قرشي عوض

شغل مدير مكتب رئيس الجمهورية، الأوساط السياسية والاجتماعية داخل البلاد وخارجها، بعد التطورات التي حدثت بداخله، على خلفية إقالة الفريق طه عثمان وتوقيفه بمطار الخرطوم ومنعه من السفر برفقة وفد سعودي.

مع ان الموقع ليس أكثر من وظيفة سكرتارية تنسيقية بين مكاتب الرئيس ، لكنه بات يلعب ادواراً سياسية في الاونة الاخيرة، في ظل تحول الانقاذ من تمكين التنظيم الى حكم الفرد.

اصبح القرب من الرئيس هو مدخل السيطرة والنفاذ كاحدى تجليات الازمة الشاملة للنظام بحسب الخبير الاعلامي الرشيد سعيد “للتغيير الإلكترونية”. فالقضية أكبر من الفرد وطموحاته كما يحاول ان يصورها البعض، وهى على كل حال طموحات مشروعة في عرف اهل النظام ، بل هى قبل كل شيء نتيجة لتركيز السلطات في يد رئيس الجمهورية وتحوله الى مرجعية شبه مقدسة في كافة القضايا السياسية والعسكرية والاقتصادية.  فقد تحولت الانقاذ من تمكين التنظيم الى تمكين الفرد، وبالتالي اصبح الحصول على مزيد من النفوذ والمغانم مرتبطاً بمدى القرب او البعد من مركز السلطة الذي يمثله الرئيس، وليس الحزب او الموقع الدستوري او التنفيذي او السياسي.  وتبع ذلك دمج ادارة مكاتب الرئيس المتعددة تحت سلطة واحدة، ومنحه غطاء سياسي عبر تمتعه بصلاحيات وزير دولة. ويضيف سعيد بانه في ظل سيادة اوضاع  كهذه يتحول مدير مكتب الرئيس من مجرد مسؤول اداري تنسيقي لعمل رئيس الجمهورية، الى رئيس وزراء غير معلن. تتمدد سلطاته ويستولي على صلاحيات وزارات اخرى، كما يعكس ذلك ماحدث من نزاع بين طه وبعض الوزراء.

اصبح هذا الموظف العادي جداً بالقصر الجمهوري بين عشية وضحاها  حارساً لبوابات الدخول والاتصال بالرئيس باعتباره ممسكاً بمفاتيح كل المكاتب، ولايمكن تجاوزه في الحصول على رضا الرئيس.  وتبعاً لذلك يفسر سعيد خطوة رئيس الوزراء الاخيرة عقب توليه منصبه الجديد بانه يعمل على تنظيف الساحة حتى يكون قادرا على ممارسة صلاحياته . لكن من ناحية اخرى فان تركيز صلاحيات مدير مكتب رئيس الجمهورية لايتيح اي شكل من اشكال الشفافية في عمل الرئيس او حتى مراجعة المكاتب المختلفة لعمل بعضها البعض مما يوفر  ارضية خصبة للفساد المالي والاداري ، لان التوجيهات التي تصدر عن شاغل هذا المنصب بمثابة اوامر رئاسية واجبة النفاذ ودون ان يكون هناك مجال للتحقق من مدى علم الرئيس وموافقته.

اذن فان مدير مكتب الرئيس ورغم طبيعته الادارية العادية جداً ، الا انه قد يصبح على درجة من الاهمية حسب طبيعة الاوضاع السياسية ، لان مدير المكتب بحسب الخبير الاعلامي عبد المنعم ابو ادريس تمر عبره كل الرسائل والمكاتبات الداخلة والخارجة عن الرئيس ، بل في بعض المرات يقوم بتلخيص لبعض الرسائل بطريقة غير مخلة ، وفي كثير من الاحيان يصدر القرار بناءً على هذا التلخيص،  كما ان مدير المكتب يمكن له ان يرافق الرئيس في رحلاته الخارجية ويطلع على كثير من الاسرار.

  وفي كل ذلك لايمكن ان يتقاطع دور مدير مكتب الرئيس مع وزير شئون الرئاسة ، لانه لم يسبق لمدير مكتب الرئيس ان لعب دوراً سياسياً باستثناء مدير مكتب الرئيس جمال عبد الناصر.وان ماقام به الفريق طه يعتبره ابو اداريس غير مسبوق تاريخياً  .

 ويرى مراقبون اخرون ان الرجل تمكن من لعب هذا الدور اضافة الى استناده الى طبيعة النظام السياسي والتحولات التي حدثت داخله إذ  برزت عوامل اخرى متعلقة بشخص الفريق طه مهدت له الطريق الى اغلاق الدائرة حول الرئيس، فيرى البعض انه عمل منذ البداية مع اسرة الرئيس ، كما انه كان مرضياً عنه من شيخ الاسلاميين ابراهيم احمد عمر الذي يعتبره البشير من شيوخه ويكن له احتراماً كبيراً.

 هذه الظروف مهدت لطه ان يلعب دوراً مهماً في السياسة الداخلية والخارجية. ويشير الكاتب الصحفي عبد الرحمن الامين الى انه قد كلف بمهام سياسية غير عادية، واصبح بمثابة مبعوث رئاسي دائم،  وفي قضايا شائكة ومعقدة ولمقابلة شخصيات على قدر عالي من المسؤلية .

 كل هذا قاد الرجل الى ان يتمدد ويتضخم ويخرج عن الدور المرسوم له والوصف الوظيفي للموقع الذي كان يشغله.

حدث هذا ربما بسبب ثقة الرئيس المفرطة فيه، ولعله عنده مؤتمن ، وكما قال طه في واحد من حواراته السابقة انه ينقل رسائل الرئيس كماهى دون ادنى تصرف، ويوصل له كذلك الاجابات دون ادنى تصرف . ولعله كان قريباً من القمة الاسلامية العربية الامريكية التي انعقدت مؤخراً في الرياض ، وان الرئيس انابه عنه ، في حين كان الموضوعي وبحسب منطق الاشياء والترتيبات ان ينوب عنه نائب الرئيس او وزير الخارجية . وهذا يعكس مدى الصعود الذي صعده ووضعه في تقاطعات مع اخرين .

حتى هذه اللحظة لم توجه السلطات تهمة بعينها للفريق طه وتركت محاكمته لمواقع التواصل الاجتماعي ، لان مؤاشرات عديدة تقول ان الرجل لايمكن ان يلعب دوراً سياسياً لم يكلف به الرئيس ، لذلك من المتوقع ان تنتهي قضيتة عند هذا الحد وسوف يغيب الرجل عن المشهد السياسي ببساطة.

وان  عهد حاتم حسن بخيت،  مدير مكتب الرئيس الجديد سيعيد للمنصب وضعه الديواني.