تحقيق التغيير

لم يتوقع صادقين الذي يعول زوجة وأربعة بنات من عمله في الحدادة أن يتسبب المستشفى الخيري الذي قصده لعلاج عيونه في فقدانه البصر ! فقد ذهب للعلاج  حسب روايته في حالة جيدة، ولكن الطبيب نصحه بإجراء الحقن بعقار الأفاستين،، لأن هنالك بداية لنزف في الشبكية، وبعد خروجه من غرفة العمليات مباشرة شعر بألم شديد ولم ينم ليلتها، وكانت العين تدمع بكثافة، وفي اليوم التالي هاتفته مستشفى مكة وطالبه بأن يحضر فورا لأن هنالك مشكلة في عملية الحقن، ومن يومها وصادقين لا يرى سوى الظلمة الحالكة!

 

في حالة نادرة الحدوث في السودان ، أكملت لجنة تحقيق عملها، وتوصلت إلى نتائج، ومدانين، إذ سلمت اللجنة التي كونها وزير الصحة بولاية الخرطوم مأمون حميدة، للتقصي في “كارثة فقدان 34 مواطنا للبصر كليا أو جزئيا  بمستشفى مكة الخيري” الذي يتبع لمؤسسة البصر الخيرية، الممولة من المملكة العربية السعودية، مالذي حدث؟ ولماذا؟

عمى جماعي :

في يوم 22 فبراير الماضي  ، قررت المستشفى إجراء عمليات في شبكية العين ل(47) مريضا ، بمستشفى مكة بأم درمان، وفعليا حضر المرضى في اليوم التالي، غير أن ثلاثة منهم تغيبوا لأسباب خاصة، أو لعل  القدر أنجاهم  من مصير الآخرين.

تم إجراء العملية ل(44) مريضا، في نهار واحد، يقول محمد سليمان –مرافق لأحد المرضى – للتغيير الإلكترونية” تحركنا من أم القرى  بأم درمان بعد صلاة الفجر، رغم ذلك وجدنا المستشفى مزدحما جدا والمرضىى ومرافقوهم  في ممر طويل في انتظار إجراء عمليات الشبكية لثمانين شخصا”،

طبيب واحد:

من بين نتائج التحقيق المهمة التي وردت في تقرير لجنة وزارة الصحة، أن طبيبا واحدا هو من  أجرى العمليات لكل هذا العدد الهائل من المرضى، في ساعات النهار، والمشكلة أن هذا الطبيب الباكستاني الجنسية ،  رخصته لممارسة الطب إنتهت صلاحيتها ولم يتم تجديدها، ولم يكن معه، داخل غرفة العمليات سوى ممرض واحد، ليحضر الحقن التي ستحقن بها عيون المرضى، وذلك أحد أسباب الكارثة كما سيتبين  لاحقا .

 محمد المرافق يمضى في حديثه ويقول” الطبيب لا يفهم لغة عربية، وكان يدخل مريضا كل ربع ساعة أو عشر دقائق ، ثم ينادي الممرض على  الاسم الذي بعده”.

 من بين الذين فقدوا بصرهم الحاجة آمنة التي قالت للتغيير الإلكترونية ” أعاني من مرض السكري، الذي تسبب في مشاكل في الشبكية وبالذات في العين الشمال، وتعالجت بالحقن أكثر من مرة، ولكن في هذه المرة الحقنة كانت شديدة الألم منذ اللحظة الأولى، وأخبرت الطبيب لكنه لم يكن يفهم اللغة العربية”.

 د. ياسر ميرغني الأمين العام لجمعية حماية المستهلك أكد “للتغيير الإلكترونية” بأن من حقوق المريض  أن يكون هنالك مترجما مع الأطباء الأجانب (حسب وثيقة حقوق المريض ).

(خيري) اللافتة الجاذبة :

إن كنت ترغب في العلاج في مستشفى مكة عليك أن تحضر فجرا لتجد فرصة مع الجموع الغفيرة التي تؤمه ، ولما سألنا صادقين محمد ، وهو أحد المرضى الذين أصيبوا بالعمى،  لماذا اختار مستشفى مكة بالذات ، قال  ” المستشفى رخيص، وما بنقدر على علاج العيادات”!

 وقطعا عندما تكتب عبارة “خيري” على لافتة ستكون أكثر جاذبية من غيرها وخاصة للبسطاء ومحدودي الدخل، كما هو الحال مع مرضى كارثة مستشفى مكة، جميعهم من البسطاء، يسكنون أطراف أم درمان البعيدة، وأقاصي الثورات، وبعضهم من الريف الشمالي، والولاية الشمالية، مما يستدعي مراجعة العمل الخيري، الذي يكون مدخلا لتقديم خدمة بلا جودة ولا ضوابط ولا تراعي حقوق المريض.

 د.ياسر ميرغني اضاف قائلا  ” الحادثة يجب أن يستفاد منها في  مراجعة العمل الخيري والمستشفيات الخيرية، التي تُعفى من الرسوم فضلا عن التساهل معها في الضوابط وادخال الأجهزة والأدوية للمرضى الفقراء” .

 وتنشط أكثر من (167) منظمة طبية في العمل الخيري في السودان، عدد منها يمتلك مراكز صحية في أطراف العاصمة ومعظمها ينشط في الولايات البعيدة والمتأثرة بالحرب، بحسب إحصائيات وزارة الصحة الاتحادية.

آمنة : طبخت وذهبت للمستشفى

في روايتها قالت الحاجة آمنة ” كنت في أمان الله، وأشكي من العين الشمال فقط، والرؤية فيها كانت ضعيفة، بسبب السكري، ومن قبل أجريت عملية الحقن خمس مرات، وفي كل مرة تتحسن، هذه المرة بعد أن طبخت ليلا ، في الصباح الباكر جئت مع زوجي وولدي للمستشفى، في لحظة العملية شعرت بألم شديد، في الليل كانت الدموع لا تتوقف بجانب الألم وحكة شديدة”

عربة الصرف الصحي:

من بين الملاحظات التي سمعناها من المرضى والمرافقين، بأنه وقبل بداية العمليات، كانت هنالك عربة شفط مخلفات الصرف الصحي، تقوم بشفط البئر الرئيسية للمستشفى بالقرب من غرفة العمليات، محمد سليمان قال ” جميع الحاضرين، لا حظوا شفط البئر بالقرب من غرفة العمليات، لأن صوتها كان مرتفعا ورائحة الجو كانت خانقة” وبدروه قال صادقين ” أخبرت لجنة التحقيق من وزارة الصحة بهذه الملاحظة ، وهي عربة شفط الصرف الصحي التي كانت تعمل أثناء إجراء العمليات، حتى أن الجو كان خانقا بسبب الرائحة الكريهة التي تشمها حتى في ملابسك”

تقرير اللجنة: تلوث وإصابة بالباكتيريا

قطع تقرير اللجنة بأن المستشفى تتحمل مسئولية ما جرى، إذ أقرت بأنها تسببت في مشكلة ل(34) مريضا، وأشار التقرير إلى أن السبب وراء ذلك هو  تلوث بكتيري في الإبرة التي تم بها الحقن المجهري للمرضى، ثم وقفت اللجنة على مخالفات أخرى، من بينها أن الطبيب الذي أجرى كل العمليات كان واحدا فقط، في إشارة إلى نقص الكوادر في المستشفى الخيري، بينما ترى مصادر في الحقل الطبي أن النقص مقصود لتعظيم الفوائد لعدد محدود من الأطباء يعملون في المستشفيات الخيرية التي يتكدس فيها البسطاء، وحتى الطبيب الباكستاني الجنسية انتهى تسجيله في وزارة الصحة ولم يتم تجديده، وفي مقابلة صحفية اعترف مدير العلاقات العامة بالمستشفى حامد بابكر بأن الطبيب انتهى تسجيله، وكذلك اعترف بطريقة غير مباشرة  بأن هنالك نقص في الكوادر الطبية ، فقال عندما سألته الصحفية عن أن الطبيب كان واحدا ” يمكن القول بأن الكادر يحتاج إلى إضافات، وتلك إحدى الاحترازات التي نعمل عليها، لضمان ألا يحدث ضغط على كادر مما يؤثر على جودة ودقة أدائه، وبالتالي يخفق في مهامه وعمله.. والحقيقة التي يمكن قولها في هذا الصدد أن الضغط على مشفانا عالٍ جداً، وحقيقة هناك ضغط عالٍ جداً على أتيام العمل بالمرفق.” أي أن هنالك ضغط على المستشفى في ظل عدم كفاية الكوادر، ولا شك أن مسئولية أعداد الكوادر مقابل عدد المرضى هو مسئولية وزارة الصحة وفرق مراقبتها، وهي نسب حددتها مسبقا معايير الصحة العالمية .

طبيب لكل (250) ألف مريض

طبقا لمعيار منظمة الصحة العالمية على  الدولة توفير إختصاصي عيون لكل (1000 مواطن)، حتى تفي بمطلوبات الألفية في علاج العيون ، كما عليها توفير مستشفى عيون لكل (مليون مواطن)..غير أن الواقع في بلادنا لا يزال بعيدا عن هذا المعيار العالمي، فالواقع يعكس وجود إختصاصي لكل (40 الف مواطن بالعاصمة)، وكذلك إختصاصي لكل (250 الف مواطن بالولايات)، بحسب تقارير وزارة الصحة الاتحادية .

(قالوا……. ح يعوضونا)

من أخطر ما تكشف في تقرير لجنة التحقيق حول حادثة مستشفى مكة، هو أن هنالك (20%) من المرضى قد لا يعود لهم بصرهم نهائيا، وذلك عندما قال وزير صحة ولاية الخرطوم مأمون حميدة (80%  من المرضى سيعود لهم بصرهم تدريجيا، و20% من المحتمل أن لا يعود بصرهم” ، أي أن عدد من هؤلاء المرضى باتوا في مهب الريح، وحتى ال(80%) الآخرين لا يضمن أحد عودة بصرهم المعتل أصلا كما كان في علته الأولى، ومعظم هؤلاء المرضى كما أسلفنا بسطاء يعولون أسرا، وزارة الصحة قالت أنهم سيتم تعويضهم، إدارة المستشفى قالت لا تدري على أي معيار سيكون التعويض، سألنا أحد المرضى هل قالت وزارة الصحة سيتم تعويضكم أجاب ” قالوا…. ح يعضونا لكن الله أعلم” …..