بابكر فيصل بابكر

هذه بعضُ مقتطفاتٍ من المقدمة التي سطرَّها العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون (1332 – 1406م) مؤسس علم الإجتماع “العمران البشري” لمؤلفه الضخم الموسوم “كتاب العبر” يتحدث فيها عن العرب. 

(1)

باب ( في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب )

والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية بإستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلقاً وجبلة ، وكان عندهم ملذوذٌ لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم وعدم الإنقياد لسياسة وهذه الطبيعة منافية للعمران.فالحجر مثلاً إنما حاجتهم إليه لنصبه أثافي القدر ، فينقلونه من المباني ويخربونها عليه ويعدونه لذلك. والخشب أيضاً إنما حاجتهم إليه ليعمروا به خيامهم ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم فيخربون السقف عليه لذلك فصارت طبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو أصل العمران هذا في حالهم على العموم.

أيضا طبيعتهم إنتهاب ما في أيدي الناس ، وأن رزقهم في ظلال رماحهم وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه بل كلما إمتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون إنتهبوه لا يكلفون على أهل الأعمال من الصنائع والحرف أعمالهم ولا يرون لها قيمة ولا قسطاً من الأجر والثمن. ليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض إنما همَّهم ما يأخذونه من أموال الناس نهباً وغرامة.

وأيضاً فهم متنافسون في الرئاسة وقل أن يسلم أحدٌ منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل وعلى كره من أجل الحياء ، فيتعدد الحكام منهم والأمراء وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام فيفسد العمران وينقض. قال الأعرابي الوافد على عبد الملك لما سأله عن الحجاج وأراد الثناء عليه عنده بحسن السياسة والعمران فقال ‏:‏ تركته يظلم وحده‏.‏ وانظر إلى ما ملكوه وتغلبوا عليه من الأوطان من لدن الخليقة كيف تقوض عمرانه وأقفر ساكنه وبدلت الأرض فيه غير الأرض‏:‏ فاليمن قرارهم خراب إلا قليلاً من الأمصارة وعراق العرب كذلك قد خرب عمرانه الذي كان للفرس أجمع والشام لهذا العهد كذلك وإفريقية والمغرب لما جاز إليها بنو هلال وبنو سليم منذ أول المائة الخامسة وتمرسوا بها لثلاثمائة وخمسين من السنين قد لحق بها وعادت بسائطه خراباً كلها بعد أن كان ما بين السودان والبحر الرومي كله عمراناً تشهد بذلك آثار العمران فيه من المعالم وتماثيل البناء وشواهد القرى والمدر‏.‏ والله يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين‏.‏

(2)

باب ( في أن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط)

وذلك أنهم بطبيعة التوحش الذي فيهم أهلُ إنتهاب وعيث وينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر ، ويفرون إلى منتجعهم بالقفر ولا يذهبون إلى المزاحفة والمحاربة إلا إذا دفعوا بذلك عن أنفسهم فكل معقل أو مستصعب عليهم فهم تاركوه إلى ما يسهل عنه ولا يعرضون له.

والقبائل الممتنعة عليهم بأوعار الجبال بمنجاة من عيثهم وفسادهم لأنهم لا يتسنمون إليهم الهضاب ولا يركبون الصعاب ولا يحاولون الخطر. وأما البسائط فمتى اقتدروا عليها بفقدان الحامية وضعف الدولة فهي نهب لهم وطعمة لآكلهم يرددون عليها الغارة و النهب و الزحف لسهولتها عليهم إلى أن يصبح أهلها مغلبين لهم ثم يتعاورونهم باختلاف الأيدي و انحراف السياسة إلى أن ينقرض عمرانهم و الله قادر على خلقه و هو الواحد القهار لا رب غيره.

(3)

باب ( في أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك )

والسبب في ذلك أنهم أكثر بداوة من سائر الأمم وأبعد مجالاً في القفز وأغنى عن حاجات التلول وحبوبها لإعتيادهم الشظف وخشونة العيش ، فاستغنوا عن غيرهم فصعُب إنقياد بعضهم لبعض, ورئيسهم محتاج إليهم غالبا للعصبية التي بها المدافعة, فكان مضطراً إلى إحسان ملكتهم وترك مراغمتهم لئلا يختل عليه شأن عصبيته فيكون فيها هلاكه وهلاكهم.

و سياسة الملك و السلطان تقتضي أن يكون السائس وازعاً بالقهر و إلا لم تستقم سياسته و أيضاً فإن من طبيعتهم كما قدمناه أخذ ما في أيدي الناس خاصة و التجافي عما سوى ذلك من الأحكام بينهم و دفاع بعضهم عن بعض فإذا ملكوا أمة من الأمم جعلوا غاية ملكهم الانتفاع بأخذ ما في أيديهم و تركوا ما سوى ذلك من الأحكام بينهم و ربما جعلوا العقوبات على المفاسد في الأموال حرصاً على تكثير الجبايات و تحصيل الفوائد فلا يكون ذلك وازعاً و ربما يكون باعثاً بحسب الأغراض الباعثة على المفاسد و استهانة ما يعطي من ماله في جانب غرضه فتنمو المفاسد بذلك و يقع تخريب العمران فتبقى تلك الأمة كأنها فوضى مستطيلة أيدي بعضها على بعض فلا يستقيم لها عمران و تخرب سريعاً شأن الفوضى كما قدمناه فبعدت طباع العرب لذلك كله عن سياسة الملك.

 

 (4)

باب ( في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة )

والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم إنقياداً بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبُعد الهمة والمنافسة في الرئاسة فقلما تجتمع أهواؤهم فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم, وذلك بما يشملهم من الدين المُذهب للغلظة والإلفة الوازع عن التحاسد و التنافس فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهم مذمومات الأخلاق و يأخذهم بمحمودها و يؤلف كلمتهم لإظهار الحق تم اجتماعهم و حصل لهم التغلب و الملك.

وهم مع ذلك أسرع الناس قبولاً للحق والهدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات وبراءتها من ذميم الأخلاق إلا ما كان من خلق التوحش القريب المعاناة المتهيئ لقبول الخير ببقائه على الفطرة الأولى وبعده عما ينطبع في النفوس من قبيح العوائد وسوء الملكات فإن كل مولود يولد على الفطرة كما ورد في الحديث.

 (5)

باب ( في أن العرب أبعد الناس عن الصنائع )

والسبب في ذلك أنهم أعرق في البدو وأبعد عن العمران الحضري وما يدعو إليه من الصنائع وغيرها والعجم من أهل المشرق وأمم النصرانية عدوة البحر الرومي أقوم الناس عليها لأنهم أعرق في العمران الحضري وأبعد عن البدو وعمرانه حتى إن الإبل التي أعانت العرب على التوحش وفي القفر والإعراق في البدو مفقودة لديهم بالجملة ومفقودة مراعيها والرمال المهيئة لنتاجها ولهذا نجد أوطان العرب وما ملكوه في الإسلام قليل الصنائع بالجملة حتى تجلب إليه من قطر آخر.

وانظر بلاد العجم من الصين والهند وأرض الترك وأمم النصرانية كيف استكثرث فيهم الصنائع واستجلبها الأمم من عندهم وعجم المغرب من البربر مثل العرب في ذلك لرسوخهم في البداوة منذ أحقاب من السنين ويشهد لك بذلك قلة الأمصار بقطرهم كما قدمناه فالصنائع بالمغرب لذلك قليلة وغير مستحكمة الأماكن من صناعة الصوف من نسجه والجلد في خرزه ودبغه فإنهم لما استحضروا بلغوا فيها المبالغ لعموم البلوى بها وكون هذين أغلب السلع في قطرهم لما هم عليه من حال البداوة.

 وأما المشرق فقد رسخت الصنائع فيه منذ ملك الأمم الأقدمين من الفرس والنبط والقبط وبني إسرائيل ويونان والروم أحقابا متطاولة فرسخت فيهم أحوال الحضارة ومن جملتها الصنائع كما قدمناه فلم يمح رسمها وأما اليمن والبحرين وعمان والحزيرة وإن ملكه العرب إلا أنهم تداولوا ملكه آلافاً من السنين في أمم كثيرين منهم واختطوا أمصاره ومدنه وبلغوا الغاية من الحضارة والترف مثل عاد وثمود والعمالقة وحمير من بعدهم والتبابعة والأذواء فطال أمد الملك والحضارة واستحكمت صبغتها وتوفرت الصنائع ورسخت فلم تبل ببلى الدولة كما قدمناه فبقيت مستجدة حتى الآن واختصت بذلك للوطن كصناعة الوشي والعصب وما يستجاد من حول الثياب والحرير فيها والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين..

(6)

 في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم ))باب

من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم وليس في العرب حملة علم لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية إلا في القليل النادر‏, وإن كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي‏.‏

والسبب في ذلك أنَّ الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة وإنما أحكام الشريعة التي هي أوامر الله ونواهيه كان الرجال ينقلونها في صدورهم وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنة بما تلقوة من صاحب الشرع وأصحابه.

والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين ولا دفعوا إليه ولا دعتهم إليه حاجة وجرى الأمر على ذلك زمن الصحابة والتابعين وكانوا يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله : القراء: أي الذين يقرؤون الكتاب وليسوا أميين لأن الأمية يومئذ صفة عامة في الصحابة بما كانوا عرباً فقيل لحملة القرآن يومئذ: قراء إشارة إلى هذا فهم قراء لكتاب الله والسنة المأثورة عن رسول الله.

فلما بعد النقل- من لدن دولة الرشيد فما بعد- احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية وتقييد الحديث مخافة ضياعه ثم احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل الناقلين للتمييز بين الصحيح من الأسانيد وما دونه ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسنة وفسد مع ذلك اللسان فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية وصارت العلوم الشرعية كلها ملكات في: الاستنباطات والاستخراج والتنظير والقياس واحتاجت إلى علوم أخرى وهي وسائل لها من : معرفة قوانين العربية وقوانين ذلك الاستنباط والقياس والذب عن العقائد الإيمانية بالأدلة لكثرة البدع والإلحاد فصارت هذه العلوم كلها علوما ذات ملكات محتاجة إلى التعليم فاندرجت في جملة الصنائع.

وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر وأن العرب أبعد الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية وبعد عنها العرب وعن سوقها, والحضر لذلك العهد هم : العجم أو من في معناهم من الموالي وأهل الحواضر الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من : الصنائع والحرف لأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس.

وأما العلوم العقلية أيضاً : فلم تظهر في الملة إلا بعد أن تميز حملة العلم ومؤلفوه واستقر العلم كله صناعة فاختصت بالعجم وتركتها العرب وانصرفوا عن انتحالها فلم يحملها إلا المعربون من العجم- شأن الصنائع كما قلناه أولاً- فلم يزل ذلك في الأمصار ما دامت الحضارة في العجم وبلادهم من: العراق وخراسان وما وراء النهر.

boulkea@gmail.com