التغيير: بروفايل

لماذا هو في معتقل منذ ستة أشهر تعرض خلالها للتعذيب؟

د. مضوي إبراهيم :

  • أستاذ الهندسة بجامعة الخرطوم
  • حاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية
  • حاصل على براءات اختراع في مجاله وحاصل على زمالة المهندسين الميكانيكيين البريطانيين
  • مؤسس ورئيس منظمة السودان للتنمية الاجتماعية (سودو) 
  • حائز على جائزة فرونت لاين ديفندرز الافتتاحية الأولى لمدافعي حقوق الإنسان 2005

 

باسم القانون وجدتني أعامل كمجرم…ليس بسبب ما قمت به، ولكن بسبب ما دافعت عنه وبسبب ضميري. لن يقبل أحد بكامل وعيه مثل هذه الحياة، ولكن من المثير للعجب أن يأتي وقت يحرم فيه المرء من أن يحيى حياة طبيعية، ويعيش حياة شخص خارج عن القانون فقط لأن الحكومة قررت استخدام القانون بصورة معيبة. (نيلسون مانديلا). 

 

الدكتور مضوي إبراهيم آدم مهندس سوداني ومدافع صلد عن حقوق الإنسان، وله دور معروف في الكشف عن الانتهاكات التي يتعرض له المواطن السوداني عامة وأهل دارفور بصورة خاصة. وقد سجن مضوي مراراً وتكراراً من قبل النظام السوداني ولكن كل التهم التي كان يعتقل بسببها كانت تتصل بمجال عمله في الدفاع عن الحقوق.

مضوي هو المؤسس ورئيس المنظمة السودانية للتنمية الاجتماعية (سودو)، والتي تعمل في مجال حقوق الإنسان، فضلا عن توفير المياه وخدمات الصرف الصحي والصحة. وقدمت “سودو” المساعدة الإنسانية للملايين الذين أجبروا على الفرار من ديارهم نتيجة للحرب، كما نفذت مشروعا لبناء السلام والمصالحة في جنوب دارفور.

واعترافا بمثابرته في تعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها في السودان، حصل الدكتور مضوي إبراهيم آدم على جائزة فرونت لاين ديفندرز الأولى للمدافعين عن حقوق الإنسان والمعرضين للخطر في العام 2005.

ومنذ السابع من ديسمبر 2016 يقبع مضوي في زنازين النظام السوداني دون أن توجه له أي تهمة، وبوصفه سجينا سياسياً استمر مضوي في مقاومته للنظام عن طريق الإضراب عن الطعام احتجاجاً على احتجازه في الحبس الانفرادي دون تهمة، وحرمانه من الاتصال بمحام أو أسرته أو توفير عناية طبية.

النشأة والتعليم

ولد الدكتور مضوي في العام 1958 بقرية كندوة بولاية شمال كردفان، على بعد خطوات من مدينة أم روابة، نشأ في بيئة يسود فيها التصوف ودرس الأولية والوسطى في أم روابة. ودرس الثانوية في مدرسة خور طقت ومن ثم التحق بكلية الهندسة جامعة الخرطوم في العام ١٩٧٤، وتخرج فيها العام ١٩٧٨ بدرجة الشرف في قسم هندسة الميكانيكا. وواصل دراسته فوق الجامعية وحصل على درجة الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية في نفس الجامعة العام ١٩٨٠.

ولأن مضوي قد كان شغوفاً لا تشبع طموحاته، يمم وجهه شطر بريطانيا ودرس إدارة الأعمال ثم عرج على ما وراء الأطلسي لترسو سفينته بأميركا، ولثقل مهاراته تدرب في أعرق معاهدها، في وكالة ناسا للفضاء، وكان يمكن له أن يقيم هنالك يجني ثمار تعبه مالاً وفيراً ومتاعاً زائلاً ولكنه عاد لوطنه السودان ليلتحق بسلك التدريس في جامعته التي تخرج فيها. وبقي فيها حتى أقالته هوجة التطهير التي ابتكرها النظام الحاكم تحت مسمى (الصالح العام) فكان من أوائل من سودت قراطيس “التطهير” أسمائهم. غير أنه عاد لدوحته مرة أخرى رغم مرارة الظلم أستاذاً فيها حتى لا يخيب ظن تلامذته ومستقبل أجيال واعدة.  

سودو

في أبريل ٢٠٠١ دشنت المنظمة السودانية للتنمية الاجتماعية سودو مكتبها الرئيس بالخرطوم ، ويعتبر الدكتور مضوي ابراهيم رائد ركبها، وهو أول رئيس لها، ولأنها ولدت ناضجة  سرعان ما افتتحت مكاتبها في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وقدمت خدمات جليلة للنازحين في دارفور كما تعمل (سودو) أيضاً في مجال مراقبة انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وكشفت و أزالت القناع من خلال تقاريرها الرصينة عن انتهاكات خطيرة في السودان، واستطاع دكتور مضوي تدريب كوكبة من الشباب، كانوا رؤساء لأفرع المنظمة في الولايات وهم الآن من خيرة نشطاء حقوق الانسان.

نجاح “سودو” جلب لها الكيد فكانت الحكومة لها بالمرصاد، وبحلول مارس ٢٠٠٩، أغلقت أبواب منظمة سودو ومنظمات وطنية ودولية دون أي مسوغات قانونية. ورغم العنت والمعوقات واصل مضوي نشاطه في الدفاع عن حقوق الإنسان. وناهض قرارات إيقاف المنظمة وحاز على حكم ببطلان القرار الإداري الا أن السلطات لم تسمح حتى هذه اللحظة بعودة المنظمة للعمل في الداخل.

الوفاء والعرفان

في لوحة زاهية تمازجت صور رائعة لحملات مناصرة لإطلاق سراح الدكتور مضوي إبراهيم والتنديد باعتقاله، أكثرها روعة تلك السواعد الغضة لتلاميذ مدرسة أساس كندوة وهم يرفعون لافتات تنادي بالإفراج عن ابن منطقتهم، لوحة أخرى لم تكن أقل منها فتنة رسمها طلاب وخريجو كلية الهندسة جامعة الخرطوم داخل الحرم الجامعي، حين نظموا وقفة احتجاجية تحدياً لممارسات جهاز الأمن القمعية وللتضامن مع أستاذهم.

وفي الثاني والعشرين من مارس ٢٠١٧ كتبت السيدة صباح آدم عقيلة الدكتور مضوي” للجميع التحايا لاهتمامهم واتصالهم للاطمئنان على صحة مضوي إبراهيم أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة الخرطوم والمحتجز حالياً لثلاثين يوماً لدى نيابة أمن الدولة وأنا أريد أن أطمئنهم أنه بخير، ما يقلق هو استمرار الحجز والتجديد بصورة تلقائية حيث تجاوزت المدة القانونية لذلك. ونأمل أن ينتصر الحق ويذهب الزبد جفاء.).

يقول سيموني دي إستيفانو، المسؤول القانوني في مؤسسة الكرامة عن منطقة النيل” نحن منشغلون بما قد يتعرض له الدكتور مضوي وعلى السلطات السودانية تحمّل المسؤولية تجاه الممارسات القمعية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، والتي تشكل انتهاكا لالتزامات السودان بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.”

الاعتقال

في السابع من ديسمبر 2016 اعتقل جهاز الأمن السودان مضوي دون جرم غير أنه ينشط في الدفاع عن حقوق الإنسان، ففي مسرحية تراجيديا يعتقل الأمن سائقه الخاص ويتم إجراء تفتيش باطل لمنزله ويتم اعتقاله في نفس اليوم. لم يكتف جهاز الأمن بذلك بل أعتقل جزافاً آخرين ضمنهم المحامية تسنيم الزاكي، النازح من معسكر أبو شوك حافظ إدريس والمحاسبة في شركته الخاصة نورا العبيد وآخرين، وفي تعامل يتنافى تماماً مع القانون أحتجز دكتور مضوي في الحبس الانفرادي وتعرض لضغوط معنوية خطيرة من أجل إذلاله، فأضرب عن الطعام منادياً بالإفراج عنه او إحالة قضيته للقضاء. 

ورغم إحالة البلاغ لنيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة منذ فبراير 2017 إلا أنه لم توجه له أي تهم رسمياً، في تقاعس غريب يعكس مدى سيطرة جهاز الأمن على كل مفاصل أجهزة الدولة. لم يكن هذا أول إعتقال تعرض له الدكتور مضوي، فهنالك سلسلة من الاعتقالات نعجز عن تتبعها كلها، ففي العام ٢٠٠٤ وحده أمضى سبعة أشهر في حجز الشرطة.

في خاتمة مقاله بعنوان فوضى العام الجديد ٢٠١٧، ختم المهندس أشرف الجعلي مقالته بأسى واضح، ننقل منها بتصرف: الكوميديا السوداء ابتدعتها الحكومة في سابقة لا مثيل لها هذه المرة. فبعد دخول الدكتور مضوي في إضراب عن الطعام احتجاجا على احتجازه من غير تهمة، قيد جهاز الأمن بلاغ (شروع في الانتحار) ضده.

إلى ذلك، كشف الأستاذ نبيل أديب المحامي وعضو هيئة الدفاع عن الدكتور مضوي أنه لم توجه له أي اتهامات، ولم تصل قضيته إلى القضاء حتى الآن ويرجح أديب أن يحدث ذلك، وقال:” المشكلة هي أن الدكتور مضوي يحاكم في الاعلام، ومواقع إسفيرية تتهم مضوي اتهامات خطيرة وتتوعده، وبعضها مواقع رسمية.. معتبراً ذلك مخالف للقانون وانتهاك لحقوق الدكتور مضوي كمواطن وكمتهم، وقال إن كل الاتهامات يمكن تقديمها لدى ساحة القضاء ولا يجوز التشهير به في الإعلام، خاصة من جهات متنفذة، ويرى أديب أن ما يتعرض له الدكتور مضوي يعتبر انتهاك صريح للقانون من الدولة نفسها التي يفترض أن تطبق القانون وتصونه، ويقول: “على الرسميين أن يمتنعوا عن أي تصريحات حتى لا يتم التأثير في سير العدالة”، ووصف ما يتعرض له الدكتور مضوي بالجريمة.

 ثمار السنين

لم تذهب معاناة الدكتور مضوي أدراج الرياح كعهد الثوريين في كل مكان ففي العام ٢٠٠٥ وتتويجاً لمجهوداته التي لا تخطئها العين زفت منظمة فرونت لاين البشرى له وللمدافعين عن حقوق الإنسان في كل أرجاء المعمورة وذلك عبر فوزه بجائزتها الرفيعة، وبينما كان يعد العدة للسفر إلى دبلن، إيرلندا، المقر الرئيس للمنظمة لاستلام الجائزة أبت أنفس الحاسدين أن يتوج الحفل بحضوره شخصياً لتضع عراقيل أخرى  وأعتقل مضوي وحُرم عن حضور الاحتفاء به، وبينما المحتفلون يعددون إنجازاته ومجهوداته في حقل الدفاع عن الحقوق والآلام التي تكبدها بشجاعة، كان هو في الجانب الآخر يقبع وراء القضبان في إحدى زنازين جهاز الأمن.  وسلمت رئيسة جهورية ايرلندا ماري ماك أليس الجائزة، في حفل تكريم أقيم بقاعة بلدية دبلن في 13 مايو 2005، لزوجته السيدة صباح وابنته هدى.

كما فاز مضوي بجائزة (حقوق الإنسان أولاً) المقدمة من منظمة حقوق الإنسان أولاً مناصفة مع ولودميلا إليكسيفا من روسيا.

وجهات نظر

انطلقت بعض الأصوات معاتبة له حين وافق على المشاركة في الحوار الوطني الذي انطلقت مبادرته بدعوة من الرئيس السوداني عمر البشير في يناير ٢٠١٤ وعقد في الخرطوم وشاركت فيه أحزاب مصنوعة وجيوب من حركات مسلحة ليست ذات تأثير. بعض أصدقائه أصيبوا بالصدمة. كان دائما يلح السؤال، لماذا يشارك دكتور مضوي إبراهيم في حوار قاطعته الأحزاب المعارضة الرئيسة ومنظمات المجتمع المدني المستقلة، رغم أنه كان رائعاً على حد قول بعض المشاركين في الحوار بآرائه ومواقفه الصلبة، كما شارك معه قلة ممن لا يحسبون في سلة المؤتمر الوطني من أمثال أحمد ابراهيم دريج وإبراهيم منعم منصور.

لماذا لم يأنس له الحزب الحاكم وبدلاً عن الوفاء يجازيه جزاء سنمار، وهل كان يريد سبر غور مصداقية نظام الإنقاذ؟ هذا ما ستجيب عليه الأيام او ما سيفصح عنه دكتور مضوي إبراهيم

يقول الباحث والأكاديمي د. محمد جلال هاشم: إن الدكتور مضوي إبراهيم شخص ذو طبيعة ثورية، وظل دائم ناشطاً وفي حراك مستمر من أجل إحداث تغيير في السودان، وإنه بطبيعته هذه مقلق جداً للأنظمة الدكتاتورية، وظل دائماً بحكم نشاطه مصدر قلق لهذا النظام منذ استولى على السلطة. وتعرض مضوي للاعتقال وللفصل من جامعة الخرطوم والتشريد من الخدمة طيلة فتر الـ 27 عاماً، بالتالي مجرد أن جاء الحراك الأخير وما يعرف بالعصيان المدني، استهدف النظام الشخصيات التي يرى أنها يمكن أن يكون لها تأثير قوي في سير الأحداث ودفعها نحو الثورة”، وبهذه الخلفية تم القبض على دكتور مضوي.

 الريادة في سوق العمل

أسس مضوي شركة لامدا الهندسية في العام 1994 وهي شركة تعمل في مجالات التصنيع الهندسي وبناء محطات تنقية مياه الشرب وتصنيع قطع غيار المصانع إلى جانب الصناعات الصغيرة للمعدات والأليات الزراعية كالحاصدات وطلمبات المياه. وحصل على عدد من براءات الاختراع، على سبيل المثال براءة اختراع ماكينة عصر زيت وطحن بذرة التبلدي وبدرته. وهو مستشار لكثير من الشركات السودانية الناجحة، وحصل على زمالة المجلس البريطاني للمهندسين الميكانيكيين.

الدكتور مضوي إبراهيم زوج السيدة والمناضلة صباح أدم وهو أب لثلاث بنات وابن (وفاء، ويني، هدى وإبراهيم).