حاورته  /أمل هباني

*المدارس لا تعلم بل تدرب على حل الامتحان

*تدني مريع في مستوى الطلاب بعد دخولهم الجامعة

*التفكير النقدي منعدم تماما

أعلنت قبل اسابيع نتيجة امتحان الشهادة السودانية في مؤتمر صحفي احتفائي بالمائة الاوائل المتفوقين، ولكن ما لم تتناوله مثل هذه المؤتمرات الصحفية هو كوارث التعليم في السودان وشكاوى الخبراء من فشله في تحفيز الإبداع والتفكير العلمي  .على هذه الخلفية حاورت “التغيير الإلكترونية عالم الرياضيات والخبير في قضايا التعليم بروفسور محمد الأمين التوم عميد مدرسة العلوم الرياضية الاسبق بجامعة الخرطوم ومدير جامعة قاردن سيتي السابق

 

 

*كيف تقرأ نتيجة امتحان الشهادة السودانية للعام 2016/2017

-النتيجة أعلنت خلال مؤتمر صحفي وهو تقليد سنوي …وكان يمكن أن يكون فرصة ممتازة للوقوف على التعليم العام  وطرح الاسئلة الهامة

*ماهي هذه الاسئلة الهامة ؟

ليست الأسئلة من هو الأول ومن هو الثاني..أو  ماهي المدرسة الاولى أو الثانية …. انما ماذا تعني هذه الارقام .ومن حق الآباء والامهات أن يفرحوا بالنتيجة المميزة لكن ماذا يعني هذا الرقم 75% أو 80% . كلنا نعرف طبيعة الامتحان و ستأتي فيه الاسئلة الفلانية فالمدارس لا تعلم الطلاب حتى يتعلموا لكن تدربهم حتى يحلوا الامتحان .وكثيرمن المواضيع  تهمل في المنهج لأنها لاتدخل في الامتحان .لذلك أنا اطالب اولياء الأمور بأن يسألوا أنفسهم بعد أن يفرحوا ويبتهجوا بنتيجة ابناءهم ..ماذا تعلم الابن أو الأبنة الممتحنين ؟ لأن الجامعات معظمها تتحدث عن تدني مريع في مستوى الطلاب الذين يأتون اليها بعد امتحان الشهادة السودانية

*هل تعتقد أن التدني سببه طريقة امتحان الشهادة السودانية ؟

-لا …سببه النظام  المدرسي… أساتذة الآداب يشتكوا من تدني العربية وأساتذة  الرياضيات و الفيزياء لديهم ذات الشكوى..كل ذلك بسبب  نظام التعليم باكمله من التعليم الاساسي ماذا يدرس الطالب طوال فترة الدراسة؟ ..

العلوم كمساق متكامل لها منهجيتها وافكارها الكبيرة المنظمة لها وهذه لا يعرفها الطالب، ولذلك  علميته فيها مشكلة كبيرة جدا .وهو  طوال 11 سنة لا يعرف شيء اسمه تجريب العلوم وفي الدنيا لا يوجد مثل ذلك . ليس هناك معامل ولا تجارب الا في المعامل الخاصة المتميزة

*يشتكي عدد من الاساتذة من عدم الاحكام  والصرامة العلمية في المنهج ؟

-ليس هناك علوم بالمعنى المتكامل  ..يتلقوا حقائق معزولة عن بعضها ..حتى في المواد النظرية مثل التاريخ  يقوم على التمجيد وليس الحقائق العلمية  …مثلا فترة المهدية فقط تمجيد ولا اقتراب من المادة بصورة نقدية . وكذلك العلوم الأخرى على الرغم من أن هذا هو  جوهر التعليم

*تبرير الحكومة أنها تريد صناعة رموز وطنية للطلاب يؤمنوا ويثقوا بها ؟

–هل تخلق هذه الرموز بالغش ؟ التعليم جوهره التفكير النقدي في كل المواد والقضايا التي تتناولها ،لابد أن يكتسب هذه المهارة ويكون لديه تساؤل وفضول حتى يعرف .لكن نحن ليس لدينا ذلك .وهذا الأمر منذ تأسيس التعليم في السودان في مطلع القرن الماضي على يد الانجليز

* لديك آراء ناقدة للتعليم في السودان تاريخيا وأن مشكلته لم تبدأ مع الإنقاذ .

فعلا التعليم فيه مشاكل من بدري جدا ،هناك خلل فيه

* اين الخلل بالضبط ؟

-اصحاب المصلحة في التعليم كثيرون ،أولياء الامور والاسر ،المعلمون والحكومة والطلاب انفسهم ..لكن الآن جهة واحدة هي التي تتحكم فيه وفي مناهجه طوال تاريخ التعليم في السودان وهي الحكومة

*الحكومة ترى أنها مسؤولة عن مجتمع خارج  من جهل شديد وامية عالية لذلك ترى نفسها وصية على التعليم ووضع لبناته ؟

– -لا ابدا ..الحكومة مكون واحد فقط من بقية مكونات اهل المصلحة .وافتراض الحكومة أن الناس أميين وهي من تعرف مصلحتهم والناس لا يفقهون وهي تفقه كل شيء هذا افتراض خاطيء .

*كيف ؟

-تكون مجالس ويكون هناك تمثيل حقيقي وديمقراطي  لاصحاب المصلحة من  اولياء الامور والخبراء التربويين والحكومة تأتي بممثلين مثلها مثل الآخرين ولا تتحكم فيه . لكن هذا لن يحدث والحكومة لن تفرط في ذلك ويجب أن  تجبر عليه .

*لماذا؟

-لأن المنهج اداة لتطوير العقل …وهذه الخاصية الاساسية للمنهج .والحكومة لديها مصلحة في التحكم في عقول الناس حتى تسيطر عليهم  وتحافظ على السلطة  .والتعليم والاعلام هما الادوات الايديولوجية للتغيير .والتعليم في المقام الأول.

لكن كان هناك حكومات اكثر وطنية واحساس بهموم المواطن والتعليم لم يكن جيدا كما تقول انت ؟

-كلها حكومات نخب بغض النظر لو كانت مدنية أو عسكرية تسعى للسيطرة على التعليم .والتعليم مجال صراع بين اصحاب المصالح ومكونات المجتمع والحكومة لن تتخلى عن ذلك الا عن طريق صراع وضغط تجبر به لكنها لن تتخلى عنه بسهولة ويسر. .

*هل ترى أن يضغط المجتمع على الحكومة لتغيير المناهج

-انا كأب يجب أن اعلم ماذا تعلم ابني او بنتي …الآن هناك تدهور رهيب في مستوى الطلاب بعد دخول الجامعة ،وهناك كثير من الجامعات تعمل تدريب وتأهيل بمجرد دخول الطلاب اليها  .قبل عامين اجرت احدى الجامعات  اختبارا تأهيليا لطلاب الرياضيات لمعرفة مقدراتهم  وكان هناك سؤال 40-20 ÷ 5. عدد الطلاب الذين اجابو اجابة صحيحة 18% من جملة الطلاب .وكلهم درجاتهم اعلى من 70% في الرياضيات .

*إذن الخلل ليس في  الطلاب ؟

– الطلاب لديهم قدرات ..لكنهم يدربون  على أن  يصبحو آلة لحفظ  المادة “ليبخوها” في الامتحان ويحرز الطالب 90% ويمكن أن يحرز الدرجة الكاملة لكن السؤال هو ماذا تعلم ؟ الذي لا يعرف عمليات حسابية معناها لا يعرف رياضيات .وهذا يعني أن الطالب اعطوه حقائق وحفظها دون أن يفهم معناها

*لديك آراء ايضا عن أن التعليم طوال تاريخه لم يخدم الريف في السودان لم يخدم قضايا العنصرية والمرأة وغيرها من قضايا النهضة ؟

-نعم  ….موثق بالارقام أن التعليم متحيز ضد الريف وضد الفقراء وضد المرأة وهذا منذ الاستعمار …اي أن البنت في الريف من اسرة فقيرة هذه في اسوأ وضع وهو  الحرمان . كل الاطفال من عمر 6 الى 13 هم في مرحلة الاساس تظهر فيهم سمة الخلل في التعليم أذ تقول الحكومة أن 76% من هذه الفئة في المدارس والبقية خارجها رغم أنه حق يكفله الدستور، و عملنا احصائية دقيقة وجدنا أن النسبة الحقيقية هي 62% فقط والبقية خارج المدرسة، وعندما يذهبون الى الثانوي تقل النسبة كثيرا بسبب الرسوب بالاضافة الى التسرب ورأينا المأساة في ولاية كسلا التي اعلنت أن نسبة التسرب هي 84% و  .ومسؤولية الدولة أن ينال الطفل هذا الحق .ويأتي الثانوي 14/ 18 سنة ، الحكومة تقول أن 37% فقط يصلوا المرحلة الثانوية  والرقم اقل من ذلك بكثير وهذه سمة أخرى لخلل التعليم  وهي  أن الثانوي ماعونه ضيق وينكر حقوق هؤلاء الاطفال الذين يجب أن يتواجدوا في المدرسة. وهذه هي  الاسئلة الاساسية التي  يجب أن تثار كما قلت في بداية حديثي  لكن لا احد يثيرها .ولا رغبة للحكومة في اثارتها هروبا من مسؤوليتها .أولياء الأمور لا يتحدثون في كل ذلك ولا يشتكون من أن ابناءهم لا يدخلون المدارس ،و لا يتلقون تعليما جيدا ولا أن التعليم تلقيني يحشو ابناءهم لتنتفخ نسب الدخول بدون أي محصلة حقيقية .