قرشي عوض

 

انقلاب قصر

تعيين بكري حسن صالح رئيساً للوزراء، مع استمرار تكليفه كنائب اول لرئيس الجمهورية، يعتبر بكل المقاييس انقلاب قصر.  لكنه ليس مثل الانقلابات التي اعتدنا عليها،  لاسباب عديدة ، اهمها انه لم يكن انقلاباً على البشير، ولكنه انقلاب على المجموعة التي ارتبطت بها السلطة ، حتى ظن الناس ان لافكاك بينهما الا بنهاية الدولة السودانية ، بل ان البشير نفسه ضالع في الانقلاب ان لم يكن مخططاً له ، كما انه انقلاب لم يقتضي خروج المجنزرات الى الشارع وقفل الكباري ، لانها اصلاً ترابض هناك منذ مجيء الانقاذ ولم تعود الى معسكراتها الا للصيانة ، كما ان الامر لم يتطلب احتلال الاذاعة والتلفزيون، لان هذه المؤسسات تحت السيطرة وترابض امامهما اليات ثقيلة، ولن يخرج الاعاملون فيهما عن الطوع ، الا اذا اصيب احدهم بالجنون ،او وجد عقد عمل خارج السودان، ليصبح ناشطاً اسفيرياً تضرب اليه اكباد الابل ، وايضاً الانقلاب الجديد لم يتم التخطيط له في سكون الليل وعبر لقاءت جمعت الضباط في منزل باحد الاحياء الطرفية ،فالتخطيط تم في وضح النهار ، وعلى خلفية ثورة شعبية، راح ضحيتها 250 شابة وشاب من خيرة بنات و ابناء السودان ، حينها ظهر البشير في ثياب الواعظين، واعلن استعداده لفتح حوار شامل يطال كل ثوابت الانقاذ الا رئاسته هو بالطبع ، ليس لانه جنرال يحكم بالحديد والنار ، ولكن لانه منتخب من قبل الشعب ، الشعب الذي خرج ضده في ثورة شعبية وقدم تضحيات جسيمة وهو يردد ( الشعب يريد اسقاط النظام ). وقد انطلت هذه الحيلة على البعض ممن تداعوا لحوار الوثبة، الذي بقاعة الصداقة بالخرطوم ، وانفض بعد عامين ، وخرج بتوصيات ، تعهد البشير بانفاذها ، بعد ان اشهد الله على ذلك ، ومن ضمن تلك التوصيات استحداث منصب رئيس الوزراء ، واخذت الصحافة السودانية ( فارغات ام حجبات بعر ) تتكهن وتضرب اخماس في اسداس ، وكان العشم بالطبع ان يكون المنصب من نصيب رجل من خارج الحكومة( طبعاً امراة مابتشموا) واخيراً رفعت الاسماء للرئيس ، واختار من بينهم بكري حسن صالح نائبه الاول ، والاقربون اولى بالمعروف.   وهكذا احكم الجيش سيطرته على السلطة، بان امسك باهم المناصب السيادية في يده ، في اخر مفاصلة بينه ومن تبقى من الجماعة التي كانت تعتقد انها قد ضحكت على الضباط وتسلقت عبرهم السلطة ، في حين اتضح ان الجيش قد استخدمهم في اضفاء شرعية على استمرارية حكمه التي تواصلت بعمر السودان الحديث ( معليش حارة والله).

الصراع الطبقي:

احد الذين استفاد النميري من رمزيتهم او شطارتهم ، ثم قلب لهم ظهر المجن ، وما اكثرهم ، كان وقتها وزيراً للداخلية ، وقد اخبرني احد المعتلقين في ذلك الزمان، ان السيد الوزير قد قام بزيارة تفقدية لسجن كوبر،  فانتهز السجناء السياسيون الفرصة وعرضوا مطالبهم عليه ، والمتعلقة بتحسين ظروف السجن،  لكن الرجل لم ينظر في تلك المطالب ، بل قال لهم ان بيننا وبينكم صراعاً طبقياً ، الا تقولون ذلك ؟ اذاً ذوقوا الصراع الطبقي.

بعد ايام قلائل على تلك الزيارة ، انقلب النميري على جماعة السيد الوزير وارسلهم الى السجن العتيق ، وكان من بينهم السيد الوزير ، فاطلق عليه السجناء لقب الصراع الطبقي ، واصبح السجانون ينادونه باسم الصراع الطبقي فكانت تتردد عبارات من على شاكلة ( الصراع الطبقي قوم علي حيلك ، الصراع الطبقي اقعد تحت ). لكن الرجل لم يتعلم ، بل ان جماعته لم تتعلم ، فراحت بعد اطلاق صراح عضويتها عبر انتفاضة الشعب في ابريل المجيد ، راحوا يتمسحون باحذية الجنرالات مرة اخرى . ويبدو انهم على اعتاب مرحلة الدخول الى سجن كوبر ، وسوف يستقبلهم السجناء باغنية ( ياودعة ياملمعة ، شرفت اخواتك الاربعة ) كما استقبل نزلاء سجن المزرعة، قيادات نظام مبارك ، حينها ارجوا صادقاً ان لايكون من بينهم صديقنا الصراع الطبقي ، لانه قد اصبح رجلاً طاعناً في السن ، كما انه لم يستفيد كثيراً من الانقاذ، التي سيتاثر بها اولادانا الصغار على تعبير التيجاني عبد القادر في حديثه عن سيطرة مجموعات العمل الخاص على الانقاذ.

مسؤلية القطار :

قال وزير النقل في تعليقه على حادث دهس القطار لحافلة ركاب بموقف جاكسون وسط الخرطوم، والتي راح ضحيتها 10 اشخاص واصيب اخرون بجروح، قال ان (القطر ماغلطان) ، وهو يعتقد انه قد اطلق جملة طريفة ، مع ان المقام ماساوي ، كعادة اهل الانقاذ، لكن الرجل من خلف هذه الطرفة السمجة كان يحاول ان يبعد المسؤلية عن وزارة النقل فيما حدث ، على وزارة النقل ( طبعاً مسؤلية دفع الديات لا المسؤلية الاخلاقية) ، في اشارة الى ان المسؤلية تتحملها هيئة مواقف مواصلات الخرطوم التابعة لمحلية الخرطوم .

 لكن حسناً سيد الوزير ، فالارض التي اقيم عليها الموقف ، تابعة للسكة حديد التي تتبع لوزارتك ،و السكة حديد قامت بتاجير الارض لهيئة مواقف مواصلات الخرطوم ، وان المراجع العام لم يحصل على عقد الايجار الموقع بين الطرفين ، كما ان الهيئة بعلمكم او علم من يمثلكم ، قد استغلت الارض في انشاء المحلات التجارية اكثر من الاستفادة منها في تقديم خدمة، بايجاد موقف ، وانتم والموقعون معكم تعلمون ، او هكذا يفترض ان المواقف ال3 السكة حديد ، جاكسون و شروني تدخلها 1555 مركبة عاملة ،وان الشوارع المؤدية اليها تزدحم باضعاف هذا العدد من المركبات الخاصة ، وبما ان عقد الايجار لم يحصل عليه المراجع العام، فاننا لاندري كيف تقرر وضع القطار ، الذي لابد له ان يذهب الى الورشة عبر هذا المكان مرة في الاسبوع على الاقل؟.

 ما حدث في موقف المواصلات، يعكس اشتراك الفوضى والفساد وغياب العدالة، في ادارة ليس مواقف مواصلات الخرطوم ، ولكن في ادارة البلاد باسرها .