بقلم/ كمال الجزولي

 

“رَحِمَ الله امْرَءاً أصلَحَ من لِسَانِهِ”

                               حديث شريف

 

مساء الأحد 12 مارس 2017م حلَّ السَّيِّد إبراهيم السَّنوسي، الأمين العام، وقتها، لحزب المؤتمر الشَّعبي، ضيفاً على قناة (إس 24). لكن، عندما حاول مقدِّم البرنامج مناقشته في الاحتجاجات المثارة على بعض الجوانب اللغويَّة في ورقة المرحوم التُّرابي حول (الحريَّات)، ضمن مقترحاته للتَّعديلات الدُّستوريَّة المقدَّمة أمام البرلمان، خصوصاً لفظ (الطَّلاقة) الوارد فيها، استشاط أمين الشَّعبي استهجاناً، وقال، بنرفزة وضيق، ما معناه أن لفظ (الطلاقة) عربيٌّ فصيح، وأن التُّرابي درج على الإبداع في هذه اللغة، مثلما درج شكسـبير على الإبداع فـي الإنجـليزيَّـة، ثمَّ تساءل باستنكار: هل، ترى، يعترض الإنجــليز على إبداع شكسـبير اللغـوي!

هكذا أعادنا السَّيِّد/ السَّنوسي زهاء عقدين من الزَّمن إلى الوراء، حيث ذكَّرنا بواقعة استخدام التُّرابي ذاته للفظ (التَّوالي)، فى صلب المادة/27 من مسودَّة دستور 1998م (الدَّائم!)، للدَّلالة على (حريَّة التَّنظيم)، أو كما أفتى معاونوه، كأحمد إبراهيم الطاهر والطيِّب إبراهيم وغيرهما! قلنا لهم وقتها: “طيِّب، والأمر كذلك لماذا لا تستخدمون تعبير (حريَّة التَّنظيم) مباشرة، فتريحوا وتستريحوا”؟! قالوا: “لأن معنى الإثنين واحد”! قلنا: “اللهم طوِّلك يا روح”! ومضينا نبدِّد عن أنفسنا سجال الهمِّ والغمِّ ذاك بطرفة عربيَّة قديمة عن سيِّد متعالم سأل خادمه الفصيح ذات فجر باكر: “أعَيْعَلَتِ البَيَلَة يا غلام”؟! فأجابه الخادم: “زُخْفَيْلَم”! فعاد السَّيِّد يسأل: وما معنى “زُخْفَيْلَم”؟! فرد الخادم متسائلاً بدوره: وما معنى “أعَيْعَلَتِ البَيَلَة”؟! فقال السَّيِّد: “أعَيْعَلَتِ البَيَلَة” معناها “هل صاحت الدَّيكة”؟! فقال الخادم: و”زُخْفَيْلَم” معناها “نعم صاحت”!!

كان ذلك باباً في فساد اللغة استدعاه إلى ذاكرتنا الحِجَاج الذي انفجر، يومها، داخل وخارج البرلمان، حول لفظ (التَّوالي). وكانت أعدَّت أصل مسودَّة ذلك الدُّستور لجنة من زبدة الخبرات المهنيَّة والأكاديميَّة، برئاسة مولانا المرحوم خلف الله الرَّشيد، بعد أن مارست عملها لأشهر طوال من (قاعة الصَّداقة) بالخرطوم، فأسميت (مسودَّة القاعة). لكنها، في طريقها إلى منضدة المجلس الوطني، غشيت (القصر الجُّمهوري)، حيث تعرَّضت للتَّعديل من جانب أحد مسؤوليه، فأسمي التَّعديل (مسودَّة القصر). وقد ترجَّح لدينا أن من أشرف على ذلك التَّعديل هو الأستاذ/ احمد إبراهيم الطاهر، المستشار القانوني، أيَّامها، لرئاسة الجُّمهوريَّة، لأنه كان أوَّل من تصدَّى لحيرة النَّاس إزاء هذا اللفظ، مطلقاً ذلك التَّفسير الرَّسمي، ثمَّ ترجَّح، أيضاً، أن يكون قد أقدم على ذلك بتعليمات مباشرة من التُّرابي نفسه، كون الأخير كان، آنذاك، بمثابة الكلِّ في الكلِّ، وما من شئ كان يمكن أن يقع في الدَّولة، خصوصاً في مجال التَّشريع، دون استشارته، فضلاً عن أن مثل تلك المغامرات اللغويَّة كانت، أصلاً، معروفة عنه هو، لا عن احمد إبراهيم الطاهر. أمَّا أقوى أسباب ذلك التَّرجيح فهو سبق استخدام المرحوم لنفس اللفظ، عام 1989م، حين عرض لتحقُّق (الرِّسالة الخاتمة)، في ورقة بعنوان (البعد العالمي للحركة الإسلاميَّة ـ التَّجربة السُّودانيَّة)، قائلاً: “كانت الرِّسالة الخاتمة متحقِّقة عبر مراحل: من إنذار العشيرة الأقربين، إلى خطاب أم القرى وما حولها، إلى هداية دولة التوالي والمهجر في المدينة” (ضمن ندوة “الحركة الإسلاميَّة: رؤية مستقبليَّة ـ أوراق في النَّقد الذَّاتي”، تحرير وتقـديم د. عبد الله فهد النفيسـي، مدبـولـي، القاهـرة 1989م، ص 77).

وإذن فقد كانت (مسودَّة القاعة) تنصُّ على (حقِّ التَّجمُّع وإنشاء التَّنظيمات السِّياسيَّة)، تحت عنوان (حريَّة التَّجمُّع والتَّنظيم). أمَّا (مسودَّة القصر) فقد جاءت تنصُّ على (حق تنظيم التَّوالي السِّياسي)، تحت عنوان (حريَّة التَّوالي والتَّنظيم)! فاعتبرنا لفظ (التَّوالي) نشازاً مقحماً، في العبارتين الأخيرتين، وغير مستساغ، لسببين:

أوَّلهما يتَّصل باللغة نفسها التي تولدت في مجرى العمل، وتطوُّر الانتاج الاجتماعي، كمعبِّر عن علاقاته، وأداة لتنسيقه، وصورة للفكـر وللوجود، بل كأحد أهمِّ عوامل تشكيل الوعي، باعتبارها، فلسفيَّاً وثَّقافيَّاً، أداة للمعرفة، ولحفظ واستعادة منتجات العُشرة البشريَّة، فهي، إذن، ظاهرة موضوعيَّة، جمعيَّة الطابع، وذات استقلاليَّة نسبيَّة؛ ومهما وقع فيها من تطوُّر أو تغيُّر، فإنه لا يقع إلا بموجب أشراط موضوعيَّة تتَّسم بـ (الاستقرار) النِّسبيِّ، لا بموجب تقديرات ذاتيَّة، حتى لو صدرت من مواقع السُّلطة السِّياسيَّة؛ فاللغة لا تصنعها الحكومات، وإلا لالتبست بانبهام معانيها، أو احتبست باستغلاقها نهائيَّاً؛ وربَّما كان فى هذا بعض درس السَّيِّد المتعالم وخادمه الفصيح!     

أمَّا ثاني السَّببين فهو شسوع الفارق بين مستويين لاستخدام اللفظ: لغوي محض، واصطلاحي مجازي. استخدام المستوى الأوَّل جائز، أساساً، في الإبداع الأدبي، من رواية، وقصَّة، وشِّعر، ومسرح، وسائر ما يمكن أن ينتسب إليه وليم شكسبير، وفق المثال الذي ساقه السَّيِّد السَّنوسي، ومن خصائص هذا المستوى أنه بلا ضفاف، بلا حدود أو قيود، وللمبدع أن يتبحبح في أكناف مقاصده كيف شاءت له ذائقة الخلق وعبقريَّته الإبداعيَّة. أما المستوى الآخر من علوم التَّاريخ، والاقتصاد، والسِّياسة، والقانون، وضمنه (القانون الدُّستوري)، فالاستخدام فيه محكوم بقدر من الانضباط لا يسمح بتجاوز ما قد يكون (استقرَّ) في هذه العلوم من (مجازات اصطلاحيَّة)، بفضل التَّعميم وتواتر الاستخدام، إلى ما قد يجترح المستخدم بمحض (المزاج الطارئ) من (إبداع لغوي) يريد له أن يقوم مقام (المجاز المستقرِّ) بعد أن يكون قد أضحى جزءاً من العلم نفسه.

وإذن، فليست ثمة دلالة واحدة جامعة مانعة للفظ (التَّوالي) أو لفظ (الطَّلاقة) تجعلنا نركن اليها وقلوبنا مفعمة باليقين والاطمئنان، كي نقرِّراستخدام أيٍّ من اللفظين ضمن أيِّ وثيقة دستوريَّة، في معنى (التَّنظيم السِّياسي) أو في معنى (الحريَّات).

وفي (المنهج والمصطلح) يصنِّف خلدون الشَّمعة مستويات ثلاثة للتَّعاطي مع اللفظ:

مستوى لغويَّاً يُقصر التَّعاطي معه بما لا يتجاوز دلالته المعجميَّة؛

ومستوى اصطلاحيَّاً حسب تعريفه الافتراضي، والمعرفة المراد منه إنتاجها؛

ومستوى شعاريَّاً يقيِّده بمنظور الجَّماعة السِّياسيَّة، العقديَّة، الإعلان التِّجاري .. الخ.

مع ذلك ينبغي ألا يُفهم، خطأ، أن الباب موصد، تماماً، في وجه أيِّ استخدام للفظ خارج دلالته المعجميَّة المباشرة، إذ قد يُكتب له حظ آخر من الاستخدام، مفرداً كان أو جمعاً، حين (يستقرُّ)، أيضاً، بدلالة أخرى مجازيَّة، أى استخدامه كمصطلح. وإذن فكلمة (يستقرُّ) هي، بالقطع، الكلمة المفتاحيَّة هنا، بكلِّ محمولاتها من معاني (الاستمراريَّة)، و(الرُّسوخ)، و(الثَّبات)، و(تواتر الاستخدام).

نخلص من هذا إلى أن (اللفظ) لا يصير (مصطلحاً) لمجرَّد أن مبدعاً عبقريَّاً قد قرَّر، وحده، وبمحض مزاجه وذائقته هو، تحويل استخدامه من (الدَّلالة اللغويَّة) إلى (الدَّلالة المجازيَّة)، حتى لو كان .. شكسبير نفسه!

لقد استقرَّت في أوثق الأدب السِّياسي والقانوني المعاصر، الإشارة، تشريعاً وفقهاً، إلى (حقِّ التَّنظيم السِّياسي)، و(الحريَّات)، ضمن السِّياق (الاصطلاحي) لنسق المعايير الدُّستوريَّة والقانونيَّة المتواترة، في تعيين ما يلي كلَّ كُتلة من الكُتَل الاجتماعيَّة المصطرعة، بمصالحها وأهدافها ورؤاها الفكريَّة المتباينة، ومشاريعها السِّياسيَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة المتمايزة، فضلاً عن اختيارها الحُرِّ للقنوات التَّنظيميَّة التى يمكنها، من خلالها، التَّعبير عن هذه المصالح والأهداف والرُّؤى والمشاريع، والتَّرويج لها، واستقطاب القبول بها، كنشاط لازم لإنفاذها عبر صناديق الاقتراع.

تلك هى المصطلحات التي تواضعنا عليها طوال عشرتنا مع السِّياسة والدَّساتير، تشريعاً وفقهاً، سواءً في بلادنا أو في سائر البلدان العربيَّة. ورغم أن الخلاف ليس نادراً ما ينشب حول (مضمونها) بين الإباحة والحظر، إلا أن تاريخ تطوُّرنا السِّياسي والدستوري، على كثرة ما سجَّل من شجاراتنا اللفظيَّة، لم يسجِّل سابقة واحدة لاشتجارنا حول (شكل) المصطلحات المستخدمة في التَّعبير عن هاتين القيمتين، فما باغت بعضنا بعضاً بـ (عيعلة)، ولا ألجأهم  لـ (زخفيلم)، باستثناء ما فعل التُّرابي، حيَّاً، عام 1998م، بلفظ (التَّوالي)، يظاهره تلميذه أحمد إبراهيم الطاهر، أو ميتاً، عام 2017م، بلفظ (الطلاقة)، يظاهره خليفته إبراهيم السَّنوسي! هذا، بالطبع، إذا استبعدنا عبارة (المنظومة الخالفة) التي أطلقها، على آخر أيَّامه، والتي لم تمهله المنيَّة كي يوعز بمراده منها، وإن كانت تلوح من تقاطيع وجهها بعض ملامح (الحزب الواحد)، تأسِّياً بسئ الذِّكر (الاتحاد الاشتراكي)، غير أن ذلك أمر آخر!

 

***