اعداد : صالح عمار لا يهمني إن كنت منتمياً لهذه القبيلة أو تلك، فكلنا سودانيون نعمل يداً واحدة من أجل تحرير بلادنا من سيطرتكم".. هي العبارة الخالده التي اطلقها البطل الملازم أول علي عبد اللطيف رداً على سؤال الضابط الانجليزي عن القبيلة التي ينتمي إليها في التحقيق الذي اجراه معه كقائد لجمعية "اللواء الأبيض" المناهضة للاستعمار الانجليزي، وكان وقتها في السادسة والعشرين من عمره.

كان علي عبداللطيف يدعو لوحدة السودان شماله وجنوبه ويفتخر بأنه سوداني فقط، ويرفض القبلية والعنصرية ـ رغم انتمائه لاثنين من اكبر واعرق قبائل السودان وافريقيا وهما النوبة والدينكا ـ ولذلك أصبح رئيساً لأول تنظيم سياسي سوداني ينادي برحيل الاستعمار الانجليزي في العام 1924م وكان من ضمن هذا التنظيم عبيد حاج الأمين من أشراف الخندق، وحسين شريف من آل المهدي، وسليمان كشة من الجعليين، ومحمد سرالختم من أهالي حلفا، وصالح عبدالقادر من قبيلة الرباطاب، وتوحد كل هؤلاء تحت قيادته في زمنٍ كانت فيه درجة الحداثة والمدنية ضعيفة جدا، وكان صوت البيوتات والقبائل هو الاعلي.

ولم يكن طريق النضال مفروشاً بالورود لعلي عبداللطيف، فقد تعرض وهو يواجه المستعمر لخناجر الغدر ايضاً من خلفه بواسطة القوى الطائفية التي كانت تدور في فلك الاستعمار، ففي مقال نشر بجريدة (حضارة السودان) مثلاً جاء فيه علي لسان احد المتحدثين باسم الطائفية بانه قد:  “أهينت البلاد لما تظاهر أصغر وأوضع رجالها دون أن يكون لهم مركز فى المجتمع بأنهم المتصدون والمعبرون عن رأي الامة. ان الشعب السودانى ينقسم الى قبائل وبطون وعشائر، ولكل منها رئيس او زعيم او شيخ، وهؤلاء هم أصحاب الحق في الحديث عن البلاد. من هو علي عبد اللطيف الذى أصبح مشهوراً حديثاً والى أي قبيلة ينتمي؟”.

ولكن التاريخ يحفظ في سجلاته الابطال فقط بعيداً عن قبائلهم وانسابهم، وقد خلد علي عبداللطيف اسمه كأب ورمز للنضال والسودانوية بتجرده وترفعه عن العمالة للاستعمار والوقوع في فخ القبلية بينما كان بامكانه الاستمرار في حياة الوظيفة كضابط والافتخار بانتمائه لقبائل ذات تاريخ ضارب في الجذور.

ولد علي عبداللطيف في وادي حلفا في العام 1896م على الأرجح، والده عبداللطيف أحمد من النوبة الميري وكان جندياً بالأورطة الثالثة عشرة السودانية التي تتبع للجيش المصري. والسبب في التحاق والده بالجيش المصري انه كان يعيش في مدينة الخندق جنوب دنقلا، وعندما جاء جيش المهدية بقيادة النجومي متجهاً شمالاً الى مصر أخذ كل القادرين على حمل السلاح ومنهم عبداللطيف أحمد والد علي عبداللطيف.

وفي معركة توشكي هزم جيش الخليفة بقيادة النجومي وتم أسر بعض الجنود منهم عبداللطيف وتم ضمه للجيش المصري في الأورطة الثالثة عشرة المرابطة في حلفا. وكان عبداللطيف قد تزوج من النصر الزين وهي من دينكا قوقريال (احد فروع قبيلة الدينكا المشهورة وينتمي لها الرئيس الحالي لدولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت) وأنجبت له في وادي حلفا علي عبداللطيف.

شب علي عبداللطيف في جو مشبع بالعسكرية في حلفا القديمة وسط معسكرات الجيش وتدريباتهم، وبعد هزيمة المهدية في 5 سبتمبر 1898م انتقلت الأسرة للعيش في الخرطوم في الحي الذي يسمى بـ”الهوا ضرباني” وهو يقع خلف حي الترس المشهور بالخرطوم.

والتحق علي عبداللطيف بالخلوة بالخرطوم وكان مبرزاً في دراسته بحكم تأثره بالجو المصري في حلفا القديمة التي كان يتبع فيها الطريقة الأحمدية ومقرها في طنطا بمصر. بعد ذلك تمت إحالة والده للمعاش وتم ترحيله مع بعض الجنود الى مدينة الدويم في العام 1908م حيث تم إعطاؤهم مساحات زراعية للإعاشة بها، ولكن علي عبداللطيف لم يرق له جو الزراعة فقد كانت طموحاته كبيرة وهرب بوابور النيل المعروف الى الخرطوم، وهنا بحث عن خاله ريحان عبدالله وكان ريحان ضابطاً ومعلماً في مدرسة ضرب النار ببري ورحب به خاله وهو الذي ربى واعتنى بعلي عبداللطيف.

كان ريحان عبدالله متزوجاً من مصرية والدتها من الدينكا وأنجبت له حسين وريحان، وكان حسين في نفس عمر علي عبداللطيف وتربيا سوياً في كنف ريحان عبدالله، وتزوج حسين بعد ذلك من بحر الراودي وانتقلت للعيش معها اختها فاطمة ومعها ابنتها العازة، وهذا سبب معرفة علي عبداللطيف بزوجته العازة محمد عبدالله التي تزوجها فيما بعد في العام 1916م.

دخل علي عبداللطيف القسم الابتدائي بكلية غردون وكان مبرزاً، ثم بعد ذلك امتحن للدخول للكلية الحربية والتي تعرف بالمدرسة الحربية المصرية في العام 1912م، ونسبة لماضي والده وخاله ريحان عبدالله احد معلمي الكلية ولتفوقه في المدرسة الابتدائية فقد تم قبوله بالمدرسة الحربية في العام 1912م.
تخرج علي عبداللطيف العام 1914م في مدرسة الحربية المصرية، وبعد تخرجه عمل بأمدرمان. ولم يلبث ان تم نقله للجبال الشرقية بجنوب كردفان في منطقة تلودي، ثم بعد ذلك نقل للفاشر حيث مكث بها فترة من الوقت، ثم نقل الى بحر الغزال، حيث عمل برمبيك، ثم بعد ذلك تم تعيينه كمأمور لمنطقة شامبي ببحر الغزال.

وأثناء وجوده ببحر الغزال اشترى كثيراً من العاج وسن الفيل فعادت عليه بربح وفير استطاع ان يشتري به منزلين بالخرطوم، وما زال هذا المنزل كما يسمى بشارع كلية الطب وهو يمر ببرج بنك التنمية التعاوني.

 وفي العام 1918م تم نقل علي عبداللطيف الى مدينة ود مدني حيث تمت ترقيته الى ملازم أول. وفي مدني أظهر نشاطاً أدبياً واضحاً، وهو نشاط امتد لامدرمان حيث أصبح عضواً ناشطاً بنادي الخريجين بأم درمان.

 إلا أن حادثاً مهماً في ود مدني كان له الأثر في تغيير نمط حياته في العام 1921م عندما كان يركب حصانه ولم يحيّ المفتش الإنجليزي. كانت هنالك مبالغة في تحية الضباط الإنجليز، حيث كان الضباط السودانيون ينزلون من دوابهم ويحيون الضابط الإنجليزي ويظلون هكذا الى ان يختفي هذا الضابط، ثم يعاودون ركوب الدواب، ولكن علي عبداللطيف رفض هذه التحية، وتمت إحالته الى محكمة عسكرية نقل بعدها الى أم درمان في وحدة أقل.

ولم يشتهر على عبد اللطيف سياسيا إلا حين كتب أثناء أجازته في الخرطوم مقالا في مايو 1922م عن ” مطالب الأمة السودانية “، وطلب من حسين شريف، رئيس تحرير جريدة  حضارة السودان (الجريدة الوحيدة في السودان آنذاك)، نشره فيها، كما بعث بنسخة منه إلى الصحف المصرية في القاهرة لنشره هناك.
وذكر أن الأمة السودانية إن كانت في حاجة إلى من يرشدها لنيل الاستقلال، فإن من حقها أن تختار بنفسها المرشد الذي تريد سواء أكانت مصر أم بريطانيا. كما احتج في هذا المقال أيضآً على إثقال الحكومة لكاهل السودانيين بالضرائب، وعلى عدم إنصافها لسكان المديريات لاسيما أهل الجزيرة الذين انتزعت أرضهم لمشروع الجزيرة، وسلمتها للشركات البريطانية.

وعلى احتكار السكر، وقلة الوظائف الممتازة، واحتكارها من قبل الإنجليز، وحرمان أهل البلاد المتعلمين الأكفاء منها. وعلى نقص وقصور التعليم في كلية غردون، والمدارس الأخرى، وطالب بمزيد من التعليم وإنهاء احتكار الحكومة لتجارة السكر، وإلحاق السودانيين بوظائف عليا في سلك الخدمة المدنية. ولم يتم نشر المقال في الصحف السودانية، ولكنه نشر في الصحف المصرية.

وألقي القبض على علي عبد اللطيف، وقُدم في 14 يونيو 1922 للمحاكمة أمام محكمة الجنايات بالخرطوم بتهمة كتابة وإذاعة منشور يثير الكراهية في نفوس الناس ويحرضهم على العمل ضد السلطات البريطانية الحاكمة. وادانته المحكمة وعاقبته بالسجن لمدة سنة قضاها في سجن من الدرجة الثانية.
ومن المفارقات العجيبة أن المقال الذي أثار حفيظة السلطات البريطانية، وأدين علي عبد اللطيف لكتابته وحكم عليه بالسجن بسببه، والذي أثنت عليه الصحف المصرية، وهللت له وأشادت به وبصاحبه، وبمواقفه الوطنية، وقالت: إن ذنبه الوحيد هو تمسكه بالسيادة المصرية على السودان، لم ترد فيه كما جاء في تقرير لجنة إيوارات فيما بعد كلمة واحدة لصالح مصر، أو المناداة بالوحدة معها أو التأييد لمطالبها في السودان، وإن كل ما جاء فيه هو : “الدعوة لقيام حكومة للسودان بواسطة السودانيين وإنهآء الحكم الأجنبي. وأن معظم محتويات المقال كانت تعبيرا عن مشاعر، كانت وما زالت هي المشاعر التي يفيض بها وجدان أبناء الجيل الجديد المتعلم، بل حتى كبار الموظفين”.

وكان هو السبب الحقيقي لمحاكمته بالسجن إذ اتهمته السلطات البريطانية بالمطالبة بحكومة للسودانيين، وإنهاء الحكم الأجنبي في لهجة ثورية عنيفة.
وتمثل محاكمة وسجن علي عبد اللطيف نقطة تحول في مسار الحركة الوطنية السودانية مشابهة للوضع في مصر حين ألقى القبض على سعد زغلول وزملائه وتم نفيهم خارج مصر.

وعند اطلاق سراحه، وخروجه من السجن في ربيع العام 1923، كان على عبد اللطيف اشد ما يكون “حماسة لفكرته، وكراهيةً للإنجليز واتجهت الأنظار إليه وأضحى بطلا وطنيا في نظر الخريجين والضباط معآً”.

وقد أثنت الصحافة المصرية على مواقفه، وأضفت عليه الدعاية المصرية هالة من التمجيد والتقدير جعلته يتبوأ هذا المركز البطولي بجدارة، فيما أستمرت جريدة “حضارة السودان” في موقفها العدائي حياله وحيال مؤيديه.
وقام على عبد اللطيف بعد ذلك بإجراء اتصالات شخصية ببعض أعضاء جمعية الاتحاد السوداني، وبادل معهم الزيارات المنزلية، وأخذ يدعوهم لتكوين جمعية سياسية علنية تعمل لتحرير السودان من النفوذ البريطاني، والتمسك بأهداب مصر كوسيلة للتخلص من الحكم الثنائي، والوجود البريطاني في السودان وإقامة وحدة وادي النيل بين السودان ومصر. ووجدت دعوته هذه صدى وتجاوبآً من بعض أعضاء چمعية الاتحاد التي انكشف أمرها ودبت الخلافات بين أعضائها لا سيما من عبيد حاج الأمين، الذي عرف بمواقفه الصلبة المعلنة ضد الإدارة والوجود البريطاني في السودان.

وفي أغسطس 1924م تم اعتقال علي عبداللطيف ومحاكمته بعشر سنوات سجنا بسجن كوبر، ثم نقل الى سجن واو. واشتعلت الثورة بعد اعتقال علي عبداللطيف وحتى أواخر نوفمبر تاريخ استشهاد رفيقه عبدالفضيل الماظ الذي قاد ثورة وتمرداً مسلحاً تم قمعه بعد مقاومة ضارية من الثوار انتهت باستشهاد الماظ. وفي لفتة واعتراف بعلي عبداللطيف كقائد لثورة 1924 قام  طلاب الكلية الحربية باداء التحية العسكرية امام منزله وهو في السجن.

 وفي العام 1935 أُحضر علي عبداللطيف مرة اخرى الى سجن كوبر. وفي العام 1938م نقل سراً الى محطة الكدرو بالخرطوم، ومنها الى مصر. وبعد 10 سنوات من ذلك في 29 اكتوبر 1948م توفى علي عبداللطيف في القصر العيني بالقاهرة.

ودفن بمقابر العامة وهي مقابر تخص عبدالعزيز عبدالحي، وهو أحد اقربائه من قبيلة الدينكا وكان مديراً لمديرية أسوان (وهو شقيق الشاعر المشهور عبدالمنعم عبدالحي). وعندما جاءت ثورة يوليو 1952م تم نقله الى مقابر الشهداء بمصر بقرار من الرئيس محمد نجيب الذي كانت تربطه صلة وثيقة بعلي عبداللطيف وكان معجباً بمواقفه.

تزوج علي عبداللطيف من العازة محمد عبدالله في العام 1916م وأنجبت له نعمات العام 1918م، ثم ستنا العام 1924. وتوفيت العازة محمد عبدالله زوجة علي عبداللطيف في العام 1987م، وكانت امرأة مناضلة وتعتبر أول امرأة تشارك في مظاهرة عامة في العام 1924م حيث كان طلاب الكلية الحربية يشيرون اليها بـ “أم ضفاير قودي الرسن واهتفي فليحيا الوطن”. وكان خليل فرح يقصدها باغنيته الخالده “عازه في هواك” كرمز للوطن.