“يسرا تحبني جدا، مثلاً هي تراني إلى اﻵن جميل الشكل على الرغم من أني أرى شكلي قد أصبح (مشوها) بسبب آثار العمليات الجراحية المتعددة التي أجريت لي طوال فترة العلاج السابقة. فقد خضعت لعمليتين جراحيتين كبيرتين فى بطني، وركب لي كيس خارجي للإخراج من المصران الدقيق، وسيستمر معي إلى حين إيقاف العلاج الكيماوي. فأنا أرى منظرى قد بات مشوها، ومع هذا فيسرا تراني جميلا.

“عادة عند إستيقاظي أجد أثر دماء قليلة على المخدة. وهذا الأمر يختفي مع الوقت مع تعاطي الحقن المحفزة للمناعة التي ذكرتها سابقاً.

العبارات أعلاه مقتطفات من “يوميات محارب لمرض السرطان” هو المدافع الحقوقي والناشط من أجل التغيير  وليد النقر الذي قرر في النصف الأول من  نوفمبر لعام 2016    أن ينشر تجربته كمحارب لمرض السرطان …عبر صفحته على الفيس بوك …وبدأ يكتب عن اصابته بالمرض ومازال …لكن من هو ذلك الفارس النبيل الذي قرر منازلة  المرض اللعين وقهره في ساحة معركة (العلاج) . لم يشكو رغم قسوة العلاج ولم ييأس من الشفاء  رغم صعوبة المرض ..

لكن كل ذلك لم يأتي من فراغ ولم يولد مع ظهور المرض … فوليد شاب عاش حياته مؤمنا بقيم ومبادئ انسانية  تسمو بروحه وبفكره وتجعله في موقف المصلح والقائد والملهم لأنسنة الحياة دون ضجيج أو خطب جوفاء فقد اختار الطريق الأصعب والأصدق وهو أن يعيش بما يؤمن به ويطبقه على نفسه في إيقاع حياته لذا اضحت  حياته كلها لوحة مكتملة الانسانية في كل محكاتها ..

طفولة وشباب :

ولد النقر في الابيض في 28 مايو 1980، ثم انتقل الى الخرطوم مع أسرته في العام 1989 ،حيث نقل والده الذي يعمل في الجيش الى العاصمة  حيث أكمل وليد  مراحل تعليمه في بحري ،قبل أن ينتقل في العام 1998 الى جامعة الخرطوم كلية الهندسة المكانيكية ،والتي تركها متحولا الى  جامعة النيلين كلية التجارة قسم  الاجتماع و الخدمة الأجتماعية  في العام 2005 وتخرج منها في العام  2009.ثم ذهب بعدها الى القاهرة في العام 2010/2011ليدرس دبلوم التخاطب في فقدان النطق والكلام ليعمل مع فئات ذوي الاحتياجات الخاصة كالتوحد والاعاقة السمعية ومشاكل الصوت وغيرها

زواج بسيط وواقعي :

زواج وليد  كان واحدا من محطات الثورة على الزواج التقليدي بصرفه البذخي، يقول وليد عن  زوجته يسرا عكاشة  أنها  حبيبته والمرأة التي لاتقل عنه ايمانا بقيم حقوق الانسان والتزاما بها ويضيف أنها داعمته الرئيسة في رحلة المرض …ويسترسل وليد :

علاقتي  مع يسرا  كانت قائمة على فكرة الشراكة… وأن نناقش كل تفاصيل حياتنا  مع بعضنا بكل صراحة  .بحيث نواجه الاشياء بشكل مشترك ..كانت هناك عاطفة موجودة لكن كان هناك دوما نقاش وشراكة في كل الاشياء .بدأت علاقتنا  في العام 2011 وتمت الخطبة في شهر يونيو 2012 بعدها كان الزواج في 28 /12 /2013..قررنا  منذ البداية أن  نبعد عن الصرف البزخي وأن نحدد مع بعضنا كل المراسم ….بفهم أننا لو لم نحدد كل مانريده منذ البداية  سنكون تحت سيطرة المجتمع من حولنا حتى الخطوبة كانت بسيطة جدا حضرها فقط أسرتي واسرة يسرا  حتى الاخوال والاعمام لم تتم دعوتهم لنكون اكثر استقلالية وبساطة ولأنه ليس لدينا مقدرة مالية لنصرف صرفا بذخيا،  وحتى لو كان لدينا أموال في بلد مثل السودان فيه فقر شديد وفيه صرف بذخي وسوء تغذية للأطفال يعتبر الصرف البذخي عدم تضامن مع المجتمع بأكمله.

  ..في النصف الأول من العام  2013 لم تكن ظروفنا المالية تسمح باكمال الزواج وقدرنا  بأننا نحتاج 10 مليون حينها على الأقل لاتمامه ..وفعليا يسرا كانت تشتري اشياءها فلم احضر لها شيلة(شنطة تحتوي ملابس وعطور وادوات زينة يحضرها العريس لعروسه حسب التقاليد السودانية)  وكان اهتمامنا منصبا على تجهيز البيت ..كان لدي قليل من المال من عمل تجاري قمت به، عملنا غرفة النوم (سرير ودولاب )  وثلاجة ..بعدها بدأنا نكمل بقية الاشياء اهل يسرا تبرعوا بطقم جلوس وبوتجاز وغسالة اهداها لنا شقيقها بالاضافة لذلك انا احضرت  من اهلي تلفزيون وريسيفر وتربيزة للتلفزيون  .في  نهاية شهر 11 صرفت  مستحقات حوالي 12 الف ونصف من عمل سابق  . وكنت استلمها بالاقساط صبرنا حتى اكملنا خمسة مليون واعلنا رغبتنا في الزواج في ظرف اسبوعين …كان الموضوع غريب  في البداية ،واهل يسرا تقبلوا الموضوع بشكل جيد بعد ذلك   واصبح همنا كيف نعمل دعوة على نطاق ضيق وكانت الفكرة أننا نأجر نادي ونعمل كل الاجراءات مع بعض ابتداء بالعقد ونحضره معا ونعمل دعوة ضيقة ونعمل حفل  جرتق حتى  المغرب ونذهب الى  بيتنا بعدها .لكننا وجدنا أن ميزانيتنا لاتسمح ،قمنا بتبسيط أكثر وعملنا العقد في مسجد بحري الكبير وكان في تمام  الساعة الخامسة مساء و عملنا حفل بسيط عند اهل يسرا (بغناية) ولبسنا زي بلدي أنا ويسرا..الساعة 9 مساء وصلنا الى شقتنا التي استأجرناها ….اسرتي   توسعت قليلا  وعملت عزومة  غداء لكن المعازيم لم يتجاوزوا 150 شخصا .فالفكرة قائمة على الشراكة والتبسيط بقدر الامكان في المراسم وأن الشراكة  تبنى على المودة والمحبة والصراحة بقدر الامكان والأهم أن نكون شايلين هم بعض ونمضي في حياتنا.

قابلتنا بعد الزواج تحديات كبيرة جدا تقوم على كيف نصنع لنفسنا وضعا اقتصاديا معقولا ونطور نفسنا في الدراسة والعمل وغيره .حتى في مراسم الزواج تعرضنا لضغوطات كثيرة ولم نحقق كل الاشياء كما نريدها لكن اعتقد أننا انجزنا لحد كبير (حاجاتنا) .

الاتساق مع الذات:

،، لابد أن يكون الإنسان متسقا مع نفسه فيما يؤمن به من مباديء وافكار حقوق الانسان.لابد من التطابق  بين القول والفعل وكل التصرفات، لا يمكن أن تكون مدافعا ويكون  تفكيرك ومنهجك متناقضا مع تصرفاتك،،  .

بهذا الحديث شرح وليد فكرة اتساقه مع ذاته لتلك الدرجة الملفتة للنظر….

وبالفعل وليد شخصية غير نمطية، يظهر تفرده في ذلك الحس المرهف لقضية حقوق الإنسان، الذي لا يكسل ولا يتبلد تبعا للموقف السياسي من “المنتهكين”، فرغم موقف وليد المعارض للنظام واصطفافه في حراك المقاومة المدنية ومشاركته فيها، إلا أنه لم يتردد في انتقاد دعوة طلاب المدارس للمشاركة في المظاهرات باعتبار ذلك انتهاك لحقوق الطفل، كما حفلت صفحته على الفيس بوك بانتقاد الذكورية في خطاب بعض المعارضين.

كما تميز وليد بمحاولاته الحثيثة لنقل مشروع التغيير الاجتماعي إلى واقع الحياة اليومية وقد فعل ذلك في زواجه، كما اهتم بتوثيق تجارب لشباب انتصروا على التقاليد السالبة في الزواج وقدموا نماذج لزيجات منسجمة مع قيم المساواة بين الجنسين مثل تجربتي  زواج رشيدة وعبد العزيز، وزواج ماريا ومحمود،  وقد نشرتا بصحيفة التغيير الإلكترونية ، كما تميزت صفحته على الفيس بوك بالأفكار الناضجة والجريئة سواء في القضايا السياسية أو الاجتماعية، وقضايا حقوق الإنسان وحقوق المرأة وكذلك قضية الأشخاص ذوي الإعاقة التي يحرص على تناولها بطريقة غير تقليدية، وقد نشر عنها عددا من الأعمال الصحفية.

الاحتفاء بالحب والتباهي بعشق الزوجة:

“زوجتي تطيل العمر” هذه واحدة من عشرات العبارات المفعمة بالعاطفة التي يهديها وليد لزوجته وحبيبته يسرا، في كل مناسبة عيد زواجهما، عيد الحب، اليوم العالمي للمرأة، إنه يمجد الحب ويهدي للشباب نموذجا للزواج السعيد الذي لا يتسرب إليه الملل والضجر لأنه محصن ضد ذلك بالحب!

القادم الثقيل:

بينما يمضي وليد بكل عنفوان الشباب في طريق أحلامه العامة والخاصة يجد نفسه أمام عدو لئيم! إنه مرض السرطان!

وفي مواجهة هذه المحنة لم يكتفي وليد بالصمود والصبر على المرض ومقاومته فحسب، بل أراد ان يقدم تجربة ملهمة لآلاف المرضى!

وليد يعلن عن معركته مع السرطان!

،، قبل عام ونصف انضممت لفئة محاربي ومحاربات مرض السرطان ،تحديدا في شهر مايو 2015 ..،، بهذه العبارة ابتدر وليد اعلانه عن مرضه في منشور على الفيس بوك في الحادي عشر من نوفمبر الماضي ..ويواصل المحارب: تشخيص حالتي طبيا سرطان القولون في المرحلة الثالثة .تلقيت علاجا داخل وخارج السودان أغلبه خارج السودان والذي هو متواصل الى الآن ويخضع للتقييمات الطبية الدورية …

ويتواصل المنشور الى أن يقول وليد :،، حاليا أنا بشكل جيد وقد يستمر البرنامج العلاجي لسنوات قادمات ….أنا فخور بتجربتي وفخورأكثر بزوجتي الحبيبة يسرا لصبرها وجلدهها وأكيد حبها الكبير الذي يمثل حجر الزاوية في حياتي ككل وتجربتي الحالية،، .

خلاصة تجربتي الى الآن أنها مثل أي تجربة حياتية لي ولغيري في مختلف مناحي الحياة والتي تحتاج لإرادة وظروف مساعدة للاستمرار فيها ومتابعة التعاطي مع معطياتها …

مازالت منشورات وليد  تتواصل على حسابه في فيسبوك ،و بعد برنامج علاجي طيلة العامين الماضيين، أكمل الآن ست جلسات  لتنظيف الجسم من أي  خلايا سرطانية،  ومن المفترض أن يجري مسحا شاملا في غضون الأيام القادمة ..  ومئات القلوب تدعو له وتخفق بالأماني الطيبة بعاجل الشفاء وتمام العافية له كما  اتضح من  تفاعل   اصدقائه.  الذين يحيطونه بكامل الحب والدعم المعنوي  ويشجعونه على مبادرته بالتوثيق والتدوين لهذه التجربة الإنسانية النبيلة .    ورغم المرض ظل وليد متفاعلا مع الشأن العام في وطنه بذات الروح الحماسية والافكار العقلانية المعهودة.