لؤي قور

في حفل تدشين كتاب مصرع الإنسان الممتاز للتشكيلي د. عبدالله بولا الخميس الماضي بدار اتحاد الكتاب قال التشكيلي والناقد د. محمد عبد الرحمن أن مصدر التعقيد في كتابات بولا ناتج عن صعوبة التوصل للحقول المعرفية في العمل الفني والتعبير عنها لفظيا فمعالجة القضايا من منظور مركب تصعب الأمر عند بولا وغيره إذا كنا بصدد الحديث عن دلالة معينة بمعنى أنه لا يمكن استخراجها من تحليل نقدي مباشر للعمل الفني دون المرور بالفلسفة.
و يمضى د. محمد عبد الرحمن للقول بأن التعقيد في كتابات بولا يرجع لانفتاحه على الفلسفة وتاريخ الفن ومن هذه القضايا المركبة جاء التعقيد أو الصعوبة في قراءته من خلال تعبيره كإنسان وهو ما جعله يصل لمرحلة إعادة التعبير عن الفن وهو ما يجعلنا نصف تفكير بولا منطلقاً من “تعريف الشئ على أنه ليس بشئ” مثلما فعل أدورنو وغيره من المفكرين، ولكي نفهم بولا لا بد من أن لا نكتفي بالنظر إليه كتشكيلي لأن التشكيل عنده يمر بالتشكيل النقدي الذي يعرف المثقف على أنه مالك معرفة مركبة ومتغيرة.
وأكد عبد الرحمن أن الموضوعات التي ركز عليها بولا وارتكز عليها في سلسلة مقالاته عن مصرع الإنسان الممتاز هي نقد الإمتياز فبولا بعد أن عرف الفن على أنه علم صياغة الأشكال المرئية أدخل صانعي المراكيب والفنون اليدوية في قائمة التشكيليين لينزع الإمتياز عن التشكيليين من حملة الشهادات! فحامل الشهادة عند بولا ليس فناناً تشكيليا إلا إذا أضاف بعد الخلق لما يصنع من تشكيل.
وقال عبد الرحمن أنه لا يجب الإكتفاء بمناقشة ونقد مفهوم بولا للتشكيل بل يجب أن ننظر لتعريف المثقف عنده ومحاولته لنزع الإمتياز عنه باعتبار أنه ليس فناناً بمجرد مهنته وانطلاقاً منها فقط راجياً أن يحاول الباحثون استكمال مشروع بولا في نقد الامتياز الذي لا يقف عند التشكيلي بل يتعداه لينتقد تعريف المثقف على أنه حامل الشهادة الأكاديمية وينزع الإمتياز كذلك عن المعرفة كما ينتقد المتخصص بوصفه فناناً ويعد ذلك إغفالاً لأهم ركن عنده من أركان الفن وهو الخلق.
وينتقد بولا في سلسلة مقالاته المعرفة المأخوذة من مؤسسات التعليم الغربي كذلك فينزع عنها الامتياز مشدداً على ضرورة إعادة النظر في تاريخ هذه المعرفة من خلال إعادة النظر في الفن التشكيلي ويمكن بحسب الكاتب تدريس الفنون بعكس الاتجاه السائد مشيراً في هذا الصدد لتجارب العديد من زملائه منهم التشكيلي حسن موسى على سبيل المثال، فالتراكم الذي توصل إليه الكاتب من خلال المعرفة الغربية ليس ملزماً عند بولا.
ويمضى بولا في نقد الإمتياز حتى على مستوى التاريخ حينما ينظر لتاريخ المستعمر الأوروبي على أنه التاريخ المثالي ولعل من اكبر انجازات بولا سماحه برؤية الإمتياز على عدة مستويات وهوالعمل الذي يقوم به معظم المفكرين في العالم الآن باعتبار أن الإستعمار صاحب هذه المعرفة أقدم على استرقاق الشعوب وتدمير ذاكرتها لخلق نوع معين من المعرفة اكتسبت امتيازاً عن طريق القوى الإستعمارية الحاملة لها وقدم بولا مساهمة هامة جداً حين تجاوز فكرة الاستعمار لفكرة الإمتياز وهو ما يقوم عليه التعريف الجديد للاستعمار الذي لم يعد يقوم على أساس عرقي بل عن طريق سيادة المنطق الضمني للاستعمار باعتبار أنه يمكن أن يقوم حاكم وطني أو نخب محلية أو زعامات دينية باتباع ذات المنهج الاستعماري في التعامل مع الشعوب وممارسة نفس الممارسات الاستعمارية.

ويظهر اهتمام بولا في سلسلة مقالاته بمفردة الإمتياز من قبيل نقده للمعرفة الممتازة والفاعل الممتاز والعالم الممتاز والمكونات المعرفية أوالتاريخية أو الدينية الممتازة ليصبح هذا الشخص ممارس لمنطق العملية الكولونيالية التي تعتمد التحكم في مواطنين شعوب أخرى مثلما فعلت أوروبا في الفترة ما بين القرنين السادس عشر والحادي والعشرين وهي تلتقي مع امتيازات يحاول عدد من مفكري اليوم في العالم الثالث التعامل معها متخطين بذلك فكرة إدوارد سعيد في نقد الاستعمار باعتبار أنه يجب التفريق بين المبدأ الإستعماري والهيمنة القائمة على التمييز من جهة والمؤشر الذي يتم وضعه في المعرفة الممتازة أو التاريخ المثالي الذي يجب اتباعه وينتقد بولا في سلسلة مقالاته تجربة الحداثة الأوروبية كتجربة وحيدة يجب الإلتزام بها في تجاهل تام لمستويات المعرفة المختلفة.