كمال الجزولي

قانون النِّظام العام لسنة 1996م صدر، في البداية، ليسري في ولاية الخرطوم. ثمَّ صدرت، لاحقاً، قوانين مشابهة بولايات أخرى. لكن، منذ صدوره، أوَّل أمره، وأصداء الاحتجاجات تكاد لا تخفت إزاء ظلاماته على مختلف القطاعات، خصوصاً على النِّساء اللاتي يعتبرهنَّ مصدر كلِّ الشُّرور، ويحمِّلهنَّ أوزار جميع المحرَّمات، رغم كونهنَّ، هنَّ أنفسهنَّ، ضحايا جلَّ الظواهر الاجتماعيَّة السَّالبة، كالاغتصاب، والتَّحرُّش، وقمع الحقوق، والدَّعارة المقنَّعة، والاستغلال الجِّنسي، والإتجار الرَّأسمالي بأجسادهنَّ في الإعلان والدِّعاية، وهلمَّجرَّا!

ولأن المعلن عن هذا القانون هو إسلاميَّة خلفيَّته، فإن محور الارتكاز الأساسي لهذه الاحتجاجات هو حقيقة أن المجتمع، في التَّصوُّر الإسلامي، على خلاف المجتمع الجَّاهلي، وحدة متكاملة، حيث المرأة والرَّجل متساويان في الكرامة الإنسانيَّة، وتلك أهمُّ مقوِّمات الشَّخصيَّة، “فالجِّنسان متساويان.. والله يُفاضل بين هؤلاء الذين هم جزء من أمَّته، هؤلاء الذين لهم الحقُّ في ثوابه بدون حدٍّ. وليس الجِّنس هو ما يحدِّد فضله؛ إنه الإخلاص والرَّغبة في خدمته وطاعته” (فاطمة المرنيسي؛ الحـريـم السِّياسـي ـ النَّبـي والنِّسـاء، ط 2، دار الحصاد، دمشق 1993م، ص 150).

ولئن كان الواجب أن تنعكس هذه السَّويَّة في الوثائق القانونيَّة الوطنيَّة والدَّوليَّة، فالاحتجاجات على القانون إنَّما تنصبُّ، بالأساس، على مصادمته لجملة التَّصوُّرات الشَّعبيَّة، النابعة من (الفطرة السَّليمة) فضلاً عن (النُّصوص الدِّينيَّة)، حول الخير والشَّر، والصَّواب والخطأ، والجَّمال والقبح، والفضيلة والرَّذيلة، مِمَّا يرتِّب لنتائج كارثيَّة على صعيد التَّكوين النَّفسي الاجتماعي، خصوصاً في مستوى الأخلاق والمُثُل العليا.

من جانب آخر تكاد لا تجد مَن يدافع عن هذا القانون غير القوى الاجتماعيَّة الدَّاعمة للسُّلطة. وإذا لم يكن مستغرباً، بحكم بنية الوعي الذُّكوري السَّائدة، أن يتصدَّر كثير من الرِّجال، بالأساس، كتلة المدافعين عن تشريع ترى النِّساء فيه ظلماً لهنَّ، فإنه لمِمَّا يثير الاستغراب، حقَّاً، أن تجد، من جانب آخر، نساء يبدين قدراً من ضعف الحساسيَّة إزاءه. وكنَّا سقنا، على سبيل المثال، في مناسبة أخرى، رفض مريم جسور، المحسوبة على التَّيَّار الإسلاموي، والنَّائبة السَّابقة لرئيس المجلس التَّشريعي لولايـة الخرطـوم، إلغـاء أيٍّ مـن مـواده، معـتبرة، بمـلء فيها، أنه “لا يتعارض مع الدُّستور، وأن صلاحياته .. لا تتعدَّى النَّواحي التَّنظيميَّة!” (الجَّريدة؛ 20 أكتوبر 2012م)، رغم أن قمعه للنِّساء مِمَّا لا يحتاج إلى فانوس ديوجينس للكشف عنه.

مؤخَّراً أوردت الصُّحف، على هذا الصَّعيد، خبرين، بفارق بضعة أشهر. أوَّلهما يشير إلى أن الرِّياح بدأت، لسبب أو آخر، تهبُّ، حتَّى داخل المؤسَّسة التي تنتمي إليها القياديَّة الإسلامويَّة، بالمخالفة لموقفها وموقف شريحتها المعلن، مِمَّا كشف عنه عوض الحسن النُّور، وزير العدل النَّائب العام السَّـابق، مطالع العام الجَّاري (2017م)، حين أعلن عن بروز اتِّجاه، داخل السُّلطة نفسها، لتعديل هذا القانون، وعن تكوين لجنة، لهذا الغرض، برئاسة رئيس القضـاء الأسـبق دفـع الله الحاج يوسف (الصَّيحة؛ 5 فبراير 2017م). ولأن مثل هذا الاتِّجاه مرغوب فيه، وحتَّى لا يجـيء التَّعديل شكليَّاً، أو متنكِّباً للمسائل الرَّئيسة إلى الهامشيَّة، فقد شرعنا، مع غيرنا من الخبراء ونشطاء المجتمع المدني، في العمل، أكثر من أيِّ وقت مضى، على تعميق الوعي الاجتماعي بالظلامات المشار إليها، وبمفارقتها الخشنة لمبادئ الإسلام، ومن ثمَّ تعيين المواد التي ينبغي أن تطالها، تحديداً، يد التعديل، أو حتَّى الإلغاء.

مع ذلك عادت قياديَّة نسائيَّة أخرى لتكرِّر نفس موقف جسور الخاطئ، وذلك إزاء خبر جديد فحواه مشروع اتفاقيَّة عربيَّة لمناهضة العنف ضدَّ النِّساء. وحتَّى لا يرتجَّ الأمر على البعض، فلا يرى علاقة بين العداء للنِّساء في (قانون النِّظام العام) وبين العنف ضدَّ النِّساء في (مشروع الاتِّفاقيَّة العربيَّة)، نشير إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار بتعريف مصطلح (العنف ضدَّ النِّساء) في لغة الوثائق الدَّوليَّة، والذي لا يقتصر على الأفعال المادِّيَّة. فـ (الاتفاقيَّة الدَّوليَّة لمناهضة العنف ضدَّ المرأة لسنة 1993م) تُدرج (عنف الدَّولة) الذي تمارسه بطريق التَّشريعات ضمن مفهوم (العنف) ضدَّ المرأة (المادَّة/2/ج)، فضلاً عن أن وثائق منظمة الصَّحة العالميَّة تعرِّف (العنف) ضدَّ المرأة بأنّه “أيُّ فعل عنيف تدفع إليه عصبيَّة الجِّنس، ويترتَّب عليه، أو يُرجَّح أن يترتَّب عليه أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجُّسمانيَّة أو الجِّنسيَّة أو النَّفسيَّة .. سواء حدث ذلك في الحياة العامَّة أو الخاصَّة“.

ومعلوم أن الفعل قد يكون مادِّيَّاً أو معنويَّاً/نفسيَّاً. ومثلما قد يصدر عن الأفراد، يمكن أن يصدر، أيضاً، عن تشريعات الدَّولة أو سياساتها. وأثره يمكن أن يؤذي أو يسبِّب معاناة. وعصبيَّة الجِّنس إنَّما تعني عصبيَّة الجَّندر. والحياة العامَّة هي حياة المجتمع بأسره، بينما الحياة الخاصَّة هي حياة الأفراد.

الشَّاهد أن مشروع (الاتِّفاقيَّة العربيَّة) جاء بمبادرة من (ائتلاف البرلمانيَّات) في الدُّول العربيَّة، وحدَّد الالتزامات، والتَّدابير التَّشريعيَّة، للنُّهوض بحقِّوق النِّساء في الحماية، والعيش بكرامة، وفي مأمن من العنف في المجالين العامِّ والخاصِّ، وإلغاء كلِّ القوانين والممارسات التَّمييزيَّة ضدَّ المرأة، كما يمنع الدُّول من ابداء أيِّ تحفظ على بنود الاتفاقيَّة.

مع كلِّ ذلك، ومع أن المشروع يضمن الوقاية، والتَّعويض للضَّحايا، أثناء فترات السِّلم، كما وأثناء النِّزاعات المسلحة، إلا أن أميرة السِّر، النَّائبة الاسلامويَّة بالبرلمان السُّوداني، وعضو (ائتلاف البرلمانيات العربيَّات)، ضيَّقت واسعاً، في نموذج آخر لما يمكن وصفه بالمقاومة النِّسائيَّة المستغرَبة لجهود نصرة المرأة، عندما صرَّحت، عقب انفضاض مائدة مستديرة كانت قد التأمت لمناقشة المشروع، بأنه جاء، فقط، لمجابهة “واقع الحروب والهجرات في العالم العربي وتأثُّر المرأة به!” (الأيَّام؛ 15 مايو 2017م)، مِمَّا يشي بالنِّيَّة المضمرة للالتفاف على أغراض الاتِّفاقيَّة!

منهج الازورار هذا عن المجابهة المستقيمة للمشكلات التي تعانيها المرأة، ليس بالضرورة في ظروف الحرب فقط، وإنَّما حتى في ظروف السِّلم، هو ما يقول عنه الباحث بابكر فيصل إنه يشبه تنظيف الغرفة بدسِّ الأوساخ تحت البساط! ويسدِّد نقده لمنهج تقدير حجم المشاكل الإجتماعيَّة، وأساليب التصدي لها، بافتراض الفلاح في محاربة (الظواهر السَّالبة) لمجرَّد إصدار قوانين (تحظرها)، حتى لو كانت نتيجة ذلك تمدُّد تلك الظواهر (تحت السطح) بصورة أكبر مِمَّا كانت عليه (سودانايل؛ 30 مارس 2017م).

وبعد .. لئن كان ثمَّة ما هو أسوأ من هذا المنهج الأعوج، فهو تأسيسه، زوراً وبهتاناً، على منصَّة الإسلام! ولئن كان ثمَّة ما هو أسوأ من دفاع (الرِّجال السُّلطويين) عن ظلم قانون النِّظام العام لجنس (النِّساء)، فهو دفاع (النِّساء السُّلطويَّات) عن ذات هذا القانون وظلمه!

الميدان