علاء الدين بشير * ضمن الفترة الاخبارية (الجزيرة هذا الصباح) يوم الاثنين 8 ابريل الماضى  وفي سياق تقرير لمراسل الجزيرة بالخرطوم، الطاهر المرضي حول قضية إيقاف رئيس تحرير صحيفة "الصحافة"، النور أحمد النور، برر وزير الاعلام الناطق باسم الحكومة، احمد بلال قرار جهاز الأمن والمخابرات بإيقاف النور عن مزاولة مهامه كرئيس تحرير لصحيفة "الصحافة" بأنه لم يتحمل مسؤولياته عن ما ينشر بصحيفته !.

وما يفهم من تبرير وزير الاعلام لايقاف النور عن مزاولة مهامه كرئيس تحرير في ملابسات النظام الأمني القابض بشدة في البلاد، انه – النور- لم يكن رقيباً جيداً بمعايير الأمن على صحيفته وليس بمعايير المهنة، فقانون الصحافة للعام 2009 (وعلى علاته الكثيرة والذي خرج من مطابخ النظام الحاكم المُهيمَن عليه من قبل جهاز الامن) ينص في المادة (27) والخاصة بمسؤوليات رئيس التحرير على الآتي:

“يكون رئيس التحرير هو المسئول عن حسن الأداء التحريري في الصحيفة، كما يكون مسئولاً جنائياً عن كل ما ينشر في الصحيفة بصفته فاعلاً أصلياً للمخالفات والجرائم التي ترتكب بواسطة الصحيفة، وذلك مع عدم الاخلال بالمسئولية الجنائية أو أي مسئولية أخرى للكاتب وتكون المسئولية تضامنية”.

وعلى التحقيق فان “حسن الأداء التحريري” لأي صحيفة محترمة يعني في المقام الاول الالتزام الصارم بالمهنية الرفيعة والتي تَعنِي فيما تَعنِي المصداقية، وهذا بالضرورة يتطلب منها أن تنوب عن الشعب في إبراز ما يدور في البلاد بشفافية عالية وأن تضطلع بدورها الطليعي كسلطة رابعة، مهمتها مراقبة الاداء العام لمؤسسات الدولة ومسؤوليها في مختلف مستوياتهم حتى رئيس الجمهورية بما في ذلك اداء جهاز الأمن و بقية القوات النظامية وحتى القضاء إذا ما حاد عن النزاهة وأن تنشر ما يقع فى يدها من فساد موثق وأن تتناول بالخبر والتعليق والرأي ما يجري من حروب أهلية وما ينتج عنها من تداعيات انسانية مؤسفة للمدنيين وعن الكيفية التي تدار بها هذه الحروب وكشف ملابسات القرار السياسي الذي قاد إلى اندلاعها وتأجيجها.

وتشدّد المادة (28) من قانون الصحافة والمتعلقة بحقوق الصحفي وحصانته والتي نصها :

أ. عدم تعرضه لأي فعل غير مشروع بغرض التأثير على عدالته أو نزاهته أو التزامه بواجباته المهنية،

ب. لا يجوز فصله من عمله إلا بعد اخطار الاتحاد العام للصحفيين.

هذا هو المعيار الأصيل لمزاولة مهنة الصحافة ولكن بناءً على محددات مزاولة المهنة الموضوعة من قبل جهاز الامن ومؤسسات السلطة فان تناول أيٍ من الموضوعات المذكورة أعلاه تضع الصحيفة والصحفي أو الكاتب تحت طائلة عقوبات جهاز الامن أو أجهزة السلطة الاخرى التي تصل حد ايقاف الصحفي أو الكاتب من مزاولة المهنة واغلاق الصحيفة تماما .

وطبقا لصحفيين عاملين في الصحف اليومية تحدثت اليهم فأنهم قد تعاملوا مع منطق الامر الواقع وقبلوا بمبدأ وصاية جهاز الامن على العمل الصحفي طالما أن لافكاك من ذلك في دولة يسيطر الأمن على كافة مفاصلها لدرجة أن تصدر المحكمة الدستورية فى العام 2010 حكما لصالح جهاز الامن يؤكد دستورية الرقابة القبلية المفروضة منه على الصحف في سابقة كانت مسار تندر في بلدان كثيرة !.

ويوضح هؤلاء الصحفيون انه تم الاتفاق بين الامن والصحافة على آلية جديدة لممارسة الرقابة قبل أكثر من ثلاث سنوات بوضع ما عرف بميثاق الشرف الصحفى والذي تضمن ميكانيزمات الضبط في حال المخالفة، منها الرجوع الى مجلس الصحافة واتحاد الصحفيين، لكن ماجرى في واقعة ايقاف رئيس تحرير صحيفة “الصحافة”، النور احمد النور بقرار من جهاز الامن أن كلا المجلس والاتحاد رفضا ضمنا القرار، وكان مجلس الصحافة – وهو الجسم الحكومى المعنى بتنظيم المهنة – الأقوى تعبيراً في رفضه تغول الامن على صلاحياته في جرأة غير مشهودة له، الأمر الذى أثار قدراً كبيراً من التساؤلات في الوسط الصحفي عن ما إذا كان قرار جهاز الامن ضد النور صادراً من أفراد فيه وليس قرار مؤسسة، فقد جاء في بيان مجلس الصحافة بخصوص القضية والذي منع من النشر في الصحف اليومية بأوامر من جهاز الأمن ما يلي: “ناقش المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحفية اليوم الأحد 7/4/2013م، ضمن أجندة  اجتماعه الدوري، حادثة إيقاف رئيس تحرير صحيفة الصحافة، عضو المجلس، النور احمد النور عن العمل بواسطة جهاز الامن والمخابرات الوطني، واعتبر المجلس الحادثة واحدة من أشكال التدخل المباشر من السلطات الأمنية في عمله وعمل المؤسسات الصحفية تضُاف إلى تعليق صدور بعض الصحف، وفرض رقابة قبلية على البعض الآخر، وهي أمور يعتبرها المجلس تطعن في اصل وجوده والدور الذي يقوم به في الإشراف على العمل الصحفي ومراقبة ادائه، مع احترامه وتقديره لقانون الأمن ومسئوليته في الحفاظ على أسس واستقرار البلاد.

            لقد قرر المجلس بعد نقاش مستفيض رفع مذكرة إلى رئاسة الجمهورية يعترض فيها على التعدي على صلاحياته التي يكفلها له قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية 2009 ويطلب فيها رد سلطاته إليه وفق قانونه، ومنع تدخل الأجهزة الأخرى في العمل الصحفي اليومي أو الاستغناء عن وجوده وإحالة أمر العملية الصحفية برمتها إلى الجهة التي ترى الدولة أنها القادرة على ذلك”.

ويستند جهاز الامن في تدخله السافر في العمل الصحفي على مادة فضفاضة في قانونه تعطيه سلطة تقديرية واسعة لتحديد ما يمثل تهديداً للأمن القومي و بالتالي اتخاذ مايراه مناسبا من تدابير لايقاف ذلك التهديد.

وبخلاف أن قانون الامن الوطني يخالف الدستور الانتقالي للعام 2005 بشكل سافر ويعطي الجهاز صلاحيات واسعة تسمح له بالتدخل في كافة الانشطة بما في ذلك التصديق لاقامة حفل زواج في حي سكني ويمنح افراده حصانات ضد المساءلة، فان كثيرين يعترضون ابتداءً على اعطاء الحق في وضع نظرية ووضع خطوط حمراء للامن القومي لنظام سياسي او لمكوناته العسكرية والامنية دون اعتبار لمكونات المجتمع الفاعلة الأخرى، فالراسخ في المفهوم والثابت من تجارب الامم ان تحديد نظرية للامن القومي و المصالح العليا للدولة هو عمل تضطلع به كافة مكونات المجتمع السياسية والفكرية سواء الحاكمة او المعارضة، وذلك تداركا لانفراد مجموعة محدودة من الناس، مكنتها ملابسات معينة من السيطرة على الدولة بتفصيل محددات الامن القومى والمصالح العليا على مقاس افكارها ومصالحها المادية والسياسية او على مقاس زعيمها واتخاذ الامن القومي تكئةً للتضييق على الحريات ومصادرة الحقوق بهدف احكام السيطرة على الاوضاع فى البلد.

 وغير ان المفهوم المتجدد للامن القومي تجاوز الرؤية التى تقصره على الامن السياسي والعسكري والاقتصادي الى ما يعرف بالامن الانساني، الذي يتخذ من الانسان غاية في ذاته من حيث احترام قيمته الانسانية وكرامته ومعتقداته وآرائه وأمنه الجسدي والنفسي، فان كثيراً من الصحفيين العاملين في الصحافة التي تصدر في الخرطوم الآن يرون أن الرقابة افتقدت معايير محددة وثابتة في التعامل مع الصحف المختلفة، وصارت إلى حد كبير خاضعة إلى مزاج الرقيب الأمني المباشر، وتجاوزت فى احيان كثيرة، وبسفور، الموضوعات التي يمكن ان تدخل في اطار مهددات الامن القومي بمفهومه التقليدي الى موضوعات ذات صلة بالتنافس السياسي التقليدي بين القوى السياسية المختلفة لتصل إلى منع نشر  موضوعات خدمية او ذات صلة بأداء المسؤول في وظيفته العامة التي تضعه (كما هو العرف) تحت طائلة المساءلة من الشعب الذى تنوب عنه الصحافة فى ذلك، وغالبا ما تكون هذه الموضوعات قد خضعت للضبط المهني بايراد وجهتي النظر في القضية موضع التناول الصحفي.

اضافة الى ذلك فان تصنيف جهاز الامن و المخابرات للموضوعات الصحفية التي تمثل تهديدا للامن القومي لم تشمل ضمن حملته الرقابية على الصحف ما كشفت عنه تقارير وزارة الصحة قبل سنوات (وكانت الرقابة الامنية القبلية على الصحف مفروضة في ذلك الوقت) بأن حالات الاصابة بمرض السل فى البلاد ارتفعت الى 70 الف حالة بينها 10 آلاف حالة اصابة سنويا بولاية الخرطوم وحدها، وان الداء العضال صار ترتيبه الرابع في البلاد من حيث حجم المصابين بأمراض، بنسبة بلغت 16 % من حجم الداخلين الى المستشفيات. فقد هجم مقص ضباط الامن المكلفين بالرقابة على الصحف بهمة عالية على موضوعات تتعلق بتصريحات قوى المعارضة بينما غض الطرف عن ذلك الخبر الذي تصدر عناوين كثير من صحف الخرطوم الصادرة وقتها، ما يؤكد بشدة ان جهاز الامن انما ينطلق فى ممارسته الرقابية على الصحف من اجندة حزبية ضيقة لا تتغيَّا المصالح العليا للبلاد، كما هو الزعم، فأي مصلحة عليا للبلاد يمكن تحصيلها بتجاوز صحة وامن مواطنها؟.

 ويتساءل صحفيون باندهاش عن ما اذا كان صحفياً وأستاذاً للاجيال في قامة محجوب محمد صالح تجاوزت سنوات امتهانه الصحافة ستين عاما، يحتاج الى من يذكره بمحددات ومهددات الامن القومي ويعرّفه بالمصالح العليا والاستراتيجية للبلاد؟.

و طبقا لآراء عدد كبير من المحللين والصحفيين فان التهديد الاكبر للامن القومي يأتي من ممارسات السلطة التي لا تخضع للمساءلة، خاصة من الصحافة الحرة والمستقلة ذات المهنية العالية ، و يدللون على ذلك بأن ازمة دارفور عندما كانت  في قمة تصعيدها، وما تم فيها من انتهاكات وقعت في ظل رقابة صارمة على الصحافة الوطنية التى منعت من ايراد أي موضوع عن ما يجرى فى الاقليم المضطرب لا يكون صادرا من القنوات الرسمية في الدولة، الامر الذي جعل الرأي العام الداخلي يتلقى المعلومة عن ما يجرى في بلاده من وسائل الاعلام الخارجية، و في الوقت نفسه مثل انسحاب الصحافة الوطنية المستقلة عن مجريات الاحداث في دارفور، في ذلك الوقت، مسوغا مناسبا لتحليلات واتجاهات اخرى شكلت قناعة لدى كثيرين فى العالم عن الاحداث في دارفور، وكان التبرير الاساسي الذي استبعد الصحافة الوطنية من ان تمثل مرجعا موثوقا به للمهتمين بقضية الاقليم المضطرب، انها اما غير مستقلة وحرة، او غير مكترثة من تلقاء نفسها بأخطر قضية تدور فى بلادها .

 وكلا التبريرين اعلاه مؤسفان في حق الصحافة والسلطة الحاكمة معاً، وهو ذات الاتجاه الذي مضت فيه السلطة وجهازها الامني حينما قمعت الصحافة الوطنية وهي تقوم بدورها في تغطية الاحتجاجات الاهلية على قيام السدود فى الشمالية، والتظاهرات الشعبية فى مدينة بورتسودان، التي أودت بحياة اكثر من عشرين مواطنا في مدينة بورتسودان في العام 2005 برصاص الأجهزة الامنية والآن تكرر السلطة وجهازها الأمني نفس دورها السابق في قمع الصحافة عن دورها ومسؤوليتها وهي تتعاطى مع الصراع الدائر فى جنوب النيل الازرق وجنوب كردفان!.

واستنادا الى مبدأ المسؤولية المهنية الذي برر به الناطق باسم الحكومة قرار الامن بايقاف النور رغم تعسفه فى حالته فان كثيرين يرون ان الامن القومي للبلاد انتُهك في أجلى صورة للانتهاك، وذلك بالتدخل العسكري المباشر من قبل دولة أجنبية داخل الحدود السيادية للبلاد اكثر من مرة دون ان تحمّل أية جهة المسؤولية او تدفع ثمن ذلك لا بالاستقالة او الاقالة او بالمحاسبة، بل ان الصحافة الوطنية حينما حاولت تناول القضية من تلك الزاوية جاءتها الاوامر من أعلى بايقاف تناول ذلك الحدث على صفحاتها !!.

وبحسب صحافيي صحيفة “الصحافة” فان مجلس ادارة الصحيفة اجتمع الى جهاز الامن لمراجعته في قراره فقال لهم ان القرار قرار مؤسسة وليس افراد و ان لديهم مع النور، غير خلافهم الاخير معه، ملفات اخرى، وكان جهازالامن قد برر قراره الشفاهي بايقاف النور لحظة ابلاغه به انه اساء اليهم حينما اعترض على قرار الرقيب الأمنى بحجب خبر عن الصحيفة ! .

ويرى كثيرون ان التلويح بوجود ملفات او معلومات او غيرها من المزاعم الامنية الغرض منها اساسا الترهيب من اجل التغطية على القرارات المتعسفة التي يرفضها الرأي العام والتي لا تستند الى منطق او قانون سوى منطق القوة، ويدللون على ذلك بالاتهامات التي سيقت من قبل ضد ناشر و رئيس تحرير صحيفة “السوداني” السابق، محجوب عروة الذي قادته مواجهته لمتنفذي النظام الحاكم لتلفيق اتهامات ضده بالتخابر مع دولة أجنبية ادت الى ادخاله السجن واغلاق الصحيفة في التسعينيات من القرن الماضي، ثم اعادة اصدارها بعد حملة قوية منه ثم ملاحقته مرة أخرى بضغوط مختلفة حتى اضطر إلى بيعها. وكذلك تهديد مدير جهاز الامن والمخابرات السابق، صلاح قوش حينما مارست الصحافة الوطنية مسؤوليتها بحق وتصدت لما رأته عدم مسؤولية وتهديداً لامن البلاد القومي وفقا لتقديراتها المهنية والاخلاقية، وانتقدت الحملة الفاشلة التي وقف وراءها الامن لاسقاط نظام الرئيس التشادي ادريس ديبي واهدار موارد البلاد في مغامرات خارجية لا طائل من ورائها وفقا للمصالح العليا للبلاد، فهدد في مؤتمر صحفي مشهود بأن لديهم معلومات عن علاقات مشبوهة لصحفيين بسفارات أجنبية وقد طالبه الصحفيون باعلان تلك الاسماء وتقديم بيناته الى القضاء ولكنه لم يفعل!.

 

 * Alaabashir7@gmail.com