من المقرر أن تتخذ إدارة ترامب في مطلع يوليو قراراً محورياً بشأن السودان مفاده أنه يمكن للإدارة الأمريكية أن تلغي كلية العقوبات الشاملة التي تم تعليقها في الأيام الأخيرة من حكم إدارة أوباما، أو تعيد تلك العقوبات، أو ترجيء البت في ذلك القرار إلى حين جمع المزيد من المعلومات والسماح للأشخاص المعيّنين الجدد بشغل مقاعدهم قبل التوصل إلى أي استنتاجات.
وتجدر الإشارة إلى أن القرار المزمع اتخاذه في مطلع يوليو يمثل جزءاً من خطة خماسية المسارات تفاوضت بشأنها إدارة أوباما مع الخرطوم في محاولة منها لتحقيق تقدم ملموس بشأن مجموعة محدودة من القضايا ألا وهي: الشراكة في أولويات مكافحة الإرهاب، وهزيمة حركة جيش الرب للمقاومة، وإنهاء الدعم السوداني لجماعات المعارضة المسلحة في جنوب السودان، وإصدار تشريع ينص على وقف الأعمال القتالية والعدائية، فضلاً عن توسيع نطاق وصول المساعدات الإنسانية.
وفي الحقيقة فإن كلاً من مؤيدي ومنتقدي برنامج العقوبات السوداني الحالي المعيب وغير المواكب للفترة الراهنة يتفقان على أن هذه السياسة لم تعجل بالتغييرات الجذرية اللازمة لإحلال السلام والاستقرار الدائمين في السودان. هذا ويذكر أن الخطة خماسية المسارات في حد ذاتها لن تحقق هذا الهدف أيضاً. وعلى الرغم من أن الخطة تضم العديد من القضايا الحاسمة، إلا أنها لا تصل إلى صميم وجوهر ما يعاني منه السودان: من نظام كليبتوقراطي عنيف يستثني الكثير من أبناء الشعب السوداني، ولا سيما قاطني المناطق المهمشة، وهو الأمر الذي يشكل مصدر معاناة هائلة.
وبغض النظر عن القرار المتعلق بالمسارات الخمسة المزمع اتخاذه في يوليو (الذي تحلله منظمة كفاية Enough في موجز سياسي منفصل)، فإنه من الضروري أن تسعى إدارة ترامب، بالتعاون مع الكونجرس والمجتمع الدولي الأشمل، إلى مواجهة الإخفاقات الحكومية للنظام السوداني بشكل مباشر ودعم خلق حيز سياسي يمكن للجهات الفاعلة السودانية أن تشغله. ويمكن القول بأن أفضل فرصة للقيام بذلك تأتي من خلال طرح مبادرة دبلوماسية جديدة تستند إلى الخطة الحالية خماسية المسار إلا أنها لا ترتبط بها ارتباطاً مباشراً.
وحتى يتسنى معالجة القضايا الأساسية المتسببة في أعمال العنف واختلال الدولة في السودان- فإنه يتعين على إدارة ترامب الشروع على الفور في تصميم وتنفيذ مسار جديد للتعاون مع الخرطوم يركز على السلام وحقوق الإنسان. وينبغي ربط هذا المسار الجديد بمجموعة عقوبات ذكية وحديثة جديدة تستثني الشعب السوداني وتستهدف من يتحملون أكبر قدر من المسؤولية بشأن وقائع الفساد والممارسات الوحشية الكبرى، المتمثلة في الضربات الجوية على القرى، والهجمات على دور العبادة، وعرقلة المساعدات الإنسانية، وسجن وتعذيب شخصيات المعارضة وقادة المجتمع المدني، وتقويض جهود السلام.
لا شك أن إستراتيجية حديثة بقيادة الولايات المتحدة تضم ضغوطاً مالية هادفة سوف تستفيد من الدروس القيِّمة للحالات الأخرى الأكثر بروزاً فضلاً عن الاستفادة من مجموعة العقوبات التي تفرضها الشبكة، وهذا لا يعني استهداف العقوبات لعدد قليل من الأفراد فحسب بل أيضاً استهداف شركائهم في الأعمال التجارية، وميسري الأعمال لهم، والشركات التي يملكونها أو يسيطرون عليها، بجانب الاضطًلاع بتدابير مكافحة غسيل الأموال المصممة خصيصاً لتجميد أصول من يتحملون أكبر قدر من المسؤولية عن العنف والفساد في السودان وإبعادهم تماماً عن النظام المالي الدولي. وينبغي أيضاً ربط هذا المسار الجديد من أجل إحلال السلام وتعزيز حقوق الإنسان بحوافز جديدة للحكومة السودانية، بما في ذلك إعادة النظر في إدراج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، في حالة استيفاء السودان لمعايير تحولية معينة. وعلى الرغم من أن هذا المسار الجديد الهادف إلى إحلال السلام وتعزيز حقوق الإنسان يُعد عملاً ضخماً يتطلب استثماراً كبيراً لرأس المال الدبلوماسي، والمشاركة والإشراف المستمرين للكونجرس والتنسيق القوي متعدد الأطراف – إلا أنه يوفر أفضل فرصة للمواجهة المباشرة للمسببات الأساسية لعدم استقرار السودان، فضلاً عن خلق حيز سياسي يتيح للشعب السوداني ممارسة ضغوطات من أجل إحداث إصلاح حقيقي.