التغيير:أمل هباني
ركبت الباص الى هناك …الأرض التي تصلح للزراعة والرعي من بدايتها الى نهايتها، لا ترى فيها غير جدب ممتد..السهول البكر يغازلها ماء النيل الابيض من على البعد ولا عطش يروى ولا زرع يسقى! ..ملايين الافدنة الخصبة قاحلة بلا عمار! إنها لوحة اللا معقول …… بدلا من النعيم ينتشر وباء الكوليرا وسط المزارعين والرعاة اصحاب الثروة المهدرة من الارض والماشية .
وصلت وجهتي منطقة الجزيرة أبا التي سجلت الاصابات الاعلى بهذا المرض الذي اجتاح ولاية النيل الأبيض في الايام الماضية .
انهيار كامل للبيئة :
المواطن هناك بلا مياه حيث الشبكة ضعيفة جدا .تساهر تهاني حتى منتصف الليل لتملأ الأواني بمياه (ملوثة ومسببة للمرض حسب تصريحات حكومية ) تستخدمها اسرتها في الشرب والاستحمام والنظافة .
منذ ظهور الوباء بدأوا باستخدام الاعشاب المحلية في تطهير المياه ومنها (القرض) .وبعد ظهور حبوب الكلورة (تحتوي على كلور ) أصبحوا يشترونها من الصيدلية على الرغم من أن منظمة الصحة العالمية وفرتها مجانا للولاية للوقاية من المرض، أسوة بالعلاجات التي تنعدم هي الأخرى احيانا ليشتريها المواطن من الصيدليات الخاصة .
السلخانة مغلقة وتتحصل 15 جنيه على الرأس :
سوق الخضروات واللحوم عبارة عن مستنقع للاوساخ والذباب ولولا حملة رش قامت بها “مبادرة شارع الحوادث” مع منظمة شباب الجزيرة أبا لزاد الأمر كارثية ! فلا مسؤولية او رقابة أو حماية والاسوأ أن الذبح يتم خارج السلخانة لأنها مغلقة منذ سنوات الا أن عاملها يأخذ على كل رأس 15 جنيه يوميا ويدبغ اللحم بختم الفحص .
مستشفى الجزيرة أبا الصغير بدا هادئا لكنني علمت أن هناك اكثر من اربعين حالة إصابة بالكوليرا بين التنويم والخروج منها 20 حالة موجودة داخل العنبر يوم الجمعة الماضية فقط، بينها حالة وفاة واحدة لمصاب من قرية طيبة .والد مريضة وهو شيخ ثمانيني مرافق لها وجدناه بالخارج وقال انه يدخل ويخرج بصورة عادية ويحضر لها الطعام كل يوم .وعن تلقيه أي دواء وقاية اجاب بالنفي الا أنه تم رش ملابسه بمعقم . مرافقوا المرضى يأكلون قرب العنبر دون أي منع من الادارة .
مصدر طبي..إنها الكوليرا
من داخل المستشفى اكد مصدر طبي “للتغيير الإلكترونية” أن الوباء هو الكوليرا والوفيات بلغت 20 حالة في المستشفى الذي كان يمتليء بالمرضى حتى انهم يرقدون في الفناء لعدم وجود مكان شاغر لكن الاصابات خفت قليلا وقامت وزارة الصحة الاتحادية بارسال طبيب متخصص في الطواريء .وغيرت بروتوكول العلاج بايقاف الفلاجيل . كما ذكر أن هناك حالات هروب من المستشفى للاعتقاد في “العلاج البلدي” .ومعظم الاصابات من الذين يشربون من الترعة أو النيل مباشرة، فالمياه الملوثة هي السبب الرئيس بحسب المصدر .
خمسون اصابة جديدة في عسلاية:
عشرات الاصابات في عسلاية حسب رئيس اللجنة الشعبية بحي النصر صلاح محمد ، وتم تحويل “مدرسة الشهيد خليفة” إلى مقر للحجر الصحي رغم انها تقع في منتصف الحي المأهول بالسكان وهنالك 4 حالات وفاة منذ صباح السبت ، ومازال بداخلها 34 حالة حسب معتز مكين مدير ادارة صحة البيئة بمحلية ربك .الذي ذكر أن الاصابات “متحركة” اي هناك حالات خروج ودخول الى الكرنتينة .واضاف المسؤول أن هناك حملة توعية انتظمت منطقة عسلاية وتم توزيع صابون لغسل الايدي وحبوب مكلورة للمياه لاحتواء المرض.

وقال مرافق لشقيقه المصاب أنه دخل الكرنتينة عند منتصف الليل الا انه لم يتلق كل العلاجات وهناك علاج تم شراءه من مدينة ربك لعدم توفره ..
مكين اقر بضعف امكانات الولاية لمواجهة المرض رغم استنفار موظفيها طوال ال24 ساعة .لكن اقالة الوالي للحكومة عقب اعلان حكومة المركز اثر سلبا بسبب غياب المسؤولين .وقال أن عدم وعي المواطن وسلوكه الخاطيء في التعامل مع المرض يزيد من الاصابات .

مواطنون يتهمون مصنع سكر عسلاية
اتهم عبد الرحمن صديق رئيس مبادرة المجتمع المدني في النيل الابيض شركة سكر عسلاية المالكة للمصنع بانها المتسبب الرئيسي في تدهور البيئة والتسبب في تلوث المياه لانها تقوم بالتخلص من نفاياتها الزراعية والصناعية عبر مصب بالنيل الابيض وهناك مصرف رئيسي ملوث للجاسر(مدخل الجزيرة ابا ) بسبب تلك النفايات في النيل الابيض …وقال انه قام برفع قضية ضد الشركة وكسبها على كل مستويات التقاضي حتى المحكمة الدستورية التي الزمت باغلاق المجرى الى النيل الابيض الا أنهم تحايلوا بإغلاق المصرف الرئيسي وفتح مصرفين جديدين بطريقة سرية وملتوية مما اضر بالزراعة والحيوان والتقطت “التغيير الإلكترونية” صورا لمحصول عباد الشمس التالف في ارضه التي تروى من مياه المصنع …

مازالت الاوضاع تتفاقم والدولة غائبة تماما عن المشهد الصحي في الولاية …والمرض يحصد الارواح والاجساد المرهقة بالفقر والجوع ..لذا يجب ان يكون هناك تحركا سريعا من ابناء المنطقة و المنظمات المعنية داخليا وخارجيا ونشطاء قضايا الصحة.