خالد فضل

في تلك الظهيرة التي أعقبت عشية  ما عرف لاحقاً بخطاب الوثبة , تنادى جمع من الصحفيين لحضور المؤتمر الصحفي لهيئة قيادات تحالف قوى الاجماع الوطني في دار الحزب الشيوعي السوداني بالخرطوم , و بعد ان تلا رئيس الهيئة الاستاذ فاروق ابو عيسى البيان الذي يحمل رد قوى التحالف على خطاب البشير , و ملخصه عدم الممانعة من المشاركة في الحوار من حيث المبدأ و لكن لكي يكون الحوار منتجاً لابد من توفر الشروط الموضوعية للحوار المتكافئ و على رأسها إتاحة الحريات العامة , و اطلاق سراح المعتقلين السياسيين , و وقف الحرب في مناطق النزاع المسلح .

كان لافتاً للنظر جلوس الاستاذ كمال عمر ممثل حزب المؤتمر الشعبي في التحالف في صفوف الحاضرين , و هو القيادي بل و الناطق الرسمي باسم التحالف منذ فترة ماضية , فلما طلب إليه الحديث قال باقتضاب (إن المؤتمر الشعبي باق بالتحالف و انه مع اسقاط النظام) , لقد تغدى كمال عمر في مائدة المعارضة , فيما كان شيخه الترابي (رحمه الله) قد تعشى البارحة في مأدبة النظام , إنه توزيع الادوار , و ممارسة الخداع التي شب عليها تنظيم الاسلاميين , و رضعه صغارهم عن كبارهم , و من ثدي فقه الحركة , فإن الكذب عبادة و الخداع سنة , و كل الموبقات الاخلاقية مبررة , فالنية الصادقة هي التي تبرر خطيئة الاسلامي إن هو اخطأ .

عوّل الاسلاميون على حوار الوثبة كثيراً , فقد يمهد لهم الطريق لازالة جفوة السنوات الماضية بين شقيهم , و سرت في اوساطهم نشوة العودة للنبع القديم , فالشعبيون منهم قد تطاولت على معظمهم سنوات البعد عن مراتع السلطة الخصيبة , و مواردها الوفيرة , و امتيازاتها الوثيرة , فقد اسسوا لكل ذلك مع رفاقهم الاخرين في شق حزب المؤتمر الوطني , و قد رأى الاخيرون ان في عودة الصفاء بينهم و اخوتهم اولئك راحة نفسية و تخلص من تأنيب الضمير الذي لازمهم منذ طرد شيخهم و بعض اتباعه من مراقي السلطة و حرمانهم من التمتع بثمرات (ما أفاء الله به عليهم من ثمرات) , اما الطيبون من الجانبين فقد رأوا في اجتماع الاسلاميين ريّا لاشواقهم .

الواقع السياسي بطائرته المطربة , التي تحمل في جوفها وطناً مخطوفاً و شعباً مقهوراً يعيش في حالة حزن مقيم و عزاء متصل و مأتم على كل شئ , كانت الطائرة تحلق للهبوط في مدارج خطط الاستخبارت الامريكية و الاوربية باسلوبها الناعم , و ما يتطلبه ذلك الهبوط من التخلي عن حمولات الايدلوجية الاسلاموية و تبعاتها , لقد تطلب الامر مسح الاحذية بل لعقها , و تغيير وجهة العلاقات الاقليمية من (نصرة المستضعفين)إلى ممالاة الظالمين , فقفل بلف العون لحماس بقطع العلاقات مع إيران التي تحولت فجأة من جمهورية الخير و البركة الاسلامية إلى بؤرة الشر و زارعة الفتن و مهددة امن و امان الاراضي المقدسة , كان الاسلامييون يمنون النفس بوحدة تقيهم شر عاديات البزنس و سطوة (مكتب التجار الذي ابتلع التنظيم) على حد تعبير د. تجاني عبد القادر في مقالات له منشورة قبل عشر سنوات , كانوا يأملون في الصمود امام هيمنة (اخوانهم الصغار) و التعبير كذلك من منحوتات د.تجاني المار ذكرها , و يعني به غلبة اجهزة الامن على ما عداها , تلك تجربة تمددت لحوالي تلاتين سنة من عمر شعب السودان , زرعت الخوف و بددت الثقة , و جففت الضرع , و ايبست الزرع , و شتت شمل البلاد حتى بات لمّ شعثها امراً عسيراً , فبعد ذهاب الجنوب ها هو عبد الواحد محمد النور يجدد المطالبة بحق تقرير المصير لدارفور , و الحبل على الجرار , فما من شئ يجبر الناس على العيش ضمن بلد تمطر سماءه موتاً و تشتعل ارضه حريقاً و لهباً , و تلك كانت شذرات من خطايا الاسلاميين في سنوات حكمهم للبلاد , فما بالهم يتباكون الآن و يولولون كون عمر البشير قد وضعهم تحت الجزمة و ان بكري نذير شؤم عليهم , أوليس الاول رئيسهم و (هبة السماء) لتنظيمهم , و التعبير منسوب للراحل الترابي في مسدار مدحه للبشير ! أوليس بكري نائب الامين العام لحركتهم الربانية التي تتجه قوافل هجرتها إلى الله ! ما بالهم ينوحون و يقيمون المآتم لان عزيز عليهم (السلطة و الجاه) ربما غادرهم بغتة , و مآتم البلد الممدودة بامهات الضحايا في كل انحاء السودان و طيلة سنوات حكمهم لم ترفع بعد , فالارواح العزيزة التي فقدت لم تكن تهيم في فلوات وحدتها بل كانت تقيم في اجساد اصحابها الذين لهم اهل و ماض و كانوا يحلمون بغد .

لن يجدي النواح , و لا إظهار الذلة و المسكنة كما بدت في خطاب شيخ الزبير احمد حسن للرئيس البشير , لقد انتهت الدولة السودانية إلى ضيعة تحرسها المصالح الذاتية و الوساوس , و صارت دولة امنجية بامتياز , و من كان تعويله على عسس السلطة خاب .