عندما تكون ثقافة الحافلات هي القائدة  بقلم: م/ وائل عادل اررركب... اركب ... اركب.... هذا هو الهتاف الذي انطلق من حنجرة سائق الحافلة.... كان الوقت حاراً.... طال الانتظار... فقررت أن أستجيب للنداء... سألت السائق: هل ستذهب إلى "دريم لاند"؟ أجابني: قول بسم الله ... "اركب وبعدين نشوف". فسميت الله ... ثم ركبت .... ولم تكن الحافلة مزدحمة...

انطلق السائق يشق الشوارع، وبدأ الناس يخرجون من الشقوق ليركبوا معه… اكتمل عدد الركاب، واستمر شحن الحافلة بالبشر… سألت السائق أن يكتفي بعدد قليل من الواقفين لأن الطريق طويل، فنظر إلىَّ في مرآته الأمامية نظرة ازدراء، بعد أن عانقت شفته العليا أنفه. بدأت الأعداد تتزايد…. أصبح حذائي هو الممر المفضل للركاب.. وجوههم تتدلى عليَّ في مشهد عجيب … تحليت بالصبر الجميل… بدأت أنزف عرقاً… يتشاجر البعض نتيجة التكدس… يرتفع السباب… يبكي الطفل الرضيع… وبدأت رحلة الأحلام تسوق إليَّ نبأ احتضارها… سألت السائق: إلى أين تقودنا؟؟

قال: هذه السيارة ركبت كشافاتها الجديدة بالأمس، كما زودتها بمحرك فائق السرعة، وطلاؤها لم يمر عليه أسبوع، وهي أسرع سيارة موجودة في…. قاطعته: نعم.. وهذا ما جذبني لركوبها …ولكن إلى أين ستذهب بهذا المخزون البشري؟؟ ولماذا تسمح بركوب المزيد؟؟ رائع جداً أن ننطلق بأقصى سرعة، ولكن.. إلى أين؟؟!! رد مغاضباً: سآخذكم إلى وسط البلد… ومن هناك يستطيع كل فرد أن يركب ما يريد، ويذهب إلى حيث يشاء. نزلت هذه العبارات كالصاعقة على الجميع… صرخ الركاب في السائق… هذا يقول ألن تذهب إلى كذا؟ وذاك يصيح ألن توصلني إلى كذا؟؟ وآخر يشيح بذراعيه مظهراً سخطه، ليستقر كوعه في النهاية في فمي…كان كل راكب يريد أن يذهب إلى وجهة مختلفة تماماً عن الآخر، وأخذت حصتي من الاستفسار متسائلاً – بعد أن لفظت كوع هذا المتحمس: إذن.. لن تأخذني إلى “دريم لاند”؟؟؟!!! فتمتم في برود بذكره الذي رتله مع كل سائل سبقني: “لا طبعاً.. ألم أقل لك “اركب وبعدين نشوف”؟؟!!”. طلبت منه التوقف … نزلت من الحافلة… والتفت إليه وهو يواصل صناعة الشقوق في الشوارع… سمعته من بعيد يصطاد ضحاياه من المارة المساكين بندائه الفتان … اررركب …اركب …اركب… قلت في نفسي: “ما أكثر هذا النمط من القيادة… الذي يتبع فلسفة “اركب وبعدين نشوف”!!! نراه على مستويات شتى من الفعل القيادي في أماكن كثيرة وأزمان مختلفة. أسلوب واحد، وإن اختلف نوع السيارة. نراه حين تسوق بعض الحكومات شعوبها نحو اللاوجهة. وعندما تتكدس أحزاب وحركات بأعداد لا تعرف كيف ستصل لأهدافها أو لعلها لم تتفق على هدف، ويتكرر نفس المشهد في عدد من المؤسسات والمشاريع، لتكون المحصلة ظهور نفس الأعراض، المعاناة من صراخ الرضيع بعد فترة، وتفجرالمشاحنات كاستجابة طبيعية للتخمة البشرية، ثم تنشغل القيادة بإطفاء الحرائق بدلاً من إشعال الهمم. إنها أعراض طبيعية عندما تكون ثقافة الحافلة هي السائدة…والقائدة… وتصير السياسة المعلنة… “اركب وبعدين نشوف”… إن الأمر الذي ميز معظم قادة الأمم التي نهضت أنهم يعرفون ماذا يريدون، وكيف سيصلون إلى ما يريدون. كانوا رماة يتقنون تحديد الهدف…رسامين… يجيدون رسم الطرق، ونحاتين… يتقنون نحت الأمل في النفوس اليائسة… الأمر الذي تَغَنَّى به نابليون …”القائد هو بائع الأمل”…

العجيب أن بقية الركاب لم ينزلوا رغم احتجاجهم الواسع… وآثروا الركوب … لمجرد الركوب….أو لعلهم ارتضوا أن يذهبوا إلى حيث يعرف السائق…لا إلى حيث يريدون!!

ونصيحتي لكل راكب

“قبل أن يركب… يشوف”

ولا يستسلم ذهنياً لفكرة

“اركب.. وبعدين نشوف”.