريخية والاجتماعية والثقافية المتعددة سواء في السياق الأوروبي أو السياقات المتأثرة به عبر العالم،  ولذلك كل مجتمع بشري، من حيث هو مجتمع بشري ومن حيث هو مجتمع إنساني يحتاج إلى أن ينتج عقلانيته الخاصة، ويحتاج الى أن ينتج علمانيته الخاصة، أيضاً، تأسيسا على تفاعلاته الفكرية والثقافية على مسرحه الخاص، بدلا من الادعاء العريض بعدم احتياجنا لتجربة علمانية أصلا،   فليس صحيحا أن التوترات بين العقل والنقل والعقل واللاعقل غير موجودة في حضارتنا، وهنا دعوني  أضرب مثلا بالفيلسوف الإسلامي “ابن رشد” الذي غادر المنطقة العربية الإسلامية محصوبا بالحجارة وطرد من المسجد، واتهم بأنه كافر، وأنه خارج عن ملة الإسلام!، بسبب مؤلفه “فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال”!، والذي تلقف ابن رشد هي أوروبا الناهضة! التي احتضنت فكره العقلاني الذي كان له دوره  في الحضارة الإنسانية.

أما واقعنا المعاصر فهو حافل بنماذج الاستبداد الغليظ والإرهاب الفكري والديني، والفكر الكهنوتي المعادي للحرية وللعلم والمعرفة  الذي يزعم لنفسه قدسية دينية

حتى نستطيع العبور إلى العصر الحديث لا يكفي رفع شعار علمانية الدولة، بل نحتاج إلى مخاض فكري كبير، وإلى إصلاح ديني، يجعل ضمن أهدافه بلورة كيفية جديدة للتعبير عن التدين!، يجب أن يكون هنالك مشروعا فكريا وثقافيا يؤسس لفكرة قبول المسلمين المتدينين ل”علمانية الدولة”، والتعبير عن تدينهم دون فرض الوصاية على جهاز الدولة، ودون استغلال الدين لتحقيق المكاسب السياسية الآنية، باعتبار ان ذلك في مصلحة الدين والدولة معا.

 

العلمانيون والإسلامويون: مخاوف متبادلة:

تيار الإسلام السياسي في السودان لم يتعرض للقهر والإقصاء الذي تعرضت له التيارات المماثلة في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، بل هو التيار الوحيد  من بينها الذي انفرد بالحكم لأكثر من ربع قرن ومارس إقصاء ممنهجا ودمويا للتيارات الأخرى مما يجعل “معادلة المخاوف” في السودان مختلفة عنها في الدول الأخرى إذ أن “الدولة العميقة” في السودان” إسلاموية، والتيار المهيمن وصاحب السجل الحافل بالانتهاكات هو تيار الإسلام السياسي،   ولكن رغم ذلك فإن الخطاب الآيدولوجي له يركز على التخويف من “علمانية الدولة” باعتبارها تعني الحرب على الدين من حيث هو والعدوان على المتدينين واضطهادهم ومصادرة الحقوق والحريات من أتباع الإسلام السياسي   استنادا إلى تجارب في المنطقة العربية والإسلامية!

وباتت مثل هذه المخاوف كامنة في عقول كثير من  المتدينين، ومن ثم لا بد من مخاطبتها  بجدية  وبروح تسعى إلى التوافق، وتسعى إلى هزيمة النزعة الإقصائية بين طرفي معادلة الصراع الإسلامي العلماني.

وكما أن العلمانيين مطالبون بطمأنة مخاوف الإسلامويين، على الإسلامويين كذلك، طمأنة مخاوف العلمانيين والاقليات الدينية بطرح خطاب واضح في الموقف من علمانية الدولة وحقوق الانسان وحقوق المرأة وحقوق غير المسلمين ، وحرية الضمير.

 وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة هنا إلى مفهوم ملتبس لدى كثير من الجماعات الإسلاموية حول فكرة “الأغلبية والأقلية” في النظام الديمقراطي، الالتباس يكمن في ان هذه الجماعات تظن ان الأغلبية من حقها ان تقرر في كل شيء، وان الديمقراطية ما هي إلا “حكم الأغلبية” وهذه فكرة مغلوطة وناقصة عن الديمقراطية، فهناك حقوق مواطنة وحقوق دستورية ومبادئ وقيم تشكل روح وجوهر الديمقراطية، وهذه الامور ليس من حق الاغلبية إلغاؤها!

فالجماعات الإسلامية التي تدعو لإقامة دول إسلامية في العالم الإسلامي بحجة ان المسلمين أغلبية في هذه الدول، عليهم ان يفكروا بمصير الأقليات المسلمة التي تعيش في مختلف أنحاء العالم ويبلغ تعدادها مئات الملايين! مثلا ماذا سيكون مصير مائة وعشرين مليون مسلم في الهند لو أن الأغلبية الهندوسية هناك قررت ان تلغي علمانية الدولة الهندية وتقيم دولة هندوسية تضطهد المسلمين استنادا الى منطق ان الأغلبية من حقها ان تخضع الدولة لدينها؟ وهذا سؤال أخلاقي مطروح على الفكر الإسلامي، هل من الاتساق الفكري ان نطالب بعلمانية الدولة حيث يكون المسلمون أقلية، ونرفض علمانية الدولة حيث يكون المسلمون أغلبية؟

من ضمن الامور التي نحتاج للتوافق حولها ان  هنالك حقوق سياسية وحريات أساسية يجب ان لا تخضع لمنطق الأغلبية والأقلية، فهي حقوق دستورية، يجب التوافق عليها، حتى نضمن أن يكون هنالك تعايشا سلميا بين التيارات المختلفة، سياسياً وفكريا ودينياً وعرقيا.

     الصدام ليس حتميا والتوافق ليس مجانيا:

هل الصدام حتمي بين الإسلامويين والعلمانيين؟، أم هناك فرصة لبناء توافقات وطنية؟

 في اعتقادي الشخصي، هناك فرصة لبناء توافقات وطنية، ولكن هذه الفرصة مشروطة بشروط لابد من استيفائها في التيارات السياسية والآيدلوجية الرئيسية المكونة للتيار العلماني، والمكونة لتيار”الإسلام السياسي”، على حد سواء.

        1) بالنسبة للتيارات العلمانية:

 أولاً: لا بد من نقد ذاتي للمنطلقات النظرية لمختلف التيارات العلمانية في السودان  التي لم تكن الديمقراطية فكرة مركزية وجوهرية في مرجعياتها ومن نماذج ذلك في التجربة السودانية ما فعله “حزب البعث السوداني” بقيادة الراحل الاستاذ محمد علي جادين وعبد العزيز حسين الصاوي، إذ كانت هذه التجربة جريئة في الاعتراف بمعوقات الديمقراطية في حزب البعث وجريئة في تسجيل موقف ناقد للممارسات القمعية للحزب في العراق وسوريا، فالاتساق الأخلاقي والفكري مطلوب من كل التيارات لتعزيز الثقة.

ثانيا: طمأنة مخاوف المتدينين في المجتمع سواء كانوا مسيسين أو غير مسيسين بأن النظام العلماني يحترم الدين والتدين والمتدينين، ويحترم ممارساتهم الدينية وشعائرهم الدينية، كجزء من احترامه لحقوق المواطن، وهذا يستوجب نقداً صريحا لممارسات بعض النظم العلمانية التي كانت تتحرش بالتدين الشخصي وتستفز مشاعر المتدينين وتعتدي على حرية المعتقد..

ثالثاً: تأكيد أن الفصل الصارم بين الدين والدولة لا يعني الفصل بين الدين ووجدان المجتمع في أي حال من الأحوال، فالدين يظل رافدا أساسيا في تشكيل الوجدان والضمير الأخلاقي والهوية الثقافية.

2) بالنسبة للتيارات الإسلامية:

أولاً: لابد من حسم الموقف بوضوح من مسألة الديمقراطية، بدون مواربة أو غموض أو التباس، وكذلك حسم الموقف من حقوق المواطنة، والدولة القطرية الحديثة، وحقوق الإنسان العالمية، كما أقرتها المواثيق والمعاهدات الدولية وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بشكل يتجاوز العموميات ويناقش المآزق النظرية الحقيقية الكامنة في الخطاب الإسلاموي وتتعارض مع هذه المفردات.

على سبيل المثال، حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، وحقها في التعليم والعمل، حد الردة، الموقف من قيادة غير المسلم للدولة ذات الأغلبية المسلمة، وهذا يحتاج إلى جهد نظري وفكري ولا يحتاج إلى التزامات مجانية لا تناقش المعوقات الحقيقية لمثل هذه الحقوق الأساسية للمواطن في المرجعيات الفكرية للإسلام السياسي.

ثانيا: يجب أن نتفق على أنه لا توجد سلطة وصية على البرلمان المنتخب، بمعنى لا تغّول من قبل أية سلطة دينية على ممثلي الشعب في البرلمان، وبالتالي، يجب أن يتراجع خطاب الإرهاب الفكري باسم “الشريعة الإسلامية”، وان هذا القانون أو ذاك، وهذا التشريع أو ذاك، يتعارض مع الدين، ويجب أن يكون النقاش حول القوانين وحول التشريعات، نقاشاً موضوعيا وجاداً وواضحاً لأن البرلمانات المنتخبة بطبيعتها تشرع لأمور ذات طابع نسبي ومتحرك في إدارة الحياة العامة، فهي لا تشرع للصلاة والصوم أو الزكاة أو الحج، وغير ذلك من الأمور الدينية.

ثالثاً: يجب على التيارات الإسلاموية، الكف عن السعي للمشاريع الاستيطانية في السلطة، حتى وان فازت هذه التيارات بأغلبية برلمانية في الانتخابات. بالطبع من حق كل تيار أن يسعى لتجديد التفويض الانتخابي له بالوسائل المشروعة، ولكن ليس من حق أي تيار سياسي بأن يحول التفويض الانتخابي المؤقت إلى تفويض مستدام، عبر أسلمة الدولة، وعبر الإحلال والإبدال في الخدمة المدنية، وعبر التغّول على استقلال القضاء، وعبر تشريع قوانين تقيد حرية التعبير وحرية الرأي وحرية التنظيم ، وحرية الإعلام، وتحصنْ السلطة المنتخبة من مساءلة السلطة القضائية، ومن النقد العلني للأخطاء التي يرتكبها التيار الفائز بالانتخابات أثناء ممارسته للسلطة، لأن هذه المفردات هي أوكسجين الحياة الديمقراطية، فليس من حق أي تيار علماني، أو إسلامي، وإن حصل على الأغلبية البرلمانية عبر الانتخابات، استخدام مثل هذه الوسائل لتحويل التفويض المؤقت إلى تفويض مستدام، وهذا ما وقعت فيه بعض الحركات أو الجماعات الإسلامية أثناء ممارستها للسلطة في بعض دول الربيع العربي.

هنالك منطقة يجب أن يشتغل فيها، المجتمع المدني ومؤسساته، والمثقفون لتهيئة المناخ في السودان   لنمو “غرس الديمقراطية”، لأن هذا الغرس مغترب اغتراباً ثقافياً وفكرياً كبيراً عن السياق الثقافي للمجتمع، وفي هذا الصدد اقترح: السعي لتعميق الاستنارة عبر “الإصلاح التعليمي” والتنوير الفكري والثقافي، والإصلاح الديني، فلا يمكن أن تنمو بذرة الديمقراطية بدون استنارة، والاستنارة لا بد من أن تنتظم كل مفردات الحياة العامة في البلاد ، وأهم مجال يجب ان تشتغل فيه حركة الاستنارة هو التجديد الديني، فلا بد من دراسة مستنيرة  للتراث الإسلامي، بهدف تحويل هذا التراث، إلى محفز للنهضة والتقدم والتطور والتنمية، بدلاً من الدور السلبي الذي يلعبه حالياً في تعويق الديمقراطية.

هنالك أيضاً شيء في غاية الأهمية وهو أن يكون هنالك نوع من التواطؤ والتواثق غير المكتوب بين جميع التيارات العلمانية والإسلامية المختلفة على عدم التواطؤ بالصمت على انتهاكات حقوق الإنسان لأي تيار من التيارات السياسية والعقائدية. العلمانيون لا يجب أن يتواطؤا بالصمت ولا يجوز أن لا يقوموا بواجبهم في تعرية وفضح انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها التيار الإسلاموي، وبنفس القدر يتوجب على التيار الإسلاموي أن يفعل ذات الشيء، لأن التيارات السياسية المختلفة، ومؤسسات المجتمع المدني والمثقفين، عليهم العمل على  خلق بيئة معافاة من التطرف والصراعات، بيئة تصالحيه بين مختلف التيارات السياسية، لإعلاء الحساسية تجاه مسألة حقوق الإنسان، ومسألة الديمقراطية.

خاتمة:

 رغم انتمائي للتيار العلماني، فإنني أطرح العلمانية بوصفها الإطار الأكفأ والأفضل لإدارة الدولة والوسيلة الأنجح في إدارة التعدد الديني والعرقي والثقافي والسياسي، ولكنني لا أطرحها “كأسطورة خلاصية”!  فالعلمانية ليست الشرط اللازم والكافي بمفرده  لأن يتحول المجتمع السوداني  إلى مجتمع خال من الاستبداد والفساد ومصادرة الرأي الآخر، وانتهاك حقوق الإنسان الأساسية، يمكن في ظل العلمانية، ان ترتكب كل هذه الموبقات ولا سيما إذا لم تقترن العلمانية بالديمقراطية وسعت للوصاية المطلقة على المجتمع عبر نظم سياسية مغلقة.

وعلى التيارات الإسلاموية كذلك  أن تكف عن الحديث بمنطق “الأسطورة الخلاصية”، بمعنى أنه بمجرد أن يحكم “الإسلام السياسي” ستنتهي كل هذه الموبقات وستحل كل المشاكل ، لأن هذا التيار حكم لمدة ثمانية وعشرين عاما وكانت تجربته مأزومة وأنتجت الحروب المصحوبة بجرائم الحرب والإبادة الجماعية، والفساد والفشل وسقطت سقوطا مدويا بمختلف المعايير بما فيها المعيار الديني نفسه، إذا كان جوهر الدين من وجهة نظرها العدل والحرية وحسن تدبير حياة الناس.

فتيار الإسلام السياسي في السودان واجباته لا تقتصر على المراجعات الفكرية فحسب، بل هو مطالب بخطوات عملية لإصحاح البيئة السياسية والقانونية في البلاد في اتجاه كفالة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وعلى رأسها حرية التعبير وحرية التنظيم لكل التيارات الفكرية والسياسية في البلاد كمدخل لفك احتكار الفضاء العام قرابة الثلاثة عقود.

أخيرا وليس آخرا…على الجميع  إسلامويين وعلمانيين، ان يتسموا بالتواضع ويعترف كل منهم  بأنه  يقدم إطارا  للحل ومجرد اجتهادات للخروج من الأزمة الراهنة التي تمر بها البلاد بمختلف تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولكن ليس هناك تيار يمتلك “كل الحل” “وكل الحقيقة” و”كل المعرفة” و”كل الأخلاق” ! ومن ثم ليس من حق أي تيار أن يطالب “بكل السلطة”  ..