د.الشفيع خضر سعيد

في المقالين السابقين، استعرضنا، باختصار، كيف برز حق تقرير المصير في المسرح السياسي السوداني، وكان ذلك تمهيدا ضروريا لمناقشتنا التي نبتدرها اليوم حول استخدام الشعار في المخططات الرامية لتقسيم السودان إلى عدة دويلات هشة ومتصارعة. 
ممارسة حق تقرير المصير في السودان، صاحبته بعض التداعيات والمفارقات، ذات الدلالات المعبرة عن نفسها بكل وضوح. فمثلا، ظل أمل الحفاظ على وحدة السودان صامدا، بل وازدهر، في خضم الحرب الأهلية المستعرة في جنوب البلاد قرابة النصف قرن. ولكن، مع مجيء السلام بعد اتفاقية نيفاشا، تزعزع هذا الأمل وأخذ يذبل تدريجيا، خلال سنوات الفترة الانتقالية حتى تلاشى عند نهايتها ومع ممارسة تقرير المصير، لتنهار وحدة السودان التي إستمرت لأكثر من 150 عاما. وللمفارقة المبكية، تقرير المصير كحق أساسي من حقوق الإنسان، تنتج عنه دولة في جنوب السودان، تسودها أفظع خروقات وانتهاكات حقوق الإنسان، على أساس إثني وقبلي، يشيب لها الولدان. والذين كانوا يناقشون، قبل الاستفتاء، بأن تقرير المصير سيأتي بالانفصال لأن ممارسات وسياسات حكومة الخرطوم تدعو إلى ذلك، ويحاججون بأن الجنوب لا يملك مقومات دولة، وأن مصيره سيكون اقتتالا أهليا وفظائع تفوق ما حدث في رواندا، وينادون بأن الأصل في تقرير المصير هو النجاة من التهلكة وليس الرمي فيها…، تعرضوا لهجوم شرس من القوميين المتعصبين وأصدقائهم خبراء المجتمع الدولي ووصموا بالاستعلاء والتغول على حقوق الإنسان..!!. قد نجد تبريرا لموقف القوميين ضيقي الأفق، ولكن لا يمكن تبرير موقف خبراء المجتمع الدولي الذين يختزنون المعرفة والخبرة والمعلومات والدراسات الاستراتيجية، ولا يمكن ألا يتوقعوا ما توقعناه نحن وما يحدث الآن في الجنوب. يقيننا أنهم كانوا يتوقعون هذه الكارثة، ولكنهم تجاهلوا الأمر لشيء في نفس يعقوب!!. وأعتقد، أن ما يحدث الآن في جنوب السودان، الدولة الفاشلة بكل المقاييس، يحتاج إلى مناقشة جدية لرفد ممارسة تقرير المصير، المتوقع أن يفضي إلى الانفصال، بشروط وتدابير تتحقق من مقومات الدولة في الجزء المنفصل، وتمنع مثل ما يحدث الآن في جنوب السودان. 
وفي الحقيقة، تم التعامل مع الاستفتاء حول تقرير مصير جنوب السودان، وكأنه مباراة في كرة القدم،
حيث تجلس جموع الشعب السوداني، شماله وجنوبه، للتفرج على مجموعة محدودة من النخب السياسية، الشمالية والجنوبية، في ماتش ساخن يديره حكم أجنبي، رغم أن نتيجة المباراة، وللأسف، كانت معروفة سلفا..! ومنذ البداية، كانت بوادر الفشل واضحة فيما يخص قضية الحفاظ على وحدة السودان، وقضية مستقبل الدولة الوليدة وما ينتظرها من نكبات وفظائع مهولة. فلا نحن قدمنا مشروعا لإقناع شعبنا في الجنوب بالبقاء في السودان الموحد، ولا نحن رتبنا لدولتين تتمتعان بمقومات حسن الجوار والتعايش السلمي، ولا إنتبه، أو إهتم، الناس، نخبا محلية كانوا أم كبار علماء السياسة في كبريات دول العالم، بالألغام والقنابل المتوقع تفجرها في الدولة الوليدة، دولة الإثنيات المتناحرة تاريخيا. الكل كان ينتظر يوم الاستفتاء، ليتنفس الصعداء فرحا. ففرح من كان يريد التخلص من الجنوب غير المسلم وغير العربي إرضاء لايديولوجية ضيقة، وفرح من كان يحلم بموقع الحاكم الأول في دولته المستقلة استجابة لتطلعات قومية ضيقة الأفق، وفرح من كان يخطط لتنفيذ «مشروع الشرق الأوسط الجديد» القائم على إعادة تقسيم بلدان المنطقة على أسس إثنية ومذهبية تنتج دويلات ضعيفة ومتصارعة يسهل التحكم فيها. 
أعتقد، لم يكن الهدف الأساسي للناشطين السياسيين في جنوب السودان، الاستحواز على الأراضي واقتطاع مساحة من الوطن، بقدر ما كان بحثا عن استحقاقات عادلة ومشروعة في وطن حر ديمقراطي يسع الجميع بتعدد أعراقهم ودياناتهم وثقافاتهم. وأعتقد أن الكثيرين من أبناء الجنوب كانوا يتطلعون إلى يوم يكون فيه انتخاب جنوبي رئيسا لبلاد المليون ميل مربع حدثا عاديا ومقبولا لدى الآخرين، أكثر من تطلعهم إلى يوم استقلالهم وانفصالهم عن هذه البلاد. ولما استحال تحقيق التطلعات نتيجة الاصطدام مع نوايا جماعة الانقاذ الحاكمة، كان ذاك الخيار المر. أما الدعوة لانفصال جنوب السودان، فتحمست لها مجموعتان: المجموعات الجنوبية الغاضبة والمدفوعة بما قاست من ظلم وغبن وخيبة أمل، والمجموعات الشمالية المدفوعة بالعنصرية والتعصب الديني وضيق الأفق. وفي الحالتين، بصقت الدعوة على تاريخ الوطن، وتنكّرت لحقيقة أن كل التضحيات والدماء من الجنوب والشمال كانت من أجل سودان موحّد وفق أسس جديدة، لم تكن ترى بعين المستقبل لأنها مشدودة إلى الماضي، ومنكفئة على ذاتها، تنظر إلى قضايا البلد المصيرية عبر منهج أحادي ضيق منغلق. والنخب الحاكمة في الشمال والجنوب، لم تتعامل مع الاستفتاء باعتباره امتحانا مصيريا سيتخلل مسامات كل الشعب، في الشمال وفي الجنوب، ومن أجله كان يجب أن تكون كل الخطوط مشغولة بمحادثة طويلة بين مدن الشمال والجنوب، تحكي فيها حكايا الحرب والسلام، وتتداعى فيها سيرة الأبطال والشهداء، ويدار فيها نقاش حول أشياء كثيرة ضاعت في تلافيف راهن تلك الفترة، وصولا إلى تفاهمات واتفاقات هنا وهناك. ولكن، وللأسف، سيطر التوهان في معسكري الحكومة والمعارضة، وتجلى في ممارساتهما السياسية. فبينما كان معسكر المعارضة يتحرك وفق منهج «كل شيء أو لا شيء»، كان معسكر الحكومة، ولا يزال، يتحرك وفق منهج التشبث بالسلطة والاستحواز على كل شيء، بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك الاستجابة والانحناءة للخارجي الأقوى، على النحو الذي كشفه وزير الخارجية الروسي بتاريخ 12 أبريل الماضي، عندما أبان أن إدارة الرئيس أوباما، اشترطت على القيادة السودانية، الموافقة على فصل جنوب السودان مقابل التعامل معها، وأنها طالبت روسيا بالضغط على هذه القيادة لتوافق، وبالفعل وافقت!. وفي الحالتين، حالة ما يحرك المعارضة وحالة ما يحرك الحكومة، كان الغائب هو فضيلة التنازل لصالح بقاء الوطن الموحد ولصالح مستقبل الأجيال القادمة.