مديحة عبد الله: مسؤول في مجلس الصحافة اعترف لنا ان المهنة محكومة بالعضلات وليس القانون خالد التجانى: السلطة جعلت رؤساء التحرير ضباط امن بدون رتب رسمية النور احمد النور: 90 % من الصحف مستقلة شكليا ومملوكة للحزب الحاكم في الواقع عبد الله الشيخ : هناك مرحلة أخيرة قادمة لاحكام تدجين الصحافة

بمناسبة اليوم العالمى لحرية الصحافة نظمت صحيفة (التغيير) حلقة نقاش بعنوان “الصحافة السودانية.. ممارسة المهنة في ظروف قاهرة”، تحدث فيه اربعة من رؤساء التحرير هم خالد التيجاني النور ناشر ورئيس تحرير صحيفة “ايلاف” الاسبوعية، مديحة عبد الله، رئيسة تحرير صحيفة “الميدان” الناطقة باسم الحزب الشيوعى، النور احمد النور، رئيس تحرير صحيفة (الصحافة) الموقوف من قبل جهاز الامن الشهر الماضي، عبدالله الشيخ رئيس تحرير صحيفة (اجراس الحرية) التي اغلقتها السلطات بعد تصويت الجنوب على الانفصال فى يناير 2011.

اعدّها للنشر : علاء الدين بشير

ظروف قاهرة !

ابتدرت النقاش مديحة عبد الله مشخصة ماهية الظروف القاهرة مبينة ان ظروف ممارسة مهنة الصحافة لا تنفصل عن مجمل الظروف السياسية والاقتصادية والامنية والمجتمعية التى تحكم الواقع حاليا في السودان، و اكدت انه لا يمكن التطلع لصحافة حرة في ظل سيطرة حزب واحد على مقاليد الامور فى البلاد. واعتبرت مديحة مجمل البيئة القانونية التي تحكم ممارسة مهنة الصحافة غير ديمقراطية واضافت انه حتى قانون الصحافة لعام 2009 المستمد من الدستور الانتقالى للعام 2005 لم يتم الالتزام به من قبل السلطات.

وقالت مديحة ان الواقع الاقتصادي السيئ في البلاد القى بظلاله على المهنة وتمثل ذلك فى تكاليف الطباعة والتوظيف للكوادر المؤهلة مشيرة الى ان اصحاب القدرات الصحفية العالية هاجروا الى الخارج او هجروا المهنة الى اعمال اخرى، ورأت ان تضافر الظرفين السياسى والاقتصادي  اسهما بصورة كبيرة في تراجع مقروئية الصحف بجانب قلة الموارد الاخرى المعينة على العمل. وركزت رئيسة تحرير صحيفة “الميدان” على القبضة الامنية المشددة على  العمل الصحفي والتي قالت انها وصلت حد ايقاف رئيس تحرير صحيفة “الصحافة”، النور احمد النور عن عمله الشهر الماضي وتطرقت الى الرقابة الامنية القبلية والبعدية ومصادرة الصحف بعد طباعتها من المطابع مشيرة الى تجربة صحيفة “الميدان” في ذلك ما تسبب لنا في خسائر مادية كبيرة وتجاوز التعسف الامني ذلك الى  تحذيرالمطبعة من طباعة الصحيفة الامر الذي اضطرنا الى التوقف عن الصدور فى النسخة الورقية والتحول الى صحيفة الكترونية قهريا.

وخلصت مديحة الى ان نظام الانقاذ احكم سيطرته على الدولة وعلى المجتمع بصورة منعت اي مساحة يمكن ان يتحرك فيها المجتمع المدني او الصحافة حيث ان سيطرة الحزب الواحد على جهاز الدولة منعت انسياب المعلومات الى الصحف وجعلها فقيرة، الامر الذي قاد الى انصراف القارئ عنها. ورأت ان ضعف الحركة السياسية ادى الى ضعف الصحافة لانها لم تستطع الضغط على السلطة من اجل بسط الحريات الصحفية والعكس ايضا ان الصحافة الحرة تلعب دورا فى تقوية الحركة السياسية.  

ناشر ورئيس تحرير صحيفة “ايلاف”، خالد التجانى شدّد على ان واقع الصحافة السودانية اليوم يستحق العناية من الصحفيين خاصة وان السودان يمر بأخطر مرحلة فى تاريخه ومهدد بالتشظي والتلاشي حيث يفترض ان الصحافة هي ضمير الوطن وقال ان ازمة الصحافة تتمثل في انها واقعة بين كماشة القوانين التي تقيدها من جهة وبين اصرارها على ان تقوم بدورها المنوط بها من الجهة الاخرى مبينا ان هامش الحريات الضيق الذى تحاول الصحافة ان تعمل فيه الآن تتحدث عنه السلطة بأعتباره منحة قابلة للسحب في اي وقت مؤكدا ان الحرية حق اصيل طالما انها تمارس في اطار القانون ووفقا للمسؤولية لكنه اوضح ان السلطة تنتهك حتى القوانين الجائرة التي وضعتها وبشكل سافر وقاهر مستعرضا صور وتدرج هذا الانتهاك في حال الصحافة من التوجيه للاخطاء الى الرقابة القبلية والبعدية ثم الى المصادرة بعد الطبع ثم الى الايقاف.

واكد التجانى ان الممارسات الامنية الحالية بحق مهنة الصحافة تجاوزت كل الاعراف والقوانين والمنطق وقال انه لا يرى تفسيرا لهذه الممارسات من قبل جهاز الامن الاّ انه – الجهاز – يريد ايصال رسالة الى الجميع بأنه موجود ولا كبير عليه وعزا التيجانى ضراوة الهجمة الرسمية على الصحافة الى ان الصحفيين ليس لديهم منظمات تجعلهم يواجهون هذه الهجمات بشكل موحد معتبرا وحدة المجتمع الصحفي ترياقا يمكن ان يجعل السلطة تهاب الصحافة وتحسب الحسابات قبل ان تفكر في الهجوم المتعسف الذي توالى عليها.

واوضح رئيس تحرير صحيفة “ايلاف” ان السلطة القائمة تتعامل مع الصحافة على انها “ديكور” يجمّل نظام حكمها و”ينفّس” عن الناس بعض الشئ على اعتبار ان هناك اكثر من 20 صحيفة تصدر فى الخرطوم ما يعطي انطباعا بان الحريات مكفولة و كل شئ على مايرام عكس تجارب انظمة الحكم الشمولية التى لا تسمح بصدور الصحف المستقلة مبينا انها فى المقابل وعبر ميكانيزمات السيطرة تكبلها عن القيام بدورها الحقيقي كسلطة رابعة مشيرا في هذا الصدد الى اقتصاديات الصحف كأحد ميكانيزمات السيطرة عليها من قبل السلطة عبر الترهيب والترغيب معتبرا ان ذلك اثبت انه وسيلة ناجحة جدا لتدجين الصحف مشددا على ضرورة تمسك الصحافة السودانية بلعب دورها الحقيقي في الانابة عن المجتمع والرقابة على الدولة وزاد ان على السلطة السياسية ايضا ان تفهم ان ذلك من شأنه ان يعطيها قيمة هي ايضا بين انظمة الحكم في العالم.

وقطع التيجاني بأن الصحافة السودانية تواجه اوضاعا غير مسبوقة جازما بأن المرحلة الحالية اسوأ بما لايقاس من مرحلة نظام مايو التي كانت وسيلة سيطرتها على الصحافة بوسائل اكثر نعومة من تلك المتبعة الآن ورأى التجاني أن تغيير واقع الصحافة الحالي وثيق الصلة بفرص نجاة البلاد من المصير السيئ الذى يحدق بها.

فقدان مصداقية !

رئيس تحرير صحيفة “الصحافة” الموقوف بقرار من جهاز الامن الشهر الماضي، وعضو مجلس الصحافة و المطبوعات، النور احمد النور اكد تراجع سلطة الصحافة لصالح سلطات اخرى وعزا الاسباب لعمل الصحافة في بيئة سياسية وقانونية واقتصادية سيئة جعلتها مكبلة بقيود ثقيلة من بينها الاعلانات التى صارت تستخدم وسيلة للسيطرة والتركيع وقال ان محصلة ذلك ان صارت الصحافة فاقدة للمصداقية حيث ان ما يدور في البلاد لا ينعكس بصورته الحقيقية في الصحف واضاف ان بيئة الكبت التى تعمل فيها الصحافة خلقت نوعا من الرقابة الذاتية لدى الصحفي والكاتب.

وعدّد النور اكثر من قانون يحكم مهنة الصحافة و لكنه اكد ان قانون الامن هو المسيطر على المهنة تماما حيث وصل الامر حد ان يطلب مجلس الصحافة من رئاسة الجمهورية ان تعيد له صلاحياته او تحله.

وكشف النور ان التقرير الاخير لمجلس الصحافة والمطبوعات حول انتشار الصحف عكس الواقع الذى تعاني منه المهنة حيث اوضح التقرير ان مقروئية الصحف فى حالة انكماش مستمر فأكثر من 20 صحيفة تصدر فى البلاد توزع نحو 400 الف نسخة فقط وتابع: اغلب الصحف شكليا مستقلة لكن ملكيتها من الناحية العملية للحزب الحاكم مبينا ان هذا هو السبب الذي جعلها اقرب الى نشرات حزبية او حكومية من انها صحف مستقلة و زاد: واضح ان الامن راضٍ تمام الرضا عن الوضع الذي آلت اليه الصحافة لانه خطط لذلك بعناية. وقال النور ان تكلفة التشغيل والطباعة رفعت سعر الصحيفة الى جنيه ونصف الجنيه وهو سعر في ظل الظروف الاقتصادية الضاغطة التي يعيشها المواطن مع سوء الخدمة الصحفية التي تقدمها الصحافة جعل القارئ ينصرف تماما الى الخبز بعد ان كان يوازن ما بينهما في السابق.

وتطرق النور الى مسألة اخرى رأى انها من اسباب تدهور مهنة الصحافة وهى انه لا يوجد مجتمع صحفي متماسك مرجعا ذلك الى ان السلطة استطاعت تقسيم الجسم الصحفي كما فعلت مع الاحزاب السياسية مشيرا الى فشل ناشري الصحف في تكوين اتحاد لهم حتى الآن لأن كل منهم يبحث عن مصالحه الخاصة مع النظام.

واوضح عضو مجلس الصحافة و المطبوعات، رئيس تحرير صحيفة الصحافة الموقوف من الامن ان اكثر من 5 آلاف لديهم سجل صحفي لممارسة المهنة بينما العاملون في الواقع اقل من الف مبينا ان حتى هؤلاء 80 % منهم وهم جيل الانقاذ ضعيفو المستوى ولم يتلقوا تدريبا يؤهلهم لممارسة المهنة او يتواصلوا مع اجيال سبقتهم فى العمل حتى ينهلوا منهم.

اما رئيس تحرير صحيفة “اجراس الحرية” الموقوفة من السلطات منذ نحو عامين،عبد الله الشيخ فقد رأى ان الصحافة مختطفة من السياسيين ايضا وليس من نظام الانقاذ فحسب واوضح ان نظام الانقاذ استطاع السيطرة على مهنة الصحافة منذ العام 1989 وبخطة مدروسة عبر آلية القيد الصحفي اولا ثم جاءت المرحلة الثانية بعد اتفاقية السلام بادعاء هامش حرية الامر الذى خدع كثيراً من من اثروا الابتعاد في الفترة السابقة ان يعودوا الى المهنة لكن السيطرة الامنية افرغت ذلك الهامش المدعى من مضمونه.

و اتفق الشيخ مع النور فى ان ملكية الصحف مستقلة فى الظاهر ولكن الموقف الحقيقي انها مسيطر عليها حكوميا وسياسيا واكد انه ليس لديه شك بأن هناك مرحلة اخيرة قادمة لاحكام تدجين الصحافة تماما.

ودعا الشيخ الى تذكر زملاء المهنة الموقوفين من جهاز الامن او اولئك الذين اغلقت صحفهم لاسباب مختلفة ويعيشون ظروفا حياتية قاسية الآن.

مؤسسات التجميل !

وبخصوص المؤسسات المعنية بمهنة الصحافة ودورها في خلق ظروف مواتية لممارسة المهنة اوضح ناشر ورئيس تحرير صحيفة “ايلاف” ان الانقاذ لعبت على تكتيك اقامة نظام شمولي بقبعة ديمقراطية منفتحة على عكس الانظمة الشمولية السائدة وان هذا تم وفقا لخطة مدروسة ولم يحدث عشوائيا مبينا ان الصحافة الآن تستخدم من قبل السلطة كأداة “تنفيس” عن الاحتقان الشعبي ازاء سياساتها وليس كرقيب حقيقي على اداء الدولة بعد ان تحولت الى صحافة “ونسة” في مفارقة صارخة لدورها الحقيقي الذي ينبغي ان تضطلع به فى بلد مأزوم مثل السودان واكد ان نظام الانقاذ وضع سقفا محددا ومدروساً بعناية للصحافة اذا تجاوزته تُوقف فورا.

 وشنّ التيجانى هجوما على المؤسسات القائمة مثل مجلس الصحافة واتحاد الصحفيين وحتى قانون الصحافة مشيرا الى ان مجلس الصحافة اعترف اخيرا في قضية رئيس تحرير صحيفة الصحافة، النور احمد النور بأنه مجرد ديكور واردف: ان قضية النور نزعت ورقة التوت التى كان يتدثر بها المجلس الذي اعتبره فاشلا حتى في دوره في ترقية المهنة مؤكدا انه لا يوجد الآن كادر مؤهل في الصحافة السودانية الامر الذى جعلها عاجزة حتى عن استغلال هامش الحريات الذي اتيح في الفترات السابقة منتقدا ظاهرة كتابة العمود الصحفي التي شاعت الآن للمبتدئين في المهنة. اما اتحاد الصحفيين (والحديث للتيجانى) فهو اداة من ادوات السلطة لذا كان عديم الجدوى و النفع للصحفيين وتحول صراعه مع مجلس الصحافة الى تملق السلطة الحاكمة.

ولفت التجانى الى ان صراع  السياسيين والمتنفذين داخل النظام الحاكم اسهم في تعدد الصحف ولكنه جعلها صحفا تخدم اجندات شخصية ضيقة وليس قضية البلد.

ووصف التيجاني ضابط الامن الرقيب على الصحف بأنه رئيس رؤساء التحرير بينما تحول رؤساء التحرير الى ضباط امن بدون رتب رسمية ما افرغ الصحافة من مضمونها واضعف دورها المنوط بها في خدمة المجتمع خاصة في ملابسات العنف السياسي التي تشهده البلاد حاليا وقال ان الصحافة صارت مهتمة بـ “قوالات” السياسيين في الوقت الذي لا يلعب فيه السياسيون دورا في خدمة المجتمع.

و اكدت رئيسة تحرير الميدان ان اية صحيفة مهما كانت درجة قربها من النظام لديها مصلحة في الحرية ولكن النظام الحاكم لديه خطوط حمراء لا يتساهل حتى مع الصحف الموالية له اذا تجاوزتها ويتم ايقافها بحزم. وجزمت مديحة بفشل الصحافة في دورها الرامي الى خلق رأي عام حر وقوي لأن السلطة حريصة على الاّ يحدث ذلك.

و انتقدت مديحة كتاب الاعمدة الصحفية وقالت انهم حولوا المساحات المتاحة لهم للصراعات والمصالح الشخصية التى لا تفيد المجتمع واستخدموا مفردات في ذلك تدنت بالذوق العام واعتبرت ان لذلك علاقة باللغة السائدة الان في الخطاب السياسي .

وكشفت مديحة ان مسؤولا رفيعا في مجلس الصحافة والمطبوعات اعترف لهم في حديث خاص ان الصحافة محكومة بالعضلات وليس القانون وانهم في المجلس مجرد ديكور و انهم حينما يسعون لمساعدتهم على اعادة صدور صحيفة الميدان لا يتحركون وفقا للقانون الذي فوّضهم في ذلك وانما عبر سلوك مسالك قائمة على العلاقات والاجاويد الشخصية. و اعتبرت الصراع القائم بين مجلس الصحافة واتحاد الصحفيين اسبابه مادية اكثر منها مهنية أو ذات صلة بترقية المهنة حيث تحول الحصول على القيد الصحفي الى مصدر تمويل لكلا الطرفين لذلك يتنازعان عليه بالنظر الى الرسوم الباهظة لتكاليف استخراج شهادة القيد الصحفي واضافت: ان قيام شبكة الصحفيين كان ردة فعل على عدم وجود جسم يخدم الصحفيين الامر الذى جعل اتحاد الصحفيين يناصبها العداء لخشيته من ان تسحب منه صلاحياته وعمد بالتالي الى اثارة الشكوك حولها واستعداء جهاز الامن ضدها ما ادى الى اضعافها وهجرة وانزواء عدد من قادتها.

وحصر عضو مجلس الصحافة والمطبوعات رئيس تحرير صحيفة الصحافة، النوراحمد النور المؤسسات المهتمة بالمهنة في اربعة اجسام هى مجلس الصحافة واتحاد الصحفيين و شبكة الصحفيين ورابطة الاعلاميين الرياضيين. ووصف وضعية المجلس بالغريبة لانه اقرب الى الجسم الفني مهمته منح التراخيص لاصدار الصحف ولا تمنحه الدولة ميزانية الامر الذي قاده الى فرض رسوم عالية صارت اقرب الى الجباية منها الى رسوم خدمة مضيفا الى ذلك صلاحياته المنزوعة عنه من قبل جهاز الامن الامر الذى جعله يرفع مذكرة الى رئاسة الجمهورية يطلب استعادة صلاحياته أو حله. وارجع النور ضعف دور المجلس في التدريب وبناء القدرات للصحفيين الى عدم قدرته المادية.

ووصف النور الاتحاد بانه ضعيف وفاقد للمقدرة على القيام بدوره النقابي او حماية الصحفيين الذين صاروا عرضة الى الاهانة من الجهات الرسمية مدللا على ذلك بشتيمة وزير الصحة بولاية الخرطوم، مأمون حميدة اخيرا لهم، وحصر دورهم فقط في توفير مساكن واراضى للصحفيين فقط، واضاف ان شبكة الصحفيين حاولت ملء فراغ الاتحاد ولكنها تعرضت لهجمة شرسة ادت الى انغلاقها حول نفسها بينما صارت جمعية الاعلاميين الرياضيين تظهر في المناسبات فقط، وخلص النور في مداخلته الى ان الاجسام الصحفية متأثرة الى حد كبير بالوضع السياسي القائم الذي ادى الى اضعافها.