مبارك أردول  

 

عودة مرة أخرى للتعليق ومناقشة ما كتبه دكتور  محمد جلال هاشم بعنوان “عرمان وأبناء الحركة المستقلة” والتي كنت قد ناقشت عجز المقالة وتركت صدرها باعتبار إنه يحتاج لهدوء ووقت حتى أتمعن مقاصده ويستطيع القارئ بدوره التوقف عند ردي له، فقد قال دكتور محمد جلال في صدر مقالته ( …. في زمن يعود لحوالي 2005م م تحذير أبناء الحركة المستقلة بالحركة الشعبية أنه لن تقوم لهم قائمة طالما ظلت مقاليد الأمور في يد ياسر عرمان .ذلك لخشية الاخير منهم لكونه لا يزال ماركسيا من جانب ولكونهم يمتلكون فكريا مخالفا للماركسية من الجانب الآخر. وكان واضحا أن الطريقة الوحيدة التي ستسمح لهم بالصعود أعلى سلم القيادة بموجب ما يستحقون وما يتمتعون به من مؤهلات، هو الخضوع التام لياسر وهو ما كان دونه خرط القتاد. هذا بصورة عامة، أما بخصوص أبكر آدم إسماعيل، وهذه شهادتي كمعايش لصيق لتلك الفترة، فقد ناصبه ياسر عرمان بالعداوة وبادر بها حيث كان يعلم أنه رأس الحربة في لفيف أبناء الحركة المستقلة الذين انضموا للحركة الشعبية وفق منهج التحليل الثقافي. ومكائد ياسر عرمان لابكر آدم إسماعيل مما يعرفه جميع أبناء الحركة المستقلة داخل الحركة الشعبية)  أنتهي الإقتباس.

 

أولا لا أدري هل هنالك تنظيم داخل الحركة الشعبية بهذا المسمى “أبناء الحركة المستقلة” أم لا؟ ومن هو رئيسه؟  وكيف هو هيكله وعلاقته بالحركة الشعبية؟  لانني حسب معرفتي إن أي شخص إنضم للحركة ينضم إليها كفرد ولا توجد تنظيمات داخل تنظيم، وحتى فكرة الإندماج رفضها دكتور جون قرنق من قبل فترة لتنظيمات كثيرة، وطلب من أفرادها الإنضمام كأفراد، وبما إن التصريح نفسه يشير الي ذلك، وهو شي خطير يجب التحقق من صحته عبر الجهات المختصة، حتى لا يحدث إختطاف لمشروع الحركة الشعبية، لكن لا أريد أن أتوقف عن مدى صحة إتهام جلال للرفيق ياسر بانه كان صحيح يقف ضد أبناء الحركة المستقلة أم لا؟ وحتى ولو صح ذلك فهل هذه حسنة أن مسبة؟  فاعتقد إن مهام أي أمين عام وككل الأمناء العاميين في أي من التنظيمات عليهم أن لايسمحوا بوحود تكلتلات خطيرة مثل هذه، تاخذ طوابع تنظيمية أو إثنية وداخل الحزب، دعك أن يصرح بها جلال مستنكرا ذلك صراحة، وعليه كأمين عام المحافظة على وحدة التنظيم الفكرية والسياسية حسب المشروع الذي يتبناه الحزب او الحركة، وعليه أيضا المساواة بين كوادرها ومراقبة ذلك بشكل دقيق، فهذا الامر لا جدال عليه الان، ومع ذلك هو ليس موضوعي في المقالة هذه.

 

والذي أستوقفني هو المفهوم الضمني حاليا إن الحركة الشعبية التي سيرأسها الرفيق عبدالعزيز سيحتشد ويتكالب عليها أبناء الحركة المستقلة وسيرثونها بإعتبار إن العارض قد ذهب وخلى لهم المقام (حسب كلام د. محمد جلال هاشم)، وهذا ليس الأمر إذا كان دخولهم إليها كأفراد وجنود مقاتلين ويأخذون مواقعهم في صفوف الجيش والحزب معا فلا غضاضة في ذلك، ولكن لن يكونوا هناك حتما، بل سيأتون لشغل مواقع متوهمة صنعوها هم لإنفسهم ويفتكرون أن في الحركة فراغ في مواقع التنظير والتفكير والعمل السياسي وغيره (Software) ويتركوا الجيش وبقية (Hardware) لناسه وحسب مفهومهم أن الناس أصلا مقاتلين وليسوا بفكرين وهم في حاجة إليهم.

 

وهذا ليس هو الأمر أيضا، بل موضوعي إلي اي إتجاه سيقود عملهم في التفكير والتنظير هذه؟ ووفقا لما أضافه دكتور محمد جلال هاشم في نفس المقالة عداء عرمان لأبكر آدم إسماعيل، وقال (هذه شهادتي كمعايش لصيق لتلك الفترة ) بأن عرمان كان يعلم إن أبكر هو  (… رأس الحربة في لفيف أبناء الحركة المستقلة الذين انضموا للحركة الشعبية) ولكن وفق ماذا كان الإنضمام هل كقناعة لمشروع الحركة الشعبية وهو السودان الجديد؟ لا بل نترك لكم الإجابة عند د. محمد جلال فقال (وفق منهج التحليل الثقافي )، وحتى نبعد من الخلط فمنهج التحليل الثقافي ليس هو مشروع السودان الجديد بل مشروع أقل سقفا منه، سنبينه لاحقا، ولكن نتوقف عنه قليلا هنا لنعود إليها لاحقا، وبالإضافة لتلك المقالة فقد رشحت إلي معلومات من القاهرة أنهم يقومون بإعداد دستور حاليا بديل لدستور 2013م والذي تصدر معارضته أبكر آدم إسماعيل وأيضا منفستو وبالتنسيق مع أبكر، ودستورهم الجديد ومنفستوهم قائم على منطلقاتهم (جدل التحليل الثقافي) حسب دكتور جلال، وليست قضايا المناضلين في أرض الواقع وهذا هو الدور الذي يعتقدون أنه عليهم القيام به الآن، وحتى إن كانت بروسترويكا (إعادة البناء) يا رفيق فقد قال عنها الزعيم الصيني ديينغ شياو بيينغ من قبل يجب أن لا تأتي من أعلى الي أدني (Top down approach) كما فعلها غورباتشوف بل عليها أن تكون من صنع الشعب الصيني نفسه وعليه أن يقطع النهر بنفسه ويتحسس الحصى بإرجله.

 

وإذا تركت أمر التغيير في المركز أي كان لوقت لاحق وركزت حديثي هذا عن قضايا القوميات المهمشة (الخصوصيات) وخاصة قضايا عضوية الحركة من جبال النوبة، وبما أن الحركة الشعبية التي يقودها الرفيق عبدالعزيز يقف معها العضوية في الجيش والحزب من جبال النوبة(بغض النظر عن التفاصيل) ويثقون بانها سوف تجلب لهم الحقوق فأقول، النضال في جبال النوبة لم يبدأ بالحركة الشعبية بل قد بدأ قبلها منذ الخمسينيات أو قبلها ضد النظام في المركز، منذ إتحاد عام جبال النوبة كأول جسم منظم جمعهم وبعدها تراكمت نضالات الحركة السياسية في جبال النوبة حتى وصلنا إلى الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، وفي كل المراحل كانت القضايا الثقافية واحدة من القضايا وليست الكل كما يستند عليها جماعة (منهج التحليل الثقافي) هؤلاء، ولما هم يريدون الإنضمام للحركة لتغيير مشروعها ومرتكزاتها لا المساهمة في تطويرها وتقديمها.

 

الأصل الذي بدأ وحرك النضال في جبال النوبة (موضوع النقاش) كانت قضايا المشاركة السياسية في السلطة، ومن ثم القضايا الاقتصادية المتمثلة في ملكية الأراضي كلها وخاصة المشاريع الزراعية، وتأتي بعدها القضايا الأجتماعية وأخر قائمة الإهتمامات كانت القضايا الثقافية، ومازالت القضايا حسب ترتيبها أعلاه تشكل الأولوية في تصدر لأئحة المطالب التي يناضل من أجلها المناضلين في جبال النوبة، ولذلك كانت الحركة الشعبية هو التنظيم الوحيد الذي وجدوا أنفسهم فيه، والتي تكاملت فيها الأهداف مع الوسائل، وبذلك تفوقت على الحزب القومي السوداني الذي ترأسه الأب فيليب غبوش، وعندما أطلق لهم القائد المعلم يوسف كوة مكي دعوته الشهيرة بأن يأتوا ويلتحقوا به في الحركة الشعبية، بعد أن بعثه تنظيم الكمولو في إجتماعهم الشهير لم يترددوا من الإلتحاق به.

 

خطورة تغيير المسار والأهداف والأولويات كالتي يحاول جماعة التحليل الثقافي القيام الآن (بعد أن خلى لهم الجوء حسب محمد جلال) إنه لن يخاطب  جوهر القضايا والأجندة التي ناضل من أجلها المناضلين في جبال النوبة وضحوا بارواحهم وأموالهم منذ تأسيس إتحاد عام جبال النوبة مرورا بحركة كمولو وحركة مبارك الماشا والحزب القومي بفروعه المختلفة، ولن يجلب لهم الحلول التي يرجونها، فالقضايا الثقافية إذا أخذت وحدها دون بقية الحزمة من حقوق سياسية وإقتصادية وغيرها (كما يطرحها قرنق مبيور) فسوف تظلون مهمشين سياسيا وأقتصاديا وبالبساطة قضية مثل (اراضيكم لن تكون في أيديكم)، ولو أخذت القضايا الاقتصادية أيضا دون بقية الحزمة فسوف تظلون مهمشين سياسيا وثقافيا وكما يقول المثل(سلطة في الساق ولا مال خناق) ولو حلت قضايا التمثيل السياسي دون بقية الحزمة فسوف تظلون مهمشين إقتصاديا وثقافيا (مثل السود في جنوب إفريقيا)، وحتي يقع عليكم حديثي أعلاه، والذي قد يعتبره البعض كلام أفندية (ساكت)، علي ان أعطي نماذج  عن بقية شعوب العالم الذين ناضلوا قبلنا وحسب ما أنجزوه من الحزم أعلاه والتقصير الذي لاقوه

 

السود في جنوب إفريقيا : بعد نضال طويل قادهم المؤتمر الوطني الافريقي استمر عشرات السنين تحصلوا على حقوقكم السياسية والثقافية واخذوا السلطة من البيض وأصبحت ثقافتهم جزء من الثقافة المكونة للثقافة القومية ولغاتهم اصبحت معترف بها، ولكن ظل الاقتصاد وما ارتبط به من أراضي زراعية ومناجم ذهب وغيرها في يد البيض فوجدوا السلطة فقط دون المال وأصبحوا كالذي في يده (حبال بدون بقر)، لذلك الآن برزت حركة قوية داخل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي بعد أكثر من عشرين عام من الانتصار السياسي لتنظيم الصفوف مجددا من أجل إستكمال النضال والحصول علي بقية الحقوق خاصة الاقتصادية وقد أطلقوا عليها إسم المرحلة او الوجه الثاني من النضال والتحرر، يعني الحقوق السياسية وحدها مع الثقافية لا تكفي دون بقية الحزمة.

 

أيضا الأمهرة في أثيوبيا: بعد الثورة التي قادتها جبهة تحرير التقراي ومن ثم جبهة تحرير شعوب أثيوبيا والسيطرة على الحكم في أثيوبيا، اصبحت لغة الأمهرة اللغة الرسمية في كل البلاد وثقافتهم ببقية محدداتها جزء من الثقافة القومية في أثيوبيا ولكنهم يشكون حاليا بأن ذلك غير كافي، وإن السلطة السياسية وبالتالي الأقتصادية في يد قومية التقراي(عماد ثورة تحرير أثيوبيا)، ولذلك حدثت حركة إحتجاجات قوية ضد الحكومة بغرض الحصول على بقية الحزمة.

 

في تنزانيا: أقام المعلم جوليوس ناريري نظام لغى فيه قضيتين أساسيات هما مكلية الاراضى وجعلها لصالح الدولة ورفض الاعتراف باللغات المحلية وعدم إعطاءها أي مجال من الظهور، وفي المقابل أستلم السلطة السياسية ولكن هذا غير كافئ إطلاقا، فالفقر منتشر في تنزانيا برغم إن السلطة في يدهم منذ أمد بعيد، وحاليا بدأت تحدث إحتجاجات لتغيير ذلك الوضع خاصة في زنزبار وغيرها ضد حكومة الرئيس مغفولي

 

وحتى نظريتهم المنطلقة من إن ذلك يرجع لسبب جلف الثقافة الإسلاموعروبية والتي بنوا عليها هؤلاء تفكيرهم، ليس سليم، كيف غير سليم؟ دعني أشير الي ذلك بمثال، وقبل المثال يجب أن لا يفهم إن هذا تبرير او تغيير لموقف من الإستبداد الذي يحدث في السودان من الحكومات المركزية بإسم الدين تارة والعروبة تارة أخرى، ولكن الأمر أعمق من ذلك بكثير، فدولة جنوب السودان مثلا بعد الإستقلال في 2011م كأقرب نموذج لنا نجد أن النظرية هذه ليس لها مكان، بحيث لاتوجد ثقافة مسيطرة ولا لغة مفروضة، فأي شخص يتحدث لغته بحرية ويعبر عن ثقافته بحرية وبل تتم تغطيتها في وسائل إعلام الدولة، والتي تجمعهم هي لغة المستعمر البريطاني كلغة رسمية وهم متفقين عليها، ولكن مع ذلك هنالك حرب ونزاع بين مجموعات كانوا رفقاء بالأمس، لماذا؟ لا لأن أحدا يريد فرض دينه أو ثقافته، لأن ذلك شي محسوم وليس محل جدال، ومع ذلك يعتبر الناس أنفسهم مهمشين ومافي عدالة، لماذا ؟ لانهم يعتبرون إن السلطة في يد مجموعة محددة بإعتبار الرئيس من جهة، ولاتوجد ألية تتم عبرها تبادل السلطة هناك، ونجد أن الجهة التي ياتي منها الرئيس في الجنوب هي أصلا هامش (حسب التصنيف) وفي المقابل بإعتبار الباريا أو المنداري هم أهل المركز العاصمة وإن العاصمة جوبا أو تركاكا هي أرضهم فهم حاليا يقولون أنهم مهمشين، وهم أهل المركز طبعا، ولكنهم ينظرون للقادم من أويل مثلا بأنه  المسيطر أي القادم من الهامش والذي همشهم، ولو أسقطنا نظرية جماعة أبكر آدم على واقع الجنوب فإنها لن تقول لنا سوى مقولة واحدة وهي إن المهمشين همشوا المركزيين، ولكن ليس عبر الفرض الثقافي والديني أو اللغوي، بل عبر شي آخر وهو السيطرة السياسية وتركوهم أحرار في ثقافتهم، وهذا أيضا كانت نتيجته حروب وتشرد ولجوء، وهذا يؤكد إن منهج التحليل الثقافي التي يبنون عليها نظريتهم ويستندون عليها ناقصة وليست عميقة ولا شاملة، وهذا يؤكد إن الأمر ليس كله مربوط بالقضايا الثقافية وحدها بل بمن في يده السيطرة على كل الحزمة سياسية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية ومجتمعة وبالتالي هي التي تحدد بدورها المسيطرين عن المهمشين، وبالتالي يكون النضال قائم من أجل الحصول عليها كلها وليست جزء منها

 

ولذا فإن أي تنظير ينطلق من مخاطبة القضايا الثقافية وحدها دون بقية الحزمة فإن ذلك يعتبر تقليل لسقف المطالب وتضييع للنضالات، وحتى ولو رقصتوا الكرنق في تلفزيونات السودان ودرستم لغاتكم وضربت أجراس كنائيسكم في سماء الخرطوم بحرية ولكن السلطة السياسية والإقتصادية لم تكن في يدكم، فستعرفون إنكم مازلتم مهمشين، وفي حاجة لمرحلة آخرى من النضال.

 

ولذلك المشروع الذي يطرحه دكتور جون قرنق يعتبر أكثر خطورة على المستفيدين في المركز من مشروع ابكر ومحمد جلال، لأن مشروعهم لا يلامس الجوهر بل القشور ويترك المركز كما هو مسيطر سياسيا واقتصاديا، وأما مشروع قرنق هو الذي يحدث التغيير الجوهري في كل الحزم السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية ويعالجها معا وبعدالة ولصالح جميع السودانيين، وإن مشروع السودان الجديد يرتبط بإعادة هيكلة الدولة السودانية وتفكيك دولة ما بعد الاستعمار وأيضا تفكيك دولة النخب المرتبطة بمصالحها بغض النظر عن إثنياتها أو ثقافتها فهم يلتقون في فكرة نهب ثروات المزارعين والراعاة والعاملين وجموع شعبنا ويمتصون الخيرات ويسخرون الربح لصالحهم، ويذهبون أبعد من ذلك بحيث يقومون بدور وكلاء الإمبريالية العالمية

ومشروع السودان الجديد ليس فقط مشروع يبحث عن التمثيل السياسي كما يصوره البعض، بل يسعى لإعادة الهيكلة والتي تتمثل وفق الحزمة أعلاه، وليس أستبدالا لضحايا بضحايا  آخرين وليس بنفي آخرين أو النضال من أجل الإلتحاق بالنظام.

 

ففي الختام المسألة كلها مرتبطة مع بعض كحزمة واحدة يجب أن لاتسمحوا بتفكيكها من بعض، سياسية وأقتصادية وإجتماعية وثقافية، ووضعت كحزمة واحدة مترابطة في مشروع السودان الجديد والذي هو أشمل وأعمق من مشروع (جماعة) منهج التحليل الثقافي، وأي محاولة حاليا لإلغاء رؤية قرنق وإستبدالها كانما تريدون أن تجعلوا من جبال النوبة حلبة جديدة لتجريب مشروعكم هذا، وهو مخالف لإستجابة المناضلين للنداء الذي وجهه المعلم يوسف كوة، ومرفوضة يجب أن لا تسمحوا لهم بذلك،  فالمناضلين يعلمون لماذا يناضلون وماذا يريدون.