خالد فضل
شكلت اتفاقية السلام الشامل 2005م , محطة رئيسة في مسار احداث التغيير في السودان , فقد ابرمت بعد نحو 15 سنة من استيلاء الجبهة الاسلامية القومية على مقاليد الحكم و مفاصل الدولة و مفاتيح الثروات , و قد اكملت حين ذاك خطة التمكين الماكرة . لقد عمدت الاتفاقية بالرغم من ذلك إلى إعادة تشكيل علاقات الاجتماع البشري في السودان , و هيكلة الدولة بما يطابق واقع التعددية العرقية و الدينية و الثقافية , كما رسمت الخطوط العامة لكيفية اقتسام و توزيع الثروة و السلطة بين مختلف السودانيين بصورة معقولة , بل ان الدستور الانتقالي الذي ولد من رحم الاتفاقية حوى وثيقة نموذجية لحقوق الانسان . هل احدثت الاتفاقية تغييراً جذرياً في مسار الدولة السودانية ؟ و قد وجدت الاتفاقية اهتماماً و رعاية و مراقبة اقليمية و دولية غير مسبوقة , و لكن من الواضح انها اوقفت الحرب الاهلية الطاحنة في جنوب السودان و جبال النوبة و النيل الازرق و ابيي , و لم تبن السلام , فهو عملية يقوم بها السودانيون انفسهم , و إذا قدر لتلك الاتفاقية مصادفة وجود سلطة تمتلك الرؤية و الرغبة في بناء الوطن لا هدمه , لكانت صورة الوطن اليوم مختلفة , فمنذ البداية كان اصرار المؤتمر الوطني على المحافظة على الاغلبية في السلطة التنفيذية و التشريعية كضمان لعدم حدوث تغيير شامل ينزع عنه و عن افراده ما يعتبرونه حقهم المكتسب بالاستحواز , و من هنا بدأت اشكالية التغيير عبر اتفاقية , و كان للغياب المفاجئ للدكتور جون قرنق دور واضح في صيرورة الاتفاقية إلى ما آلت اليه من شكلانية , لم يتحقق في الواقع توزيع عادل و منصف للثروة او السلطة إذ ان مفوضية تخصيص الايرادات مثلاً لم يكن لها دور فعال في هذا الجانب , و بدا و كأن قسمة الثروة تعني حيازة المتنفذين في جانبي الاتفاقية (المؤتمر الوطني و الحركة الشعبية) على نسبة ال50% من عائدات النفط لكل فريق . و قد ظهر اثر ذلك عقب الانفصال مباشرةً حيث انهار الاقتصاد الوطني لكلا البلدين , بينما نمت و ازدهرت اسثمارات بعض كبار المسؤولين .
إن عقلية الاستحواز تحول دون الرضوخ لعملية التغيير و ما تتطلبه من تنازلات كما يتصورها المتسلطون , و لذلك تفشل كل و سائل التغيير السلمي عبر التفاوض و الحوار , و تقدم السلطة تنازلات شكلية مجاراة لضغوطات امريكا و الاتحاد الاوروبي في هذا المجال او ذاك , لقد كانت اخر محطات المناورات السلطوية هو اطلاق مبادرة ما عرف بحوار الوثبة , و الذي جمع له ممثلون لنحو 80 حزباً و 20 حركة سياسية مسلحة و 50 شخصاً و صفوا بالشخصيات القومية , الطريف ان مناديب احدى الحركات المسلحة قد طردوا من الفندق الذي كانوا يقيمون فيه لانهم (عصلجوا) في ما يبدو في تمرير احدى التوصيات المعدة سلفاً تحت سقف التغيير الشكلي , و كانت الحجة ان هذا الفصيل غير موقع على اي صيغة من صيغ اتفاقات السلام المعروضة في مزادات التبضع تحت لافتة السلام , مرة اخرى تأتي و اقعة اعتقال د. مضوي ابراهيم غير بعيدة من اجواء الشكلانية التي يراد لها ان تصبح هي سقف التغيير , فقد قدم د. مضوي مساهمة موضوعية ضمن لجنة الهوية التي كان عضواً بها على قائمة الشخصيات القومية , و يبدو انه قد حرك بعضاً من ساكن لا يراد له التحرك او تجاوز سقف التغيير الامني المحكوم بقاعدة المحافظة على ما تمت حيازته قسراً من اسلاب الدولة السودانية . في ما يبدو الترويج الدعائي الفج لشخصية مثل السيدة تراجي مصطفى لانها ببساطة تشيع قدراً وافراً من الشتائم ضد قادة الحركات السياسية المسلحة التي رفضت منذ البداية الخوض في ملهى الحوار المزعوم . و يلحظ المراقب ان حملة دعائية ذات طابع امني تنشط هذه الايام في و سائط الاعلام السودانية ضد الاستاذ ياسر عرمان الامين العام للحركة الشعبية/شمال باعتباره معرقلاً لاتمام صفقة نسخة جديدة من نسخ الاتفاقات ذات السقف المحكوم بالشكلانية , و هي ذات الحملات التي تستهدف الاستاذ عبد الواحد محمد النور من جانب الحركات المسلحة , و الحزب الشيوعي السوداني من جانب القوى السياسية المدنية , باعتبارهم من الرافضين للسلام و الاجماع الوطني و النهضة و الوثبة …الخ . الواقع ان هؤلاء السادة او التنظيمات يطرحون رؤية حقيقية و جادة للتغيير , و لهذا فهم محل حرب لا هوادة فيها من جانب (هواة الافعال الناقصة) . أولئك الذين يحبذون صورة مزيفة للتغيير تبقي الاوضاع التالفة كما هي مع طلاء السطح بدهان جديد .
المجتمع الدولي و الاقليمي اصابهما اليأس في ما يبدو من تواطؤ السودانيين على عملية سياسية جادة و حقيقية لاعادة بناء وطنهم الذي دمروه بايديهم , و لعل لسان حالهما يقول (علكم ما قمتم) يكفي ان تستمر سلطة لا شأن لها بهموم شعبها او مسؤولية بناء وطنها طالما رضخت لمطلوبات الامن كما تراها اجهزة الاستخبارات الامريكية و الاوروبية في بلدانها . و لا بأس من حركة بهلوانية كتعبير رمزي عن التغيير , بينما الواقع كما هو .