التغيير  قرشي عوض

اشتكت عدد من منظمات المجتمع المدني العاملة في السودان من حجم العراقيل التي تضعها السلطات امامها ابتداءً من التسجيل ، عبر مفوضية العمل الطوعي ، وايجاد شريك وطني تثق فيه الحكومة ، الى الغاء التسجيل بدون ابداء اسباب .

ومنع تلقي الاموال على سبيل التمويل او التبرع الا عبر الوزير المعني كما تنص على ذلك المادة 7 من قانون العمل الطوعي لعام 2006 والماد 32  من قانون 2017 المودع في البرلمان منذ العام الماضي .

وفي قانون الجمعيات الوطنية الذي تم تعديله في عام 2006 ويجمع بين المنظمات الاجنبية والوطنية في قانون واحد ، الا انه كان به تضييق على المنظمات الاجنبية.  وقد تمت مقاومة هذا القانون ووصلت حتى البرلمان. وتركزت حول المادة 7 المتعلقة بالتمويل ، والتي بموجبها يتطلب من ان تقدم مشروع وثيقتها لتلقي التمويل لاجازتها من قبل مفوضية العمل الطوعي ( هاك )  قبل ارسالها للمانح .

وحول طبيعة هذا الاجراء يرى د/ حسن عبد العاطي رئيس المنتدى المدني القومي وهو واحدة من المنظمات التي عانت من الايقاف في ظل هجمة النظام على المراكز الثقافية في الخرطوم ، انه لايمكن اجازة وثيقة غير مضمونة .

وفي ظل المعاملة الغير متساوية بين المنظمات القريبة والبعيدة من النظام يمكن ان تتحول المعلومات لجهة اخرى . كما ان الاجراء ينطوي على تدخل يحد من حرية المنظمة في اختيار شركائها بالمنع والسيطرة . وفي هذا الخصوص تقول الاستاذة زهرة حيدر رئيس منظمة وعي ان المفوضية فرضت عليهم العمل مع منظمة معينة رغم انها لاتملك المقدرة على تنفيذ المشاريع المطروحة عليها.  و رفضت في الوقت نفسه المنظمات التي تم ترشيحها من قبلنا رغم امكانياتها وسمعتها الطيبة .

كان من الطبيعي ان تتم مقاومة المادة المذكورة من القانون ، فالتقي وفد من المجتمع المدني بريئس كتلة المؤتمر الوطني وقتها غازي صلاح الدين والوزير االمختص احمد هارون وطلب الوفد الغاء المادة 7.  واتضح ان ذلك مستحيل لان القانون كان امام البرلمان وفي مرحلة القراءة الثالثة ، فاستبدل الطلب بالتجميد واستبدلت بعض الكلمات  مثل تقديم وثيقة المشروع ، والتي اصبحت تقديم وصف للمشروع ، وتحديد مدة 15 يوم ، اذا لم ترد الوزارة على الطلب يعتبر ذلك موافقة . واقترح غازي صلاح الدين عمل لوائح لمعالجة تحفظات المجتمع المدني  والتزم الوزير بذلك .

لكن مشروع اللائحة الذي قدمه المستشار القانوني  (لهاك) في اجتماع لاحق وصفته منظمات المجتمع المدني بانه اسوأ من القانون ، ولذلك لم تجاز اللائحة لامن قبل الوزارة او المنظمات ، فاستمر العمل بالتجميد الشفهي للمادة 7 من قبل الوزير حتى عام 2011 ، ويقول د/ حسن انه حسب علمه لم تتعرض منظمة خلال هذا التاريخ للمساءلة وفق المادة 7. وان المشاكل التي حدثت لبعض المراكز مثل مركز الخاتم عدلان كلها كانت بعد هذا التاريخ .

لكن رغم ذلك فان المنظمات كانت قد رفعت قضية دستورية بعد اجازة القانو ن لتعارضه مع المادة 40 من الدستور. قبلت المحكمة الدستورية القضية شكلاً ولكن لم تفصل فيها حتى هذه اللحظة .

القانون الجديد:

رغم ان قانون  2016 قد ارسلت منه نسخ  الى اشخاص مختصين لمعرفة رؤيتهم حوله،  لكن عندما ظهرت المسودة بشكلها الذي ذهبت به الى مجلس الوزراء لم يلاحظ عليها اي تغيير ايجابي فيما يتعلق بالحقوق الدستورية للمنظمت واعضائها.  كما انه يضيق على المنظمات الوطنية اكثر. وفيه ربكة فيما يتعلق بالجهات المسؤلة عن تنفيذ القانون. فالمفوض يعينه رئيس الجمهورية،  لكنه مسؤول امام وزير الرعاية الاجتماعية. كما ان المفوضيين الولائيين يعينهم المفؤض العام ، لكنهم مساءلين امام الولاة.

 هذا الى جانب ان كل المؤاد المختلف عليها في قانون 2006 نقلت تحت مسميات وارقام مختلفة . فالمادة 7 التي تمنع المنظمات اخذ اموال من الخارج او من شخص اجنبي بالداخل الابموافقة الوزير هذه ذات المادة في قانون 2017 التي جاءت في المادة 34 مع تعديل كلمة وزير بكلمة مفوض  واضافت بندا جديدا  يتحدث عن عدم بيع موجودات المنظمة الابموافقة المفؤض .

كما ان قانون 2017 بحسب حسن عبد العاطي ، يعطي سلطات مطلقة وتقديرية لمنفذ القانون ولايوجد تدرج في العقوبات،   وان القانون ركز على الواجبات واغفل الحقوق للمنظمات والاعضاء . فالمنظمات تحتاج الى اذن تحرك ، وهذا يتعارض مع الدستور ، وحتى بعض الموجهات القانونية المرتبطة برفع الحظر الامريكي تنص على حرية الحركة للمنظمات.  وبعض الولايات طبقتها ، لكن معظم الولايات  لم تطبقها . وان اذن التحرك يكون من هاك ، الامن  والاستخبارات العسكرية .

اذاً القانون الجديد وحالة اجازته يكون قد وضع المنظمات تماماً تحت السيطرة الحكومية بالقانون،  ولايرى الاستاذ احمد ابراهيم المحامي فرقاً بين القانون الجديد والذي سبقه ، الا في كون قانون 2006 قد صدر بموجب مرسوم جمهوري، في حين ان الثاني مودع في البرلمان ينتظر الاجازة . فالشاهد في تجربة الماضي مع قانون 2006 ان معظم المشاكل التي حدثت للمنظمات كانت خارج القانون ، بمعنى ان المنظمة يمكن ان تكون قد اخذت كل الاذونات ، لكن يأتي من يوقف نشاطها بدون امر مكتوب بالاستناد الى سلطة.  وهذا يعتبر استغلال للسلطة خارج اطار القانون .

كما ان معرفة بعض موظفي هاك بالولايات بالقانون ضعيفة جداً،  ويمكن ان يصدروا قرار لايستند الى قانون ، والمنظمة  ليس لديها البيئة الصالحة للمعالجة الفورية فتعتمد على (التحنيس) ، او الوساطة، بحسب ناشطين واجهوا مثل هذه الظروف . وضعف المعرفة القانونية يشمل المنظمات ايضاً ، لذلك ظهرت المحاكمات الكثيرة في عمل المنظمات ، وهى ظاهرة يعتبر الايجابي فيها هو الاحتكام للقانون وزيادة معرفة الناس به وعمل سوابق قضائية.  لكن السلبي فيها ان معظمها ناتجة عن عدم اشراك المنظمات في التحضير للقانون .لذلك اعتمدت الدراسة التي اجريت لقانون 2016 من قبل بعض المنظمات  على الحقوق الدستورية وقدمت بديلا لكل مادة  تم انتقادها او التحفظ عليها. وحدث تشاور واسع وسط المنظمات والشخصيات المهتمة بقانون العمل الطوعي . وتمت صياغة كل ذلك في مذكرة قدمت للجهات المعنية كلها واهمها ( هاك) والبرلمان .