قرشي عوض

المسؤلية:

كثير من المشاكل التي يتعرض لها مجتمعنا، رغم اختلاف المسببات، الا أنها بشكل اساسي تعود لانعدام الاحساس بالمسؤلية تجاه الذات والمجتمع،  ابادة البشر بدم  بارد، وممارسات التعذيب دون وخز من الضمير ، حرق القرى ، اتخاذ قرارت سياسية من شأنها ان تؤثر على حياة الملايين بصورة سالبة، ممارسة العادات الضارة ، التقصير في اداء الواجب ، كلها  وغيرها الكثير الكثير تعود بشكل اساسي، لانعدام الاحساس بالمسؤلية.

لكن من اين ياتي هذا السلوك؟ من خلال تجربتي القصيرة ، وملاحظاتي القليلة جداً، اطرح سببين اعتقد ان لهما علاقة بما نحن فيه من تبلد  عام تجاه انفسنا وتجاه الحياة من حولنا، بما يلحق الضرر البالغ بنا وبالحياة لدرجة التدمير ، يشيرالسير هارولد مكمايكل في كتابه السودان، حينما طرح السير جيمس كري مدير مصلحة المعارف في مجلس الحاكم العام  خطته التعليمية ، انه، اي السير مكمايكل، قد لاحظ عليها انها تقوم على وعد من السلطة بايجاد وظيفة في الدولة ، وتتجاهل الاهداف الاساسية للتعليم، من تنمية البحث عن الحكمة ، والاحساس بالمسؤلية ، وانها سوف تفتح الباب امام التنافس وسط النخبة على الوظائف الحكومية ، والتنافس المذهبي والطائفي على السلطة. اظن نبوءة هذا الخواجة قد تحققت.

السبب الاخر يعود الى اصول الفقه الاسلامي في المذهبين السني والشيعي ، فهى تبيح اشياء تتعارض مع القواعد الاخلاقية السليمة وتقوم بالتأصيل لها ، مثل فقه الضرورة ، والحرب خدعة والضرورات تبيح المحظورات ، والتستر على اخطاء السلف مثل التصرف في رواية الاثار الاسلامية ،بمافيها الاحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، على نحو مايفعل البخاري ، ويقوم ابن حجر العسقلاني في فتح الباري على صحيح الامام البخاري بايجاد المبررات لشيخه في هذا التصرف، الذي يتعارض مع قاعدة اخلاقية مهمة، وهى الامانة،  كما تصل تلك التجاوزات حد اباحة اغتصاب الطفلات كما يجوز اهل السنة زواج الطفلة في سن التاسعة ، ويجوز الشيعة مفاخذة الطفلة،  النظام الاخلاقي عندنا والمستند على هذا الفقه هو الذي يغذي عدم الاحساس بالمسؤلية في دواخلنا، بالتالي هو المسؤل عن تدمير حياتنا .

 

ابراهيم محمود نموذجاً:

ابراهيم محمود نائب رئيس الجمهورية، بدلاً من القيام بواجبه الدستوري حيال القرار الذي اصدره الرئيس الامريكي ترامب بشان المهاجرين السودانين، تفرغ سيادته لتصفية حساباته السياسية مع المعارضين لحكومته، من هؤلاء الذين ينتظر ان يبعدوا من امريكا ، فقال اننا لن نستقبل منهم كل من يعارض عبر صحيفته الاليكترونية، مما يعكس احساس  الرجل بعظمة بالمنصب الذي يشغله.

الرئيس ترامب بقراره هذا، فانه لايحترم المعايير الدولية للهجرة، التي ينص عليها الدستور الامريكي، وينظمها القانون الخاص بها ، مما ادخله في صراع مع الجهات العدلية في بلاده ، والمعركة برمتها تحولت الى معركة داخل المجتمع الامريكي الذي اظهر المجتمع المدني فيه، كما اظهر القضاء قدراً عالياً من المسؤلية تجاه دستور الولايات المتحدة وصورة هذا الدولة الكبيرة في نظر الشعب الامريكي وكل شعوب العالم ،في حين ان حديث ابراهيم محمود يثبت العكس تماماً مما يوضح الفرق بين ثقافة تعلي من قيمة المسؤلية الاجتماعية ، واخرى تحط منها .

نموذج اخر:

النخلة شجرة مباركة يعرف اصحابها قيمتها من ثمرها حتى جريدها وساقها وشوكتها، وقد تأثر بها النظام الاجتماعي لاهل شمال السودان ، فسموا بها الجميلات من النساء ، وودخلت في اغانيهم (شتلة قريرة والفجر نبحاً بوابيرا) وفي الشعر الحديث ( اني اتطلع لامراة نخلة) وغيرها ، لكن يبدو ان تلك النخلة سوف تنقص رقبتها كما تنبأ الراحل حميد مام اعيننا ، بعد استيراد فسائل خليجية مصابة بالفطريات كما اكد ذلك معمل مطار الخرطوم وصدقه المعمل المركزي ، لكن رقم ذلك وجدت هذه الفسائل طريقها الى مناطق الانتاج مما يعني ان من يقف من وراء استيرادها شخصية كبيرة، يمكن ان يتم تجاوز القانون من اجل سواد عيونها ، او من اجل صلة قربتها بمن بيدهم الامر . فالثابت من غير نتائج الفحص المعملي ان تلك الفسائل قد تسببت في هلاك اكثر من 400 الف نخلة في المملكة المغربية ، مما يؤكد ان اقتصاد السوق الحر الذي لايستند على غير تحقيق اكبر قدر من الربح ، مدمر للبيئة ، وللانسان ، وهذا بدروه يؤكد انعدام الاحساس بالمسؤلية ، ليس عند من اتخذ القرار باستيراد تلك الفسائل ، ولكن عند من اتخذ مجمل تلك السياسات  التي لاتعبأ بمستقبل البلاد، والذي يرتبط بدوره بالسياسة التعلمية، وضعف النظام الاخلاقي المرتبط باصول الفقه التي سبقت الاشارة اليها .